Define your generation here. Generation What
“علاج المريض النفسي بالكهرباء”.. بين سلطة الطبيب وحق المريض
 
 

أودعت الدائرة الأولى بمحكمة القضاء الإداري نهاية الأسبوع الماضي أسباب حكمها ببطلان إجراء العلاج الكهربائي للمريض النفسي- في الحالات الطارئة- دون تقييم طبي مستقل لحالته يجيز هذا العلاج.

كانت كل من الدكتورة نهلة الإبياري والدكتورة راجية الجرزاوي، قد قامتا برفع دعوى قضائية لإلغاء قرار وزير الصحة والسكان رقم “210 لسنة 2011″، بتعديل بعض أحكام اللائحة التنفيذية لقانون رعاية المريض النفسي، والتي نصت الفقرة الثانية من المادة 17 منها- بعد تعديلها- على “جواز العلاج الكهربائي في الحاﻻت الطارئة، دون تقييم طبي”، وهو ما رأت المحكمة أنه مخالف للقانون.

وفي اتصال هاتفي مع «مدى مصر»، قالت راجية الجرزاوي عن الحكم: “أقمنا الدعوى القضائية في عام 2011، ولم أعرف أننا ربحنا القضية سوى بالصدفة، ولم أطلع على الحيثيات حتى الآن”، واستطردت قائلة إن العلاج بالكهرباء قد ينتج عنه نتائج طيبة في الحالات الصعبة أو المتأخرة لبعض المرضى، ولكن لا بد من وجود نص قانوني جيد، كما أنها رأت أن الأجهزة المستخدمة في العلاج قد عفا عليها الزمن، وأَضافت شارحة: “بعض هذه الأجهزة قديم جدًا، ويتسبب في حروق في الجلد أو يؤثر في ذاكرة المرضى”.

أضافت الجرزاوي، أن قانون رعاية المريض النفسي- قبل تعديل  أحكام اللائحة التنفيذية عام 2009- يعود إلى الأربعينيات، وكان الطب النفسى وقتها غير موجود في مصر تقريبًا، وكان المرضى يقضون سنوات من عمرهم في المستشفيات، كما أعطى القانون للطبيب سلطة زائدة ما أدى إلى زيادة الممارسات المسيئة داخل المستشفيات. ولكن تعديل 2009 “أعطانا بعض الأمل، وواكب التطور الذي طرأ على الطب النفسي منذ السبعينيات تقريبًا، بالإضافة إلى أنه تطرق إلى حماية حقوق المريض فى المستشفيات”.

كان القانون رقم 71 لسنة 2009، قد نص على عدم جواز إجراء العلاج الكهربائي، إﻻ تحت تأثير مخدر عام وباسط للعضلات، وبموافقة المريض كتابة، بناء على إرادة حرة مستنيرة، وبعد إحاطته بطبيعة هذا العلاج والغرض منه، والآثار الجانبية التي قد تنجم عنه والبدائل العلاجية له، وفي حالة رفض المريض- الخاضع لإجراءات الدخول والعلاج الإلزامي- لهذا النوع من العلاج، وكان ضروريًا لحالته، فرُض عليه ذلك بعد إجراء تقييم طبي مستقل.

وأكدت محكمة القضاء الإداري في حكمها الأخير أن المشرع لم يسمح بالعلاج الكهربائي دون موافقة المريض، إﻻ بعد إجراء تقييم طبي مستقل لحالته يجيز ذلك، لذا ﻻ يجوز للائحة أن تتغاضي عن موافقة المريض والتقييم الطبي بحجة أنها حالة طارئة. وأشارت إلى أن المشرع لم يغب عنه تنظيم العلاج عمومًا في حالة الضرورة العاجلة، ونظمها في المادة 29 من القانون، ولو كان المشرع يسمح بالعلاج الكهربائي في الحاﻻت الطارئة دون إجراء تقييم طبي لما أعجزه النص على ذلك صراحة.

تشرح الجرزاوي، أن العلاج بالكهرباء قد تكون له أعراض جانبية خطيرة؛ فالمريض يغيب عن الوعي، بالإضافة إلى تعرضه لحالة إعياء عام، ولهذا توجب وجود- حسب تعديل 2009- طبيب تخدير وطبيب لإعطاء تقييم خارجي للحالة بالإضافة إلى الطبيب المعالج، ثم تستكمل: “أحس الأطباء ببعض التضييق عليهم فأسند وزير الصحة السابق محمد عوض تاج الدين، للدكتور أحمد عكاشة رئيس الجمعية المصرية للطب النفسي، تعديل القانون مرة أخرى وأجاز العلاج بالكهرباء دون تقييم خارجي في الحالات الطارئة”.

من جهته، قال النائب الإداري بمستشفى العباسية للصحة النفسية، وعضو لجنة حقوق المرضى النفسيين في مصر، الدكتور محمد مصطفى، إن العلاج بالكهرباء، أو جلسات تنظيم إيقاع المخ بالكهرباء، علاج لا يزال مُتبعًا ومهم جدًا في بعض الحالات. وأضاف مصطفى خلال حديثه لـ«مدى مصر» أن الجلسات مثل الجراحات قد تكون ذات طبيعة جائرة، ولكنها مطلوبة أحيانًا.

وأضاف أن من دواعي استخدام العلاج بجلسات الكهرباء: الاكتئاب الشديد، الاضطراب الكتاتوني أو الفصام التخشبي، والحالة الثالثة هي حالة المرأة الحامل التي قد تضر الأدوية بجنينها. قبل أن يضيف موضحًا أن استخدام الكهرباء يخضع لقواعد، منها موافقة المريض في حالات الدخول الإرادي؛ فحينها لا بد أن يوافق المريض كتابيًا على خطة علاجه؛ لأنه مدرك لمرضه وحاجته للعلاج. أما النوع الثاني من المرضى هو النوع غير المدرك لمرضه (مادة 13) وحينها يكون للطبيب المعالج القرار في استخدام جلسات الكهرباء. مؤكدًا أنه أثناء الجلسة لا بد من وجود طبيب تخدير، وطبيب نفسي ومختص للجهاز.

ويوضح مصطفى: كثرة المزايدات تتعبنا كأطباء؛ المريض فى حالات الهياج قد يسبب موتي أو موت الممرض. كما يلفت النظر إلى أن نسبة الوفيات جراء الأدوية أكثر من نسبة الوفيات من جلسات الكهرباء.

ويوجد حد أقصى للجلسات يحدد حسب حالة كل مريض وحاجته للعلاج، بحسب مصطفى الذي يضيف: “ولكن المعدل المقبول والمتعارف عليه هو جلستان أو ثلاث جلسات في الأسبوع، بحد أقصى 12 جلسة للمريض الواحد”.

يتفق مصطفى مع الجرزاوي، في أن بعض الأجهزة المستخدمة قد تكون قديمة، أو غير مؤهلة وغير مصنفة، ولكنه يؤكد أن فقدان الذاكرة الجزئي نتيجة العلاج يكون عرضًا وقتيًا زائلًا ولا يسبب خطرًا دائمًا.

وبشكل عام يوافق مصطفى على وضع ضوابط للعلاج بالكهرباء، وعلى ضرورة تفعيل دور رقابي وليس تشريعيًا، ويضيف مستدركًا: “ولكن وضع موافقة المريض كشرط لإجراء الجلسات إجراء تعجيزي ويعطل سير العمل، ويمكن استبداله بموافقة أهل المريض أو السماح لهم بحضور الجلسات”.

واشترطت منظمة الصحة العالمية عام 2005، الحصول على موافقة مسبقة من المريض قبل إخضاعه لجلسات العلاج بالكهرباء. وهي الموافقة التي يُشترط على نطاق دولي أن تكون موافقة مكتوبة من المريض.

يقول طلال فيصل- وهو طبيب نفسي مصري يدرس ويمارس الطب النفسي حاليًا في ألمانيا- إن العلاج بجلسات الكهرباء لا يزال مستخدمًا في ألمانيا، ولكن في أضيق الحدود، “أعمل هنا منذ سنتين ولم أر جلسات الكهرباء تطبق إلا على مريضة واحدة فقط كانت تعاني اكتئابًا شديدًا، ولم يؤت العلاج بالعقاقير نتائج معها”. يضيف فيصل أن مرضى العلاج بالكهرباء ثلاثة أنواع: المرضى الذين يعانون اكتئابًا شديدًا من غير المستجيبين للعلاج بالعقاقير، ومرضى التخشب الكتاتوني، والمرضى الذين يعانون أعراضًا جانبية لبعض العقاقير. أما بالنسبة للمرأة الحامل فيقول الطبيب المغترب إن بعض العقاقير المضادة للاكتئاب قد تنفع في هذه الحالة.

وبالنسبة لموافقة المريض، يقول فيصل إنها لازمة في جميع مراحل العلاج، والجلسات التوضيحية بين المريض والطبيب تفي بهذا الغرض؛ فخلال الجلسة يشرح الطبيب للمريض حالته، وسبل العلاج والفترة اللازمة له ليتحسن، مضيفًا أنه بالنسبة للمرضى غير القادرين على اتخاذ القرار يتم إرسال تقرير مفصل لقاض مختص، يشرح فيه الطبيب المرض وحالة المريض وضرورة العلاج، ويكون القرار وقتها في يد القضاء، وليس المريض أو أهله.

في النهاية، وفي السياق نفسه يتفق كل من فيصل ومصطفى على أن الإعلام وبعض الأعمال السينمائية قد شوهت جلسات الكهرباء كنوع معترف به من العلاج، بل وشوهت الأطباء أيضًا، يقول مصطفى: “ما صورته الأفلام مخيف وعار تمامًا من الصحة، فالكهرباء المستخدمة لا تتعدى الـ600 مللي أمبير، والجلسة مدتها 5 ثوان على الأكثر”.

اعلان
 
 
أماني علي شوقي