Define your generation here. Generation What
هل “سَبَق السيفُ العَدل”؟
 
 

بعد تنفيذ حكم الإعدام فيهم صباح أمس، الأحد، تنظر محكمة القضاء الإداري، غدًا، الثلاثاء، دعوى وقف تنفيذ حكم الإعدام بحق المتهمين في القضية المعروفة إعلاميًا بقضية “عرب شركس”.

ما فات هو خبر صحيح، فالدعوى التي تم تأجيلها إلى الغد في جلسة يوم 21 أبريل الماضي، تطالب “بصفة مستعجلة” بوقف قرار المدعي العام العسكري الصادر في 11 نوفمبر 2014، بالتصديق على حكم الإعدام بالجناية رقم 43 لسنة 2014 جنايات عسكرية شرق القاهرة، والمعروفة إعلاميًا باسم “عرب شركس“.. وهو الحكم الذي تم تنفيذه فجر أمس.

وبحسب المحامي أحمد حلمي- محامي عدد من المتهمين في القضية-؛ فإن الدعوى قام برفعها أحد المحامين العسكريين في فريق الدفاع عن المتهمين، نيابة عن عبدالرحمن سيد رزق، أحد المتهمين الذين نُفذ فيهم حكم الإعدام.

ويوضح حلمي، أن تلك الدعوى جاءت على خلفية خطأ إداري بوجوب التصديق على الحكم العسكري من رئيس الجمهورية وليس من وزير الدفاع، كما حدث في حالة هذا الحكم.

قانونيًا، وحسبما يوضح حلمي؛ فإن رفع الدعوى أمام مجلس الدولة لا يلزم مصلحة السجون بتأجيل تنفيذ الحكم بالإعدام. كما أوضح أن الحكم يصبح واجب النفاذ بمجرد رفض الطعن عليه من المحكمة العسكرية العليا للطعون، موضحًا: “الطعون المقدمة أمام القضاء الإداري لا توقف تنفيذ الحكم إلا في حالة قبول الدعوى من المحكمة فعلًا”.

ورأت المحامية، فاطمة سراج، أن الدعوى كانت تمثل النافذة الوحيدة المتاحة للطعن على حكم المحكمة العسكرية، وبالتالي إمكانية تأجيل تنفيذ حكم الإعدام.

وحسبما يشرح محمد عادل- المحامي ورئيس وحدة التقاضي بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية-؛ فإن الدعوى التي يفترض أن تنظر غدًا أمام القضاء الإداري بمجلس الدولة، ستنقضي “لانتفاء شرط المصلحة بعد إعدام المتهمين فعلًا”.

كانت فرص قبول دعوى وقف تنفيذ الحكم ضعيفة من الأساس بسبب تغيير في قانون الأحكام العسكرية 25 لسنة 66، والذي تم تعديله في عام 2007 ليصبح اسمه “قانون القضاء العسكري 16 لسنة 2007”.

حيث كان القانون في صورته القديمة ينص على وجوب تصديق رئيس الجمهورية وحده على ​أي ​حكم بالإعدام، وهو ما تغير مع تعديل 2007 إلى وجوب تصديق رئيس الجمهورية في حالة الحكم بالإعدام ​في الجرائم العسكرية فقط، أما الجرائم التي يرتكبها مدنيو​ن، فيسمح القانون لرئيس الجمهورية بتفويض أي ضابط للتصديق عليها، وهو في هذه الحالة الفريق صدقي صبحي، الذي قام بالتصديق على حكم إعدام “المدنيين” المدانين في تلك المحاكمة.

ورغم أن احتمالات رفض تلك الدعوى كبيرة من الأصل؛ فإنها ألقت الضوء على عدد من المفارقات، وأثارت عددًا من الأسئلة التي ربما لن توجد لها إجابات “مُعلنة”.

وفقًا لعادل، توجد تناقضات في طبيعة الأحكام العسكرية، فطبقًا لدستوري 2012  و2014، تكتسب المحاكم العسكرية صفة المحاكم المدنية وتنطبق عليها الشروط نفسها لتصبح جهة تقاضي. إلا أن القوانين المنظمة للتقاضي العسكري تتعامل مع الأحكام العسكرية باعتبارها قرارات إدارية تحتاج للتصديق عليها قبل أن تصبح واجبة النفاذ.

وفي السياق ذاته، يشير محمود سلماني- عضو مجموعة “لا للمحاكمات العسكرية”- إلى تناقض آخر، وهو أن قضاة المحاكم العسكرية يتم تعيينهم بواسطة رئيس هيئة القضاء العسكري، وهي الهيئة التي تتبع وزير الدفاع، التابع بدوره للسلطة التنفيذية. ما يجعل المحاكم العسكرية “غير مستقلة”- على حد وصفه.

محمد عادل يصف تلك التناقضات باعتبارها “عبث تشريعي”. ولكنها في كل الأحوال تظل مرتبطة بالقضاء العسكري ككل، أما تنفيذ حكم الإعدام في قضية “عرب شركس” فجر الأمس، فيطرح أسئلة جديدة حول الأسباب الحقيقية لاستعجال الدولة في تنفيذ هذا الحكم تحديدًا، قبل يومين فقط من نظر دعوى قضائية قد تتسبب في تأجيل هذا التنفيذ.

ترى فاطمة سراج، أن ما حدث يخالف الأعراف المستقرة في تنفيذ أحكام الإعدام عادة. وتشرح أن الأمر عادة قد يستغرق سنوات ما بين صدور الحكم بشكل نهائي وتنفيذه فعلًا. وهو العرف الذي استقرت عليه مصلحة السجون في تنفيذ أحكام الإعدام؛ من أجل إعطاء المتهمين فرصة لاحتمال ظهور أدلة جديدة تتسبب في إعادة المحاكمة أو إلغاء الحكم. وهنا تعود لتتساءل: “ما وجه السرعة في تنفيذ حكم الإعدام في هذه القضية بالذات؟”.

يرى عادل، أن الاستعجال في تنفيذ الحكم قبل يومين فقط من نظر الدعوى، جاء ليغلق الباب أمام القضاء الإداري لتأجيل تنفيذ الحكم.

مضيفًا أنه في الأحوال الطبيعية- وبعد أن يصبح حكم الإعدام باتًا وواجب النفاذ- يأخذ الحكم دوره فيما سمّاه “طابور الإعدام”- وهو طابور القضايا التي أصبح حكم الإعدام نافذًا فيها ويستحق التنفيذ.

ويستكمل شارحًا: “طبقًا للشواهد والخبرات في القضايا السابقة؛ فإن تنفيذ حكم الإعدام يستغرق 6 أشهر في طابور الإعدام على أقل تقدير، لكن تنفيذ هذا الحكم بهذه السرعة- وفي غضون شهرين فقط من رفض النقض في مارس الماضي- يؤكد حالة الاستعجال، خصوصًا إذا كانت هناك نافذة قضائية قد تتسبب في تأجيل التنفيذ، وهى الدعوى المرفوعة في القضاء الإداري”.

وإن كان الشق المتعلق بالأعراف التي يتم اتباعها لا يُلزم مصلحة السجون باتباعه. لكن الشق القانوني الواجب اتباعه، حسبما يؤكد عادل، هو المتعلق بالترتيبات الأخيرة للشخص المحكوم عليه. إذ ينص القانون على أنه لا بد من إخطار أهل المتهم بموعد تنفيذ الحكم والسماح بزيارة أخيرة له قبل التنفيذ.

هشام – شقيق هاني عامر، أحد المتهمين الستة الذين تم تنفيذ حكم الإعدام فيهم أمس-، ينفي تمامًا أن يكون قد سُمح لهم بأية زيارة من أي نوع حسبما ينص القانون. ويقول لـ«مدى مصر»، إنه منذ القبض على هاني لم يتم السماح لهم بأية زيارات سوى مرتين، أخراهما كانت في فبراير الماضي واستمرت مدة 15 دقيقة فقط.

وحول ما إذا كان قد تم إخطارهم بموعد تنفيذ الحكم قبلها، أوضح عامر، أنه لم يعرف بتنفيذ الحكم سوى من وسائل الإعلام بالأمس. وحين اتصل بالمحامي أحمد حلمي ليتأكد، أخبره حلمي أنه ليس لديه أي علم بتنفيذ الحكم، وبأنه سيتأكد حين يحضر جلسة محاكمة محمد الظواهري، التي كانت مقررة أمس، والتي يحاكم فيها عبد الرحمن سيد رزق- أصغر المتهمين الذين نُفذ فيهم حكم الإعدام أمس سنًا. بعدها اتصل به حلمي ليؤكد له الأخبار بعد أن حضر الجلسة التي غاب عنها عبد الرحمن، والتي أعلن فيها القاضي أنه تم تنفيذ حكم الإعدام فيه.

القصة بشكل مشابه تؤكدها سارة شقيقة عبد الرحمن. والتي قالت في اتصال هاتفي مع «مدى مصر»، إنهم لم يعرفوا بتنفيذ حكم الإعدام فعلًا إلا من وسائل الإعلام، وأن الخبر تأكد لهم بعد إعلان قاضي محاكمة الظواهري له أمس.

وفي ما يتعلق بالزيارة، أوضحت أن آخر مرة تمكنوا فيها من رؤية شقيقها كانت يوم الخميس الماضي، واستمرت لمدة 7 دقائق وأنه لم يتم استدعاؤهم لأية زيارات أخرى.

محمد عادل، يرى أنه برغم أن الدعوى ستنقضي لانتفاء شرط المصلحة بعد إعدام المتهمين، إلا أن القضاء الإداري يمكنه أن يصدر حيثيات يشرح فيها الموقف القانوني للدعوى رغم انقضائها، وهو ما قد يسمح باستخدامه في حالة حدوث قضايا أخرى شبيهة في المستقبل.

لكنه يعود ويستبعد أن تقوم المحكمة بهذا، مفسرًا استبعاده هذا بقوله: “القضاء نفسه أصبح أضعف من أنه يحيد تحيزاته الشخصية في قضايا من النوع ده، خصوصًا بعد حادثة اغتيال القضاة في شمال سيناء أمس الأول”.

كان ثلاثة من القضاة قد لقوا مصرعهم في هجوم إرهابي شهدته العريش، في شمال سيناء، يوم السبت الماضي، وقبل يوم واحد من تنفيذ حكم الإعدام بحق متهمي قضية “عرب شركس”.

يرى عادل، أن تحول القضاء ليصبح طرفًا متحيزًا في صراع بهذا الشكل “سيسقط صفة القضاء عن النظام القضائي نفسه، وهو ما قد يحول الدولة لمهزلة قد لا نتمكن من تدارك مخاطرها”.

كان عدد من التقارير الإعلامية، قد أشار إلى كون عملية اغتيال القضاة في سيناء كانت رد فعل من “الإرهابيين” على إحالة أوراق الرئيس الأسبق محمد مرسي إلى المفتي في قضية “الهروب الكبير” يوم السبت الماضي، فيما عادت بعض التقارير لتكرر الأمر بشكل عكسي بعد يوم واحد، مشيرة إلى كون تنفيذ حكم الإعدام في متهمي “عرب شركس” هو “أخذ بالثأر” من الدولة المصرية.

قد لا تكون التقارير الإعلامية تعبر عن الرؤية الرسمية للدولة، لكنها بلا جدال تعد مؤشرًا قويًا على أن هناك الكثير- على اختلاف معسكراتهم- يرون أن الدولة ثأرت لشهدائها عبر إعدام عدد من المحكوم عليهم، بما يوحي بالقوة والحزم “المطلوبين في ظروف كتلك تتهدد فيها سمعة القبضة الأمنية”.

وبعيدًا عن مدى صحة تلك الرؤية من عدمها، لكن طرحها، مع الملابسات التي أحاطت بتنفيذ حكم الإعدام الأخير تجعل السؤال معلقًا في الهواء: “هل سبق السيف العدل؟”.

اعلان
 
 
محمد حمامة