Define your generation here. Generation What
جمال عيد: “لن نمسك العصا من النصف”
 
 

Gamal Eid

Gamal Eid

منذ أن أسسها في عام 2004، تعمل الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، تحت قيادة المحامي الحقوقي جمال عيد، على الدفاع عن حرية الرأي والتعبير في مصر والوطن العربي. يعتبر عيد الفترة الحالية هي الأسوأ في حياة المجتمع المدني المصري، ويشرح لـ «مدى مصر» أسباب اختيار الشبكة للاستمرار في العمل، وتحدي تعليمات الدولة بالتسجيل بمقتضى قانون الجمعيات الأهلية الجديد.

مدى مصر: مر المجتمع المدني في مصر بفترات ازدهار وفترات تضييق، مثل الفترة الحالية. في رأيك ما أهم المحطات التي مر بها؟

جمال عيد: أعتقد أن رفض الدولة استضافة مؤتمر تكوين المنظمة العربية لحقوق الإنسان سنة ١٩٨٣ كان من أهم المحطات، وكان هذا بمثابة توضيح لموقف نظام مبارك من المجتمع المدني.

المحطة الثانية المهمة كانت إضراب عمال “الحديد والصلب” سنة ١٩٨٩، كان إضرابًا ضخمًا وقُتل فيه عمال. وقتها المجتمع المدني- المُمثل في بعض النشطاء و”المنظمة المصرية لحقوق الإنسان”، التي كانت في هذا الوقت منظمة جادة- دعم العمال، وتم القبض على أكثر من ٦٠٠ عامل وعلى عدد كبير من أعضاء “المنظمة المصرية”، مثل المرحوم محمد السيد سعيد وهشام مبارك وأمير سالم، وعُذِبوا وبعضهم ظلت به إصابات لفترة طويلة.

المحطة التالية هي الفترة من ١٩٩٢ إلى ١٩٩٤، وهى ذروة تصاعد العنف الديني ضد الدولة من مجموعات مثل “الجهاد” و”التكفير والهجرة”. وكانت منظمات المجتمع الدولي- وقتها- صوتًا وحيدًا يتحدث عن أن العنف من الطرفين ليس الحل وأن المحاكمات الظالمة ليست الحل، وأنه لا بد من ترسيخ سيادة القانون. خلق هذا للمجتمع المدني اسمًا في هذا الوقت. أصبح موجودًا، لدرجة أن مبارك اشتكى للأمين العام لمنظمة العفو الدولية- التي كان لها فرع تحت التأسيس في مصر- من أعضاء المنظمة. فكان هذا اعترافًا بالوجود والنشاط الذي يدعو الرئيس للشكوى.

المحطة التالية في ١٩٩٤، كان هناك حدث مهم، وهو استيلاء الناصريين على المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، للأسف، وخروج القطاعات الباقية منها. فتكونت في هذه الفترة عدة مؤسسات جادة، منها من له مصداقية حتى الآن، ومنها مراكز: المساعدة القانونية لحقوق الإنسان- الذي أسسه هشام مبارك وأنا وآخرون، والنديم، والقضايا المصرية.

بعد ذلك في عامي ٢٠٠٠ و٢٠٠١ ومع الانتفاضة الفلسطينية، احتضن المجتمع المدني ومركز هشام مبارك لجان الدفاع عن الانتفاضة والمساعدات والتبرعات. بعدها بقليل، وبعد احتلال العراق ٢٠٠٣/ ٢٠٠٤، كان وجود المجتمع المدني في الشارع للمطالبة بالديموقراطية واحتضان حركات التغيير في هذا الوقت، والتي كان على رأسها حركة “كفاية” و”الحرية الآن”. تزامنت هذه الفترة مع تحرك الصحفيين والقضاة.

في هذه الفترة نشأت منظمات جادة، نعتبر أنفسنا منها، كما اهتمت الدولة بتقليد النموذج الأردني والمغربي واليمني: حيث كانت الحكومات تساعد المنظمات لتنشأ وتكون “GONGO  Government Organized non-Governmental Organizations“، وهي المنظمات المتواطئة، مثل الموجود حاليًا، الذي يلمع صورة الدولة ويقوم بدور الديكور.

في العام نفسه نشأ المجلس القومي لحقوق الإنسان. زيادة المنظمات الجادة مع وجود الـ gongo، جعل المنظمات الجادة في الفترة من ٢٠٠٤ إلى ٢٠٠٦ تتعاون أكثر ككتلة واحدة، لم يكن ممكن التفرقة في هذه الفترة بين المبادرة، وهشام مبارك، والنديم، والشبكة. لدرجة أننا فكرنا في أخذ مقر واحد. كانت كل مؤسسة تعمل في قطاع ويصطف الباقون وراءها.

أما في ٢٠١٠، فكانت المحطة الأخيرة قبل الثورة، وفيها ازدادت فاشية النظام بشدة مع تزوير الانتخابات وغلق القنوات. في هذه السنة زادت الـ gongo، لدرجة أن بعضهم أصدر تقارير تشكر حبيب العادلي على قضائه على التعذيب، وأنه أصبح حالة فردية، بينما كانت المنظمات الجادة تصدر تقارير أن التعذيب منهجي وليس هناك رغبة سياسية في الإصلاح.

مدى مصر: هل بقى شيء من مكتسبات المجتمع المدني بعد ثورة يناير، أم ضاعت كل نتائجها؟

جمال عيد: الهجمة الآن هي الأعنف في تاريخ المجتمع المدني المصري. ولكن الفرق أننا- رغم عنف تلك الهجمة- لأول مرة نشعر بسند من الجمهور، والناس تتحدث عن حقوق الإنسان سلبًا أو إيجابًا.

مع كل التهميش من الإعلام والهجوم من الدولة، إلا أن الإقبال على المنظمات ودعمها واللجوء إليها تضاعف بشدة منذ ٢٠١١. الكثير يرفضونا طبعًا مع حملات التشهير، ولكن هناك أيضًا مؤيدون موجودون في الشارع. كما أصبحت الحركة أوسع من بضع منظمات؛ لذلك أعتبر تلك هي المحطة الأهم. أصبحت هناك مجموعات كثيرة مدافعة عن حقوق الإنسان وجزء من الحركة مثل “لا للمحاكمات العسكرية” و”الحرية للجدعان”، بالإضافة إلى المبادرات التي تتم في الصعيد والدلتا، آتية من شباب وهذا شيء مفرح.

كما أن هناك شيئًا إيجابيًا في الأزمة الحالية، وهو أن هذه اللحظات الحرجة تساعد على الفرز: من يدافع عن الحقوق فعلًا ومن يغمض عينيه ليقترب من السلطة. بالرغم من أننا نعاني هذه اللحظة، فإننا كنا بحاجة إليها لنعرف المنظمات المتواطئة.

مدى مصر: تعاملت كل مؤسسة مع الهجمة الحالية على المجتمع المدني بتكتيك مختلف. ما الأسباب وراء اختيار الشبكة الاستمرار في العمل دون التسجيل تحت قانون الجمعيات الجديد؟

جمال عيد: أولًا، المنظمات الجادة تتحاور مع بعضها، ونتفق على أنه من الجائز أن تكون عندنا اختلافات في التكتيكات. فعندما قررت “المبادرة” التسجيل، تفهمت أنا ذلك، وهم أيضًا سيدعمون من يرفض التسجيل. لأننا نؤمن أن هذه الخلافات التكتيكية لا تخلق مشكلة في وحدة هدفنا.

الدولة يجب ألا تسيطر على المجتمع المدني. فاختيارنا يأتي دفاعًا عن حق التنظيم بغض النظر عن نوع التسجيل، لنفتح الباب لآخرين. يجب أن يروا أن هناك من يعمل دون التسجيل القانوني غير الديموقراطي. بعض الدول ليس بها قوانين لتنظيم عمل المجتمع المدني أو تضع قوانين مبسطة، ولكن الوضع هنا مختلف، فلأن القانون ظالم فمن حقنا أن نقاومه.

لا يجب أن يكون التسجيل طبقاً للقانون المستبد غير الدستوري. نحن مسجلون كشركة محاماة، فقانون المحاماة الذي يلزمني يعطي الحق للمحامين على درجة استئناف أن ينشئوا شبكات محاماة تدافع عن الحريات العامة، وهذا ما أفعله. مسجل ولكن طبقًا لقانون أكثر عدالة، وهو قانون المحاماة وليس قانون أمن الدولة.

مدى مصر: ما رؤيتك للأزمة الحالية، هل ستمر مثل موجات سابقة أم أنها قد تكون نهاية المجتمع المدني في مصر، مثلما يخشى البعض؟

جمال عيد: هي الموجة الأشد، ولكن القادم أسوأ. الدولة الآن مختزلة في رئيس الجمهورية وكل مؤسسة تعمل مستقلة بذاتها. تشعر أن أمن الدولة يريد إغلاقك ولكن وزيرة التضامن بعد أن كانت تتبع نهج أمن الدولة أدركت أن سمعتها ستتأثر فتراجعت قليلًا، ثم نسمع أن المخابرات مسئولة عن الملف، ثم إن هناك قضاة غاضبين فيتدخلون في الملف. فالموجة لا تزال ترتفع.

ليس هناك إرادة سياسية.. كل مؤسسة تعمل بهواها ولذلك من الممكن أن يقرر جناح منهم أن يضرب بينما يفضل جناح آخر الحل السياسي.

مدى مصر: من أهم النقاط التي تستخدمها الدولة في هجومها على المجتمع المدني هو اتهام المنظمات بالحصول على تمويل أجنبي.. هل نظرة الدولة والمجتمع للتمويل الخارجي تجعله تهمة في حد ذاته؟

جمال عيد: التمويل في حد ذاته ليس مشكلة، والدولة تعرف ذلك ولكنها تتخذه نقطة دخول للتشويه، ولكن الموضوع هو مصادرة المجال العام لتبقى الدولة العسكرية الصافية. نحن في طريقنا إلى ذلك وإن كنت أتمنى ألا يحدث. هناك فعلًا منظمات فاسدة، والدولة تستغل ذلك، ولكن التمويل يكون مشكلة فقط إذا كان سريًا أو من جهة مشبوهة.

في زخم الثورة قدمنا مقترحًا لقانون المجتمع المدني يلزم المنظمة بإعلان مصدر تمويلها وحجمه وكيفية إنفاقه، ويعطي الحق لأي مواطن أن يطّلع على هذا ويلجأ للقضاء إذا لزم. لقد التزمنا بذلك تطوعًا والدولة تريد أن تنسي الناس ذلك. هذا التشهير لا يتم إلا في الدول المستبدة.

في ٢٠١١، طبعت هيئة الاستعلامات، كتيبًا يوثق دور منظمات المجتمع المدني في الثورة، ثم أمر المجلس العسكري بإعدامه، ولكننا حصلنا على نسخة منه، وهو دليل من الدولة على دور المجتمع المدني. كما حصلنا على درع من الداخلية في ٢٠١١، فإذا كنا متآمرين فالداخلية متآمرة معنا وأعطتنا درع، كما اعترف الجهاز الإعلامي الرسمي للدولة بدورنا الإيجابي.

مدى مصر: بالنسبة لاستراتيجية الشبكة في التعامل مع التضييق الحالي: هناك حاجة لمواجهة الدولة أشد من أي وقت مع زيادة الانتهاكات وقلة الأصوات المعارضة، ولكن هناك أيضًا ضرورة لحماية المنظمة من خطر الإغلاق في ظل زيادة الأسلحة والقوانين التي من الممكن أن تستخدم ضد منظمات المجتمع المدني. كيف توازن بين القيام بدورك في مواجهة الدولة مع الحفاظ على استمرارية المنظمة في هذه الفترة الصعبة؟

جمال عيد: حقوق الإنسان غير قابلة للموازنات. التعذيب جريمة بغض النظر عمّن قام به، حرية التعبير مكفولة لمن نتفق معه ومن نختلف معه. طوال استمرارنا نعمل سنقوم بمهمتنا كاملة، وإذا أغلقوا المنظمات ولم يسجنونا سنعمل من الشارع وفي النقابات مثلما كنا نفعل قبل إنشاء الشبكة. المجال موجود طوال الوقت ولكن علينا إذا عملنا أن نفعل ذلك بجدية. أنا لن أكون منظمة تمسك بالعصا من النصف في حقوق الإنسان. هذا تواطؤ.

الأسباب نفسها التي تجعل منظمات تغلق هي في ذاتها أسباب للمنظمات أن تستمر. لا يجوز أن أعمل عندما تكون الظروف أفضل وعندما تضيق أغلق. الآن القمع أشد؛ فالقمع يطالني ولكن أنا لا زلت قادر على المساعدة فلا بد أن أعمل. المجتمع يحتاج هذه الخدمة ولا بد علينا من توفيرها، وحق الدولة يقتصر في ألا نكذب وألا يكون هناك فساد مالي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا الحوار جزء من سلسلة عن الحركة الحقوقية المصرية ينشرها مدى مصر.

اعلان
 
 
هبة عفيفي