Define your generation here. Generation What

قراءة لمقال عبدالفتاح السيسي ٢٠٠٦: “الديموقراطية في الشرق الأوسط” – الجزء الثاني

كنا قد تناولنا في المقال السابق “قراءة لمقال عبدالفتاح السيسي ٢٠٠٦: “الديموقراطية في الشرق الأوسط” – الجزء الأول” رؤية الرئيس- العميد وقتها- عبدالفتاح السيسي حول الديموقراطية في الشرق الأوسط ومصر تحديدًا، والتي وضعها في ورقة بحثية ضمن برنامج الزمالة بكلية الحرب الأمريكية. هذه الورقة لم توضح فقط رؤيته المحافظة لفكرة الديموقراطية، بل وضحت تطلعه لاقتصاد السوق الحر (النيوليبرالي)، ولعلاقة أقوى مع الولايات المتحدة مبنية على الاستثمار، ورؤيته لمعوقات الديموقراطية في مصر والشرق الأوسط، ودور الإعلام ومؤسسات الدولة الأمنية في هذه العقوبات، وقرأنا أيضًا انتقاده الولايات المتحدة لدعمها بعض البلدان العربية مثل دول الخليج- تحديدًا السعودية- والجزائر والمغرب؛ لأنها دول دكتاتورية ولا تحظى باحترام المنطقة. وفي الجزء الثاني من المقال أريد أن أركز على بعض النقاط السريعة وغير المتوقعة.

نقاط سريعة.. وبعض الأمور غير المتوقعة

أولاً: في مقاله، ذكر السيسي “حماس” أكثر من مرة ووصفهم بـ “المتشددين”، لكن لم يصفهم بالإرهابيين. ليس هذا فقط، بل برر بشكل ضمني مواقفهم ضد إسرائيل كنوع من أنواع رد الفعل.

ثانيًا: السيسي انتقد مظاهر العلمانية- تحديدًا في مصر- ونبه على أن هذه المظاهر- التي يتبناها الإعلام خصوصًا- لا تمثل القاعدة الواسعة من الشعب المصري المتدين المعتدل- على حد وصفه. بشكل آخر، السيسي يريد أن يرسخ الإعلام مفهوم المصري المسلم المعتدل بغض النظر عن الواقع الذي يبدو غائبًا عن وعيه في تلك المرحلة من حياته.

ثالثًا: السيسي رفض النموذج الغربي للديمقراطية، ولكنه أكد أنه في حال نجاح العملية الديموقراطية في العراق، يمكن أن تغير رؤية مواطني الشرق الأوسط- تحديدًا الخليج- للنموذج الغربي في الديمقراطية. وهنا مشكلات عدة في الطرح. أولها،مصر انتفضت وقت حرب العراق واستقيظت معها مشاعر الكراهية اتجاه الحوكمة الأمريكية. ثانيها، الديمقراطية الأمريكي- التي هي بعيدة كل البعد عن الديموقراطية- لا تمثل كل ديموقراطيات الغرب. فالديمقراطية في دولة كالسويد التي تعطي كرامة وقوة للمواطن ليست كالولايات المتحدة الأمريكية التي تعد أولغاركية لأصحاب رأس المال والنفوذ.

السيسي يرى أن النموذج الأمثل للديموقراطية هو القائم على الأسس الإسلامية. فهو يرشح طريقتين لهذه المعادلة: الأولى، أن تكون هناك أربع سلطات: “تنفيذية، تشريعية، قضائية” ويزيد عليها بسلطة “دينية إسلامية” تتأكد من أن الدولة تسير على نهج إسلامي!! الثانية: أن تكون الُمثل والتعاليم الإسلامية موجودة بشكل جديّ في الثلاث سلطات التقليدية. ويقدم هذه الرؤية، وهو يؤكد أنه ضد الثيوقراطية (الحكم الديني). بالرغم من ذلك، هو يؤكد في أكثر من موضع وبهذه الألفاظ على أن دور الدين مهم في إدارة شئون البلاد.

رابعًا: اهتمام السيسي بالتعليم نابع من رؤية دونية لغير المتعلم. تشعر من كلماته أن الأمي جاهل. الحقيقة- ومصر ليست استثناء-الجهل ليس له علاقة بالتعليم. رب متعلم يرضى بعيشة العبودية.. ورب أُمّي لا يرضى إلا بالحرية.

خامسًا: هو يريد نظام حوكمة يجمع دول الشرق الأوسط تحت مظلة واحدة اتباعًا لنموذج الاتحاد الأوروبي.

سادسًا: وهي نقطة لا تخص المتن وإنما المصادر: في آخر كل بحث يوجد فصل للمصادر. ولقد لفت انتباهي اسمان في هذا الفصل من مقال السيسي. الأول، د. سعد الدين إبراهيم- مؤسس مركز ابن خلدون. الاسم الثاني، د. أحمد صبحي منصور- مؤسس أهل القرآن “أشهر مؤسسة للقرآنيين في العالم”. هذان الاسمان لفتا انتباهي لما يحملان من جدل حولهما في الشارع المصري. أن تجد هذين الاسمين في مقالة رجل عسكري هو أمر يستحق التأمل.

سابعًا: هي مسألة الاقتصاد والفقر. لا ينسى أحد جملة الرئيس الشهيرة “يعني حتاكلوا مصر يعني؟” وتغيره لكلمة الفقر إلى كلمة “العوز”. الرئيس السيسي أوضح في هذه المقالة أنه نيوليبرالي اقتصاديًا من خلال رؤيته للاقتصاد وحقبة السادات. هذه مفاتيح جيدة لفهم ما يقول. ما مصر التي سوف نأكلها؟ ما مصر في وجدان السيسي؟ هذا سؤال مهم. إذا كانت مصر هي شعب يسكن مساحة أرض؛ فإن الشعب هو مصر. بالتالي هذا التراكم الثقافي والحضاري وتلك الثروات هي ملك لهذا الشعب.. لخدمة هذا الشعب. وعلى هذا الشعب أن يستخدم تلك الموروثات جيدًا له ولأجيال تأتي بعده. أما إذا كانت مصر هي صورة خيالية مجردة من هذا الشعب- المرأة الشابة في الصور والرسومات-، فنحن “كشعب” موجود لخدمة هذه الصورة الذهنية الخيالية. يجب أن نضحي من أجلها، لا من أجلنا. يجب أن نعاني من أجلها. يجب أن نسمع ونطيع كلام قيادات البلد؛ لأنهم هم الذين يحمونها…. منا غالبًا! في العقلية النيوليبرالية، نجد أحيانًا أن البلد مجموعة من الأشياء. أشياء تباع وتشترى.. أما الشعب، ضيوف “تقال” على هذا البلد. أما عن كلمة “العوز” فهي تحريف لوضع الكثير من المصريين. الفقير هو من لا يملك الشيء. وهي كلمة عربية عبقرية. لقد لخصت هذه الكلمة مشكلة الطبقة الفقيرة بأنها لا تملك. هي مهدور حقها في أن تكون جزءًا من هذا الشعب الذي يسكن مساحة من الأرض. الفقر يصل بنا إلى أسئلة عن العدالة الاجتماعية. أما العوز فهو يصور الفقر على أنه دائم الاحتياج… وفي العامية المصرية، الشخص “العاوز” دائمًا، هو شخص كثير الاحتياج… متطلب دائمًا.

تعقيب

إن مقالة السيسي لا يمكن أن توصف بأنها بحث عميق… فالمقالة قصيرة ولا تغوص في أعماق التجربة الأكاديمية.. بالذات في إطار الحصول على زمالة من واحدة من أهم المؤسسات الأكاديمية العسكرية الأمريكية… ولكنها مهمة بلا شك وتعطينا لمحة عن رجل يحكم مصر بعد كتابة هذه المقالة بحوالي ٨ سنوات. عبد الفتاح السيسي ٢٠٠٦ عسكري يدرك مفاتيح اللعبة السياسية ويدرك أن له دورًا آتيًا. بالرغم من أنه يرى أن الديموقراطية صعبة وأن النموذج الغربي في الحكم الداخلي لن يطبق في الشرق الأوسط، فهو لا يجد مانعًا في أن يتبنى أهم اختراعات الغرب والإمبريالية الجديدة، وهي  السوق الحر. السوق الحر و الحوكمة على طريق الاتحاد الأوروبي أهداف مشروعة- من وجهة نظره– لكن الذي يراه مستحيلا أو صعبًا… هو الديموقراطية الداخلية- التي تجعل من الشعب سيدًا. وبفكره المحافظ سياسيًا واجتماعيًا والنيوليبرالي اقتصادياً، يرى أن السوق الحر والتعليم لهذا الشعب غير المتعلم ضرورة قبل أن تكون هناك ديموقراطية! تلك هي الرؤية نفسها التي ينتقدها ويهاجمها الكثير من المتخصصين في الشؤون النيوليبرالية والدراسات الـ بوست- كولونيالية “دراسات ما بعد الاستعمار أو الاستعمار الجديد”، ويصفونها بأبواب الاستعمار الجديد. ذلك لأن من وجهة نظرهم السوق الحر والاقتصاد المبني على الاستثمار الخارجي ما هو إلا دعوة عامة إلى استعمار بشكل جديد تكون فيه قوة رأس المال هي السلاح الأقوى والأهم. هي منظومة اقتصادية تجعل من الغني سيدًا ومن الفقير عبدًا شديد “العوز”. وهو سبحان الله منهج غريمه نفسه— رجب طيب— صاحب المدرسة الأردوغانية التركية في إدارة الحكم. وإذا وصلنا إلى هذه الديموقراطية في يوم من الأيام… فهي ديموقراطية يعرف كاتبنا صبغتها… هي صبغة إسلامية. لكنها ليست صبغة إسلامية على طريقة الإسلاميين- مثل الإخوان والسلفيين. فأحد المصادر التي استخدمها في مقاله- كما ذكرت من قبل-  كتبها د. أحمد صبحي منصور وعنوانها: “شجرة- الإخوان المسلمين- زرعها السعوديون فى مصر فى عهد عبد العزيز آل سعود“. للتنويه: د. منصور كتب أيضًا كتابًا بعنوان: “جذور الإرهاب فى العقيدة الوهابية السعودية والإخوان المسلمون“. ولا ألمح هنا إلى أن صبغة دولة السيسي صبغة أهل القرآن “القرآنيون”. لا. بل “رؤيته هو” للإسلام المعتدل. الأقرب له في هذه الحالة هو- الرئيس المؤمن- محمد أنور السادات، والذي كان يردد في أكثر من مرة أنه هو من يمثل الإسلام. ولذلك أعتقد أن السيسي له رؤية معينة للإسلام والتي يمكن أن نلخصها في مفهوم المحافظين الجدد. ربما لهذا السبب ظن الإخوان أنه مثلهم.. لأنه يتفق مع خطوطهم العريضة ولكن ليس التفاصيل. كلا! هو محافظ وإسلامي ولكن له مدرسة مختلفة ومشرب مختلف.. إما تكون مبنية على فكر مؤسسي داخل القوات المسلحة أو قناعاته الشخصية.. إطار سياسي إسلامي محافظ، اقتصاد مبني على سوق حر “نيوليبرالي”، إعلام يعكس رؤيته للمصريين “شعب متدين معتدل”، مؤسسات دولة كـ “الجيش والشرطة” تنتمي للدولة وليس حزبًا.

والسؤال هنا ما مفهومه للدولة؟ الحقيقة أن الإجابة عن هذا السؤال غير واضحة في المقال ولكننا نعرف الآن أن الدولة- في نظره- هي مجموعة من الناس في علية المؤسسات التي تتبع الدولة تحت إمرة مؤسسة القوات المسلحة، والتي عادت بقوة لقيادة النظام المصري أعقاب ٢٥ يناير ٢٠١١. أما عن بعض التضاد بين ما كتبه وقتها- من ناحية- وإدارته الحالية للبلاد والعلاقات الخارجية- تحديدًا مع دول الخليج-، من ناحية أخرى، فهي نتيجة برجماتية واضحة في أسلوبه السياسي. طبيعي من يقرأ السيسي ٢٠٠٦، لا يتخيل أبدًا أن يكون هو السيسي المدعوم من دول الخليج من ٢٠١٣. وأما عن أحلام الناصريين في أن يُبعث لهم ناصر في شخص السيسي، فأظن أن وجه التشابه بين السيسي وناصر يكمن في وصف الرئيس الراحل محمد نجيب لشخص عبد الناصر، حينما كتب في كتابه كنت رئيسًا لمصر: “وقوة عبد الناصر في شخصيته، وشخصيته من النوع الذي يتكيف ويتغير حسب الظروف، فهو مرة مع الشيوعيين، ومرة مع الإخوان، وعشرات المرات ضد الجميع… ومع نفسه”.

ـــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

١) Sisis Thesis on Democracy in the Middle East http://www.nytimes.com/interactive/2014/05/24/world/middleeast/sisi-doc.html

٢) Dr. Stephen J. Gerrashttp://www.strategicstudiesinstitute.army.mil/pubs/people.cfm?authorID=528

٣) شجرة- الإخوان المسلمين- زرعها السعوديون فى مصر فى عهد عبد العزيز آل سعود

٤) جذور الإرهاب فى العقيدة الوهابية السعودية والإخوان المسلمون

٥) كتاب كنت رئيسًا لمصر للرئيس الراحل محمد نجيب.

 

اعلان
 
 
أحمد أبو حسين