Define your generation here. Generation What

تصريح وزير العدل.. والحديث بلسان نخبة مُغلقة

 

ليست لدي أي معلومة شخصية عن المستشار الراحل حكيم منيرصليب– قاضي محكمة أمن الدولة العليا في قضية “انتفاضة يناير ١٩٧٧”-، فقد رحل الرجل عن عالمنا قبل ١٠ سنوات، وتخلو شبكة الإنترنت بمجملها من أي معلومات تفصيلية عن حياته أو خلفيته الاجتماعية، غير أنها تضج بما تحمله من إشارات لحكمه التاريخي الذي برأ معظم المتهمين في قضية “انتفاضة الخبز”، وأكثر من ذلك، فقد بنى حيثيات حكمه على رؤية للظروف الاقتصادية والاجتماعية التي أحاطت بالقضية والتي وقعت في سياقها أحداث الانتفاضة. رؤية تعكس تواصلًا مع هموم السواد الأعظم من المصريين وقتها، وتتفهم الظروف المعيشية الخانقة التي عاشوها وانتفضوا ضدها.

قفزت كلمات الرجل إلى ذهني وأنا أقرأ وأستمع إلى تصريحات وزير العدل المستقيل على خلفية تصريحاته، المستشار محفوظ صابر، بأنه لا يمكن قبول ابن عامل النظافة في القضاء. وهي التصريحات التي أيده فيها رئيس نادي قضاة أسيوط، المستشار  رفعت السيد، حين قال إن هناك معيارًا إضافيًا لاختيار وكلاء النيابة وهو “المواءمة والملاءمة”، وبرر ذلك بقوله: “اختيار القاضي كعضو للنيابة العامة يكون الأساس فيه هو مبدأ المواءمة والملاءمة، بمعنى أنه عندما يتقدم أحد لخطبة ابنتك للزواج منها، فيكون لديك خيارات متعددة، أهمها العلم والبيئة والأصالة والسن والسمعة وغيرها من المواءمات التي تبغيها في زوج ابنتك؛ فإذا تساوت الشهادات الدراسية فيكون الاختيار بطبيعة الحال على ضوء المواءمات والملاءمات التي تتخيرها فيمن ستختاره ليكون عضوًا في أسرتك، ولذلك فالقضاء أسرة واحدة إذا تم اختيار فاسد فيها، أضيرت الأسرة كلها من سلوكه وليس هو وحده من يتحمل وزر السلوك الفاسد، ومن ثم كان هناك التدقيق في الاختيار، وضمان الملاءمة والمواءمة في هذا الاختيار”.

يرى الرجل اختيار الأصلح للمناصب العامة كاختيار زوج لابنته؛ أمر يخضع لاعتبارات الملاءمة الاجتماعية. فلا يصح لابن عامل النظافة أو ابن البواب أو ابن الفلاح أن ينتسب إلى القضاة المنتمين إلى شريحة اجتماعية مختلفة، معللًا ذلك بالآتي: “في شأن عامل النظافة، يجب التدقيق في معرفة أحوال إنفاقه على أبنائه في مراحل التعليم المختلفة، فمصدر دخله معلوم، والذي لا يتعدى 300 جنيه، وهناك وسائل أخرى يتحصل منها على الدخل للإنفاق على أبنائه مثل «التسول» في بعض الأحوال، والأمر ينطبق على «عسكري مرور» مرتشٍ أو مُحضِر محكمة”. هكذا بكل بساطة ربط الرجل بين احتمالات الفساد والانتماء الطبقي والاجتماعي؛ لقد أذهلني فساد الاستدلال لدى من كان رئيسًا لمحكمة جنايات القاهرة فيما سبق. فقصر احتمالات الفساد على من أتوا من الطبقات الأفقر يبدو لي حكمًا شديد الطبقية والوقاحة. فمن الوقاحة تجاهل كل ما شهدناه طوال سنوات حياتنا قبل وبعد ثورة يناير ٢٠١١، من وقائع فساد تورط فيها من كانوا على قمة هرم الثروة في المجتمع. وهذا ليس حكمًا أخلاقيًا آخر ضد كل الأغنياء، بل هو محاولة لكسر قاعدة أراد من وضعها أن يمنح امتيازًا أخلاقيًا بناء على وضع اجتماعي ومادي.

والأمر بالفعل ليس حكمًا أخلاقيًا. فالقضية ليست أن تصريح وزير العدل كان مستفزًّا أو غير عادل، أو أن حديث رئيس نادي قضاة أسيوط، كان فاسدًا في استدلاله. القضية هنا في الطريقة التي أصبحت سلطة القضاء ترى بها نفسها كنخبة يجب صيانة وضعها الطبقي عبر التأكد من استحالة أن “يتسلل” إليها أي ممن يأتون من شرائح اجتماعية “أقل”. نخبة وضعت شرطًا أن ينتمي أعضاؤها إلى شريحة اجتماعية بعينها، باستبعاد باقي شرائح المجتمع. ولا تكتمل تلك القراءة إلا بسرد جانب آخر وهو تعيينات أبناء المستشارين في القضاء.

نشرت صحيفة «الشروق» في يوليو من العام الماضي، تقريرًا عن استحواذ أبناء القضاة والمستشارين على ٣٥٪ من تعيينات دفعة النيابة العامة (٤٨٥ خريجًا) دون احتساب الأقارب والأصهار. وأضافت الصحيفة أن نسبة أبناء القضاة والمستشارين في تعيينات النيابة زادت في عام ٢٠١٤ بنسبة ١٠٪ على سنة ٢٠١٣. الأمر ليس حديثًا، فقد نشرت صحيفة «اليوم السابع» في أكتوبر ٢٠١٣، تقريرًا عن واقعة جرت سنة ٢٠٠٤، حين صدر قرار بتعيين دفعة جديدة في النيابة الإدارية، رصدت الصحيفة وجود ١١ من أبناء وأقارب قضاة ومستشارين حصل جميعهم على تقدير “مقبول” وتراوحت سنوات دراسة بعضهم في كلية الحقوق بين ٥ و٨ سنوات. وكان بين من تم تعيينهم “ابنة” وزير العدل الأسبق المستشار عادل عبدالحميد. وتم تجاهل أعداد من الطلاب المتفوقين الذين تمكنوا من اجتياز الاختبارات المطلوبة منهم للتعيين في النيابة الإدارية، ورفع أحدهم دعوى قضائية أمام القضاء الإداري قدم فيها كل ما يثبت أنه كان لائقًا للتعيين إلا أن القرار استثناه وتضمن هؤلاء.

يحدث ذلك في الوقت الذي يصف فيه رئيس نادي قضاة مصر المستشار أحمد الزند، الناقدين لتعيين أبناء المستشارين بـ”الحاقدين“، ويتساءل: “هم أبناء يهود؟”. وأكثر من ذلك، يصف تعيين أبناء القضاة بـ”الزحف المقدس” الذي سيستمر سنة بسنة و”لن تستطيع أي قوة في مصر الوقوف ضده”. ويتجاوز الأمر الزند وتصريحاته، ليصل إلى أحكام القضاء نفسها. فقد دأبت دائرة طلبات رجال القضاء بمحكمة استئناف القاهرة المعنية بنظر طعون المستبعدين من التعيين في النيابة على رفض الطعون المقدمة لها، واعتبار مجلس القضاء الأعلى صاحب سلطة تقديرية في اختيار المعينين في النيابة العامة، ويتكرر الأمر نفسه في المحكمة الإدارية العليا المعنية بنظر الطعون في قرارات الاستبعاد من التعيين في سلك القضاء الإداري.

لا يمكن رؤية ما سبق باعتباره وقائع فردية أو حتى دلالة فساد مؤسسي يتم في السر، بل هو سياسة وتوجه من نخبة لم تقف عند حد قصر المناصب داخلها على شرائح اجتماعية بعينها، بل أصبحت تقوم بتدوير تلك المناصب بينها. فأصبح لدينا قضاة أبناء قضاة أحفاد قضاة. خطورة ذلك لا تتوقف فقط عند حد انتهاك الحق في تكافؤ الفرص والمساواة وعدم التمييز، بل تتعداه إلى تأثيراته في منظومة القضاء بمجملها. فبالإضافة إلى معيار الكفاءة الذي يبدو في الحالة التي ذكرتها «اليوم السابع» منتهكًا إلى أبعد مدى، هناك بعد آخر ربما يكون أكثر خطورة وهو التكوين النفسي والاجتماعي للقاضي الجالس على المنصة. فنحن أمام قضاة حصلوا على وظائفهم لأنهم أبناء شريحة اجتماعية بعينها، حتى لو افترضنا توافر معيار الكفاءة الدراسية والقانونية فيهم، ففي النهاية حرم آخر من المنصب ذاته لأنه لم يكن “لائقًا اجتماعيًا”. نحن أمام قاضٍ ولد وتربى حصرًا داخل طبقة اجتماعية هي نفسها التي سيعمل وسطها، وهي التي كفلت له الحصول على منصبه. فكيف يرى ذلك القاضي الشاب المجتمع؟ وكيف يرى نفسه؟ وإلى أي درجة هو مدين لطبقته الاجتماعية؟

لا يقتصر الأمر على ذلك، بل يمتد إلى تكوين نخبة قضائية شبه مُغلقة على نفسها، تدوّر المناصب بينها، فتتكثف العلاقات بين أفرادها بينما تزداد عزلة وابتعادًا عن باقي طبقات المجتمع.

عودة إلى المستشار حكيم منير صليب. لا أعرف من أين جاء الرجل اجتماعيًا. لكن من المؤكد أن أيامه لم تكن السياسات المؤدية إلى غلق نخبة القضاة على نفسها قد بدأت بعد. أتساءل، لو أن «منير صليب» ولد متأخرًا وجاء في أيامنا تلك وحصل على منصبه في القضاء وفق شبكة العلاقات الاجتماعية الحالية، هل كان ليصدر حكمًا مثل حكمه الأشهر؟

اعلان