Define your generation here. Generation What
حُكم “الهروب الكبير”.. بين إعدام الموتى والشهادات المتناقضة والأدلة المفاجئة
 
 

مرة أخرى يصدر حكم بالإعدام في أحد القضايا التي لها خلفية سياسية. لكنه هذه المرة ليس كباقي الأحكام التي باتت تمر سريعًا دون تأثير واضح، ربما بسبب لكثرة عددها وسرعتها وكونها عادة ما تصدر عن دائرة الإرهاب، التي يرأسها القاضي محمد ناجي شحاتة، صاحب لقب “قاضي الاعدامات”. أما هذه المرة فقد بدا الحكم في قضية الهروب من سجن وادي النطرون- في عام 2011 تزامنًا مع ثورة يناير- مختلفًا تمامًا، ربما لأنه أول حكم بالإعدام في حق الرئيس الأسبق محمد مرسي، وربما لأنه صدر في قضية تعلقت بأطراف دولية وإقليمية مثل حركة المقاومة الفلسطينية حماس أو حزب الله اللبناني، بخلاف قطر وإيران.

القرار الذي حول أوراق 107 متهمًا إلى مفتي الجمهورية، كإجراء روتيني للنطق بحكم الإعدام في الجلسة القادمة، انطوى على الكثير من الإشكاليات، التي جعلت معظم التعليقات عليه ساخرة.

أول هذه الإشكاليات، يتعلق بعدد من المحكوم عليهم بالإعدام من بين المتهمين الفلسطينيين الـ70. فعقب ساعات قليلة من إعلان قائمة المتهمين، علق القيادي البارز في حركة “حماس” موسى أبو مرزوق على الأمر، مشيرًا إلى أن من بين المتهمين أسرى لدى سجون الاحتلال الإسرائيلي، وشهداء جراء عملهم المقاوم في القطاع. وهو نفس ما أكد عليه أهالي هؤلاء المتهمين وسامي أبو زهري المتحدث باسم حركة حماس، عقب دقائق من النطق بالحكم، وكذلك إسماعيل هنية رئيس الحكومة المقالة.

وجاء قرار المحكمة بالإعدام في حق سبعين فلسطينيًا من بينهم حسن سلامة، الأسير الفلسطيني في سجون الاحتلال منذ عام 1996، والشهيد تيسير أبو سنيمة الذي قُتل في العدوان الإسرائيلي عام 2009، وكذلك الشهيد حسام الصانع الذي قتل عام 2008، فضلًا عن رائد العطار، وهو أحد مؤسسي كتائب القسام، والذي قُتل في العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة.

الاتهامات التي وجهتها المحكمة لهؤلاء، بالإضافة لباقي الفلسطينيين، أثارت الكثير من الدهشة. وهي التي وضحها قرار المحكمة برصد عناصر من “حركة حماس الفلسطينية وجيش الإسلام وحزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني أمام قسم شرطة الشيخ زويد.. وبدأت تلك المجموعات في القاء الحجارة والمولوتوف على القسم، وفي الساعة 5.30 عصراً انضم لتلك المجموعة حوالي 800 فرد ثم انضم 900 آخرين مدججين بالأسلحة الثقيلة وقاموا باطلاق قذائف الار بي جي باتجاه القسم”.

وأردف قرار الاتهام أن المتهمين “قاموا عمدا بأفعال تؤدي للمساس باستقلال البلاد وسلامة أراضيها تزامنا مع اندلاع تظاهرات 25 يناير 2011، بأن أطلقوا قذائف ار بي جي وأعيرة نارية كثيفة في جميع المناطق الحدودية من الجهة الشرقية مع قطاع غزة، وفجروا الأكمنة الحدودية وأحد خطوط الغاز، وتسلل حينذاك عبر الأنفاق غير الشرعية المتهمون من الأول حتى المتهم 71 وآخرين مجهولون إلى داخل الأراضي المصرية على هيئة مجموعات مستقلين سيارات دفع رباعي مدججة بأسلحة نارية ثقيلة، ار بي جي وجرينوف وبنادق آلية.. فتمكنوا من السيطرة على الشريط الحدودي بطول 60 كيلو متر..وخطفوا 3 من ضباط الشرطة وأحد أمنائها ودمروا المنشآت الحكومية والأمنية”.

وعلى الرغم من أن الجهات القائمة على تحريات القضية أقرّت بأن الأجهزة الأمنية اعتقلت 15 شخصًا من هؤلاء المهاجمين، تبين أنهم فلسطينيو الجنسية، إلا أن الحكم الصادر أوضح أن المتهمين الفلسطينيين كلهم هاربين والأحكام ضدهم غيابية.

وكانت المحكمة قد استمعت إلى أقوال شاهد الاثبات الثاني في القضية، وهو قائد الجيش الثاني الميداني محمد فريد حجازي، الذي أكد أنهم ألقوا القبض على عدد من العناصر الأجنبية، من بينهم فلسطينيين، وأنهم حوكموا أمام القضاء العسكري. إلا أن أحدًا من هؤلاء أيضًا لم ينل أي حكم في القضية.

نقطة أخرى من النقاط التي تصدرت الحديث عن القضية منذ بدايتها، أن طوال فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي، لم يكن اسمه مدرجًا في القضية، التي كانت تُنظر بالفعل ذلك الوقت. حتى أن حديثًا لوزير الداخلية المقال محمد إبراهيم، أقر فيه أنه لا وجود لأي دليل على أن مرسي كان في السجن أصلًا في ذلك الوقت، وقال: “أنا كنت مساعد السجون (من المسؤولين عن قطاع السجون في وزارة الداخلية).. معندناش أي شيء يقول إن سيادة الرئيس كان موجود في السجن. مفيش أي ورقة في قطاع السجن بتقول إن سيادة الرئيس محمد مرسي كان في سجن وادي النطرون”. واعتبر المراقبون أن ما قاله إبراهيم ينسف القضية من أساسها.

وفي النقطة نفسها، بعد عزل مرسي، تحديدًا يوم 13 يوليو من العام الماضي، ظهر فجأة مستند مقدم من رئيس نيابة أمن الدولة إلى المحكمة مسجل فيه إفادة من وزارة الداخلية بوجود قرارات اعتقال صادرة بحق 34 قياديًا من جماعة الإخوان المسلمين، من بينهم محمد مرسي، وأن هذا القرار كان شفهيًا، وكان هؤلاء “المعتقلين” مودعين في سجن وادي النطرون.

وفي المرات القليلة التي سمحت فيها المحكمة لمرسي بالتحدث، وتحدث هو في القضية نفسها وليس في ما يتعلق بكونه “الرئيس الشرعي” وما إلى ذلك، أثار بحديثه ما زاد الجدل الدائر حول القضية.

وقال مرسي أمام المحكمة أنه بعد الخروج من السجن “كل واحد مننا راح في طريقه لأننا لم نكن معنا بطاقات شخصية ونريد أن نركب أي شيء حتى نخرج من الصحراء.. اتصل بالمستشار عادل السعيد (النائب العام المساعد وقتها) وقال إحنا مش عندنا حاجة عليهم وطالما هما روحوا خلاص، واطلعت على الجرائد ونشر خبر لوزير الداخلية قرر فيه إخلاء سبيل 34 من الإخوان المحتجزين بسجن وادي النطرون.. بعد موقف النائب العام ووزير الداخلية علمنا أنه ليس علينا أي مشاكل.. وأثناء ترشيحي لانتخابات الرئاسة قدم طعن علىّ ورفضته اللجنة العليا للانتخابات”.

ومن المفارقات اللافتة في القضية أن التحريات التي قدمها المقدم في قطاع الأمن الوطني محمد مبروك، والتي لم يتسنى لأطراف القضية مناقشته فيها حيث قتل في 2013، ذهبت لاتهام الكثير من الأطراف الدولية بالتعاون في المسألة. وتعدى الأمر اتهام حماس وحزب الله والحرس الثوري الإيراني ودولتي قطر وإيران وذهب إلى أبعد من ذلك، حيث عاد بالزمن إلى عام 2005، عندما “أعلنت وزير الخارجية الأميركية وقتها كونداليزا رايس، عن سياسة الفوضى الخلاقة”، وأشار إلى رصد اتصالات بين قيادات الجماعة وعناصر في الاستخبارات الأميركية تتحدث عن “مخطط لإشاعة الفوضى في البلاد”.

في الناحية الإجرائية، نالت القضية حظًا وفيرًا من النقد، ليس فقط في ما قالت هيئة الدفاع أنه “تعنت في حق المتهمين ورفض طلبات الدفاع”، لكن أيضًا في ما يتعلق بمقر احتجاز مرسي، والذي كان عنوانًا لأحد التسريبات التي شغلت الرأي العام لوقت طويل.

وكانت النيابة قد قالت إن الدفع ببطلان احتجاز محمد مرسي بناء على التسريبات المزعومة “غير مجد وغير مؤثر” على سير القضية، لأن الضرورة هي التي دعت لاحتجازه بالقاعدة العسكرية.

عند هذه النقطة وقف دفاع مرسي وقال أن هذا اعتراف ببطلان إجراءات القبض. وقال عضو هيئة الدفاع منتصر الزيات إن “هذا إقرار من النيابة ببطلان القبض والاحتجاز”، مطالبًا بإثبات قول النيابة في قصة حجز مرسي.

كما قدم الزيات اسطوانة مدمجة تحتوي على حوار تليفزيونى يتحدث فيه وزير الداخلية، حينها، محمد إبراهيم عن أن مرسى “غير خاضع لقواعد السجون لكونه محتجزا في قاعدة بحرية عسكرية”.

أمور كثيرة شغلت الرأي العام بمجرد إصدار الحكم اليوم، جميعها دارت حول تفاصيل القضية، بين معارض وملتمس العذر، لكن بقي السؤال الذي اتفق عليه الجميع دون إجابة حتى الآن: هل ستقدم الدولة، فعلًا، على إعدام “الرئيس” الأسبق محمد مرسي؟ بكل ما يحمله هذا السؤال من أسباب للشك.

اعلان