Define your generation here. Generation What

فادي إسكندر.. فنان رفضه السوق فحلّق مبدعًا (1-5)

على هامش التهميش

في تاريخ الأغنية المصرية خصوصًا، والأغنية العربية عمومًا، وفيما اعتقد العالمية أيضًا، ظهر عدد من الفنانين المبدعين عن حق، ولكن لم يستمروا لأسباب مختلفة، منهم من قام بعض الموجودين على الساحة الفنية بإقصائهم عبر نفوذهم ونجوميتهم كنوع من الغيرة وحب التفرد والاستحواذ على مساحة أكبر في السوق الفني، ومنهم من لم يقبل الخضوع لآليات السوق ومن ثم رفض دفع ثمن النجومية بالتنازل عن بعض من قناعاته الفنية؛ فتم تهميشه كخطوة على طريق إخراجه من ساحة المنافسة، وصولا إلى الخطوة الأخيرة بإبعاده تمامًا وإلقائه في منطقة طي النسيان.

فادي إسكندر، الملحن والمغني السكندري واحد من أهم هؤلاء المنسيين الذين لعبت ضدهم كل الظروف لطمس أي وجود لهم، ولكنهم ما زالوا عالقين بذاكرة محبيهم ومقدري فنهم، على الرغم من إنتاجهم الفني القليل ولكن عظيم الشأن، والذي لا يلتفت إليه الكثير من سامعي الأغاني والموسيقى بسبب عدم تسليط الأضواء عليهم تعمدًا، نظرًا لاختلافهم الشديد والواضح عن سياق متطلبات السوق بوصف الفن الغنائي سلعة تخضع لآلياته في المقام الأول، وتأتي قيمته الفنية في مقام تالٍ.

وبالتالي، لن تقوى ذاكرة معاصريه على تذكره، خصوصًا أنه لا تذاع أيًّا من أغنياته في الراديو أو التليفزيون، علاوة على عدم وجود تسجيلات جيدة على مواقع وشبكات الأغاني على الإنترنت حتى فترة قريبة جدًا. فلم يظهر فادي على الشاشة الفضية سوى مرة واحدة غنى فيها في أحد احتفالاته برأس السنة (في نهاية الثمانينيات على ما أتذكر)؛ حيث قام في البداية بتوجيه الشكر للتليفزيون على ظهوره لأول مرة بشخصه، والتي كانت- للأسف- الأخيرة أيضًا. ظهر فادي مرة ثانية وأخيرة في التليفزيون ولكن بصوته فقط من خلال أحد إعلانات التوعية البيئية والصحية، والتي كانت تحمل عنوان “لحظة من فضلك”، والتي استخدم فيها مدخل أغنيته “عطشان يا صبايا” كمادة عن ضرورة الحفاظ على مياه النيل.

ولكن إذا كان فادي يتمتع بموهبة فنية في الغناء والتلحين والتوزيع أيضًا؛ فلماذا لم يلق أي استحسان من الوسط الفني أو أي نوع من الدعم؟ الإجابة تكمن في نظام الكومبينات الذي يحكم سوق الفن، والنظرة الدونية والعنصرية للأقاليم وما تفرزه من موهوبين، ليس هذا في الفن الغنائي فقط بل في الكتابة والنشر، حتى في الرياضة، أيضًا بالنسبة لفرق ومبدعي الفن المستقل عن سوق الإنتاج سواء في الغناء أو الأعمال الدرامية السينمائية والمسرحية. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، ظهر في تاريخ الأغنية المصرية فنانون موهوبون ككمال حسني وعادل مأمون وسعد عبد الوهاب، ولم يلقوا أي دعم بسبب دور خفي لعبد الحليم حافظ في الحالة الأولى، ومحمد عبد الوهاب في الحالتين الثانية والثالثة. أيضًا ظهر فنانون بالجملة ينتمون لما يمكن أن نطلق عليه “الفن النوبي”، ولم يستطع أي منهم العبور من بوابة النجومية والشهرة بسبب التهميش المتعمد لهذا النوع من الفن، وبالتالي مبدعيه، ولم ينجو من ذلك فنانون بقامة بحر أبو جريشة وخضر العطار والموسيقار الكبير حمزة علاء الدين، الذي اضطر للهجرة كمنفى اختياري ليعلوا نجمه في الولايات المتحدة واليابان في حين أن بلاده لعبت دورًا في طمس هويته وآثاره الفنية.

لقي فادي في بداية مشواره الفني دعمًا محدودًا من الموسيقار الراحل فريد الأطرش، والذي سهل له السفر إلى لبنان عام 1967، ولكن وفاة الأطرش قبل عودة فادي بعام واحد، ربما لعبت دورًا في بدايته من منطقة كانت أقرب إلى الصفر، ولولا دعم الموسيقار فتحي جنيد ما اعتُمد فادي في الإذاعة في منتصف السبعينيات، والتي شهدت بداية أفول مرحلة فنية برحيل عمالقة الفن القدامى (فريد الأطرش 26 ديسمبر 1974، أم كلثوم 3 فبراير 1975، عبد الحليم حافظ 30 مارس 1977)، واعتزال محمد عبد الوهاب الغناء لفترة طويلة قبل أن يعود بأغنية ضعيفة قبيل وفاته في 4 مايو 1991 بفترة وجيزة، وهي “من غير ليه”.

وبالرغم من استمرار أسماء ذات وزن كبير في عالم الغناء مثل: “شادية، صباح، وردة، محمد رشدي، محمد قنديل، نجاة الصغيرة”؛ فإن شيئًا جديدًا بدأ يلوح في الأفق وهو ظهور جيل جديد، كان فادي أكبرهم سنًّا، يضم أسماءً مثل: “محمد منير، علي الحجار، عمر فتحي”، وباستثناء الأخير؛ فقد قدم الأول والثاني لونًا فنيًا جديدًا من حيث الشكل والمضمون مختلفًا عن اللون التقليدي الذي هيمن على سوق الغناء في الثلث الثاني من القرن العشرين، كامتداد بدرجة أو أخرى لما كان يقدم في ثلث القرن الأول مع تطور في استخدام الكلمة واللحن، لو استثنينا تجربة فنان الشعب الشيخ سيد درويش الفارقة، والتي لعبت دورًا في تطور الموسيقى والألحان في الثلث الثاني وظهور هامات مثل: “رياض السنباطي، زكريا أحمد، محمد القصبجي، محمد عبد الوهاب، الأخوين رحباني، فريد الأطرش، محمد فوزي، منير مراد، محمود الشريف، محمد الموجي، كمال الطويل، بليغ حمدي، رؤوف ذهني”، رغم التراجع عنها على مستوى اختيار الكلمات ومضمونها.

النجومية وقوانين السوق

لماذا إذن عبر منير والحجار إلى النجومية ولم ينجح فادي في مبارحة موقعه في سوق الفن؟ في الحقيقة تمت محاولة تهميش منير والحجار في بداية مشوارهم الفني، وذلك بتجاهلهم في جهازي الإذاعة الرسميين “المرئي والمسموع” للدولة- وقتذاك-، وذلك قبل ظهور الفضائيات بوقت طويل، مما اضطرهم في بداية حياتهم للغناء في كازينوهات شارع الأهرام، ولكن ثقل أوزان شعراء كعبد الرحيم منصور، ومجدي نجيب، وسيد حجاب، وملحنين كبليغ حمدي وهاني شنودة وأحمد منيب ومحمد الشيخ وعمار الشريعي لعبوا بالتأكيد أدوارًا مهمة في الدفع بالصوتين الجديدين والمتميزين، وبهذا اللون الجديد الذي بدأ في إثبات نفسه وإزاحته للون القديم ببطء، خصوصًا في ظل اختفاء عمالقة كعبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم عن الساحة، دون الإجهاز عليه تمامًا لظهور أتباع جدد ساعدتهم الأجهزة الرسمية أمثال هاني شاكر وعماد عبد الحليم. وفي المقابل لم يكن بيرم التونسي المضطهد حيًّا وميتًا بالوزن الذي يمكن لأشعاره أن تنفذ للسوق من خلال ألحان وصوت فادي، خصوصًا أن بيرم قد توفي مبكرًا ولم يشهد اختيارات فادي الصعبة لأزجال من أعماله كانت الأكثر قوة ونقدًا للنظام الاجتماعي الذي أفرز سلوكيات في معظمها تعبر عن تفسخه. أيضًا كون فادي مطرب وملحن شاب، ومن الأقاليم حيث لم يبرح محافظة الإسكندرية ليغوص في متاهات العاصمة كالآخرين، كانا سببين كافيين لتهميشه بأغنياته وألحانه التي وزعها موزع شاب وقتها ليس في وزن هاني شنودة ويحيى خليل ومودي وحسين أبناء المخرج الراحل حسن الإمام.

صحيح أن الأجواء في نهاية عقدي السبعينيات والثمانينيات كله تحديدًا، شهدت بزوغ جيل مختلف ليس في الفن الغنائي فقط ولكن في السينما أيضًا والمسرح. فظهر في الغناء أيضًا محمد نوح ولون تجربته بمذاق خاص به، وظهر في السينما مخرجون أمثال علي بدرخان ومحمد خان ورأفت الميهي وخيري بشارة وعاطف الطيب، ومن بعدهم رضوان الكاشف وداوود عبد السيد ويسري نصر الله، الذين قرروا خوض معركتهم ضد سوق أفلام المقاولات التي تنضح بموضوعات عن الجنس والمخدرات “نادية الجندي، مديحة كامل، نبيلة عبيد” لا تقل تفاهة في تناول موضوعاتها عن الأفلام الكوميدية التافهة التي سيطرت على السوق، وكان نجومها بالكوم “سمير غانم، محمد عوض، محمد صبحي، صفاء أبو السعود، عادل إمام.. إلخ”. ولكن هذا البزوغ لفجر الفن الحديث المرتبط بهموم وقضايا ومشكلات الواقع وبالذات عوالمه السفلية لم يحقق نجاحات جماهيرية تذكر باستثناء عاطف الطيب صاحب الأفلام الجماهيرية الهادفة، إلا عبر الجوائز التي حصلت عليها تلك الأفلام في المهرجانات العالمية، هذا غير محاولات التضييق عليها وبالذات في دور العرض التجارية كمحاولة لإفشال تلك التجربة وهدمها بوصفها مرآة تعكس قبح وأزمة الواقع الذي نعيشه. هكذا أيضًا في المسرح ظل مخرجون أمثال: “مراد منير، بهائي الميرغني، سلامة حسن.. إلخ”، وبدرجات مختلفة محمد صبحي من خلال نصوص كتبها بحرفية وقوة لينين الرملي. يحاولون الدفع بمسرح هادف عينه على مشكلات الجمهور الفقير وأحلامه في واقع أفضل في وقت هيمنت بشدة معايير مسرح الكباريه على المنتج الفني وقتها.

هذا الوضع هو ما أفرز تجربة فادي الغنائية، التي أعادت الفقراء وأصحاب الحق في الحياة ونظافة الذوق في الفن والعادات والسلوكيات إلى مقدمة المشهد بعد أن ظلت الأغنية لزمن طويل يدور موضوعها الأساسي في العلاقات العاطفية وقليلها في الأغنيات ذات المناسبات الدينية أو الوطنية، دون الاهتمام بالإنسان بوصفه مجموعة من المشاعر والأفكار والوجدانيات والقيم، العواطف جزء منها لا تزيد على باقي الاحتياجات الأخرى، وهو ما عبر عنه علي الحجار ومحمد منير وخضر العطار ومحمد نوح في تجاربهم رغم تنوعها وفروقها النسبية.

أسباب التراجع

بالفعل كانت فترة ما بعد هزيمة 5 يونيه 1967، وسقوط وهم التنمية المستقلة والاستقلال الوطني ضربة قاصمة للمثقفين والكتاب والفنانين الذين تحلقوا حول تجربة عبد الناصر القومية، فلا البلد تقدم للأمام ولا انتصرنا على العدو المرابض على حدودنا باحتلال أراضي الأشقاء الفلسطينيين، بل تم احتلال جزء ليس بصغير من أراضينا وابتلاع باقي فلسطين. هذا الوضع بدلًا من أن يدفع في اتجاه إعادة تقييم التجربة والإصرار على تصحيح أخطائها والمضي قدمًا على طريق الحرية والاستقلال، أسفر عن إحباط كبير وتراجع مذهل في نوعية الفنون والكتابات المقدمة تمامًا كتراجع العمل السياسي باستثناءات قليلة غير مؤثرة، حتى سيطرت قيم الانفتاح الاقتصادي والسلام مع العدو بعد حرب ليست بانتصار وليست هزيمة بالمعنى العسكري، ولكنها لعبت دورًا في تكريس الهزيمة والتفسخ والتردي على مستويات عدة ومنها الفن والثقافة، فانهارت الفنون وأصبح السائد هو المدعوم من الدولة وأباطرة الإنتاج الجدد متمثلين في شركات للإنتاج الفني برأسمال كبير التهم السوق كله. في هذه السياقات كان ظهور نوع مختلف من الفن أو العزف على نوع كان له جمهوره ومؤيدوه قبل ذلك بمثابة سباحة عكس التيار، خصوصًا أن هذا الفن لم يكن مرتبطًا بحركة الناس على الأرض- باستثناءات قليلة كتجربة الشيخ إمام الفنية ضد السلطة بكل استبدادها وظلمها وقهرها ومهادنتها للعدو وتبعيتها للإمبريالية-، والتي أسفرت في السبعينيات عن انتفاضة شعبية ضد الاستغلال والفساد وغلاء الأسعار في 18 و19 يناير 1977، وبعدها في الثمانينيات في موجات إضرابات كبيرة هزت مصر من عام 1984 حتى 1989.

الارتباط بالناس وإبداع الطرق للوصول إليهم ومواجهة قوانين السوق واستبداد السلطة وطغمة رأس المال وهيمنة الإسفاف، معركة بالتأكيد ليست هينة، وبالرغم من اعتبار البعض في تجاربهم فنانين تقدميين وفي حالات قليلة ثوريين، إلا أن هذه المواجهة والعمل بدأب على حفر مجرى مختلف للفن الملتزم بقضايا وهموم ومطالب الناس مسألة في تقديري تحتاج إلى عمل مؤسسي أكثر منه تجارب فردية حتى لو كانت مخلصة وأمينة مع نفسها. هذا السبب هو ما ضيق الخناق على تجارب بعينها وما دفع بعضها إلى الهاوية أو في أفضل الحالات عدم الاستمرار والقدرة على الصمود في وجه طوفان تغييب الوعي وتسطيح الفن.

هذا التقدير ليس بمثابة التماس للعذر لحالات التراجع التي شاهدنا من فنانين كان يراهن على جودة وجدية ما يقدمونه من فنون، ولكن محاولة لفهم أعمق لطبيعة الواقع ومجرياته والاستفادة من هذه التراجعات في طرح فن يلعب دورًا في الرقي بوجدان ومشاعر ووعي البشر، وتكريس أفكار لتثويره ليس بمعنى أن يلعب الفن دورًا سياسيًا فجًّا يدفع به بعيدًا عن جمالياته وآلياته المستخدمة المستقلة، ولكن في تربية وخلق ذوق مختلف مهموم بأن يكون الفن انعكاسًا تفاعليًا مع هموم ومشكلات وأحلام الواقع في التغيير.

مشواره الفني

ولد فادي (1940-2013) لأسرة من الطبقة الوسطى تقطن فيللا شيدت في حي رشدي الراقي بمحافظة الإسكندرية، والتي كانت سببًا لعثراته الفنية في البداية بسبب التقاليد الموروثة عن طبيعة مهنة الفن في تلك الأوساط ورفض الأسرة؛ لأن يكون ابنهم مطربًا يجوب الكازينوهات وسوق الكاسيت. ولكنه خلافًا لرغبة الأسرة استطاع أن يضع قدميه في ساحة الغناء وبعد ذلك التلحين، أتيا في هذه الفترة على كتابات بيرم التونسي التي صدرت وقتها أعماله الكاملة في أجزاء؛ حيث قرأها بنهم وهضمها تمامًا ليستخرج منها أغنياته الرائعة.

بدأ فادي كمغنٍ في ريعان شبابه في ستينيات القرن العشرين أثناء دراسته الجامعية في كلية الزراعة بجامعة الإسكندرية، عندما بدأ في أداء الأغاني الغربية في عدد من الكازينوهات والفنادق بمحافظته. واتجه للتلحين أثناء رحلته للبنان التي قضى بها الفترة ما بين (1967- 1975)، عندما تبنى صوته الفنان والموسيقار فريد الأطرش وساعده في السفر إلى بيروت ليغني هناك، حتى عودته إلى مصر بعد بدء الحرب الأهلية في لبنان واستحالة الاستمرار هناك، ومعه مجموعة من الألحان لأغنيات ذات طابع وطني لبناني تعبر عن بشاعة الحرب الطائفية ودور الاحتلال الصهيوني فيها، علاوة على ثروة كبيرة ورثها عن عمته المليونيرة التي كانت مقيمة هناك وتوفت بعد وصوله بقليل.

وعند عودته إلى مصر تم اعتماده كمطرب من الفئة الأولى بالإذاعة وذلك بمعاونة الموسيقار فتحي جنيد، الذي عرفه أيضًا بالموزع وعازف الجيتار الشاب محمد عماد الشاطر، والذي كان يصغره بعشر سنوات، في الوقت الذي كان يجهز فيه لإصدار ألبومه الأول غير المعنون مصحوبًا غنائه بعزف للجيتار فقط. حتى اقترح عليه الشاطر بعد إصداره للألبوم ضرورة إعادة إصداره مرة أخرى ولكن بتوزيع موسيقى تلعب فيه الآلات المختلفة أدوارًا مهمة، خصوصًا أن الألحان معظمها شرقية ولأغنيات كانت في غالبيتها من نظم الشاعر الكبير بيرم التونسي. وبالفعل تم إصدار الألبوم مرة أخرى في عام 1984 مصحوبًا بعزف لآلات شرقية مع استخدام آلات غربية كالأورج والجيتار والدرامز والاكتفاء بتوزيع أغنية “المطرب” على الجيتار فقط.

وفي نهاية الثمانينيات أصدر فادي ألبومه الثاني بعنوان “مش غريبة”، والذي يحمل اسم الأغنية الوحيدة التي لم يقم هو بتلحينها. ومستخدمًا أغنيات من نظم شعراء مختلفين بالإضافة للجوئه لشاعره المفضل بيرم التونسي. وهو الألبوم الذي شاركته الغناء فيه المطربة مريم، الكونتيسة الهولندية كريستينا، والتي أتت إلى مصر ليتعرف عليها فادي ويُدخلها منطقة الفن، التي أكملتها بالانضمام لفرقة الـ4M بقيادة الفنان عزت أبو عوف بعد انسحاب واحدة منهن.

غلاف الألبوم الأول

غلاف الألبوم الأول

توزع إنتاجه الفني إذن على ألبومين اثنين فقط، الأول بلا عنوان؛ حيث اكتفت شركة “سونار” منتجة الألبوم بوضع اسمه الأول فقط على غلاف الألبوم، مثلما فعلت مع محمد منير في ألبومه الأول المعروف مجازًا باسم “علموني”، ويضم أغنيات: “عطشان يا صبايا، هتجن يا ريت، يا ناس يا هوه، يا أهل المغنى، المطرب، قُضي الأمر، أرخي الجدايل”، والثاني بعنوان: “مش غريبة”، ويضم أغنيات: “ابن البلد، بلادي، ستمرين، مش غريبة، الفول، ليلة الحنة، فلوس الست”، علاوة على أغنية واحدة منفردة “صعبانة عليا يا مزيكا” لم يتم تضمينها في ألبوم لتوقف فادي عن استخدام آليات وقوانين السوق لنشر أغنياته لفترة طويلة انتهت بوفاته بعد صدور ألبومه الثاني بحوالي ربع قرن.

لم يصدر فادي أي ألبومات أخرى وظل ألبومه الثالث بعنوان “سلطان” حبيس التسجيلات حتى وافته المنية في مارس 2013، قبل أن يرى النور متوجسًا من إصداره، خصوصًا أنه لم يحتو على أية أغنية لبيرم التونسي، وذلك على الرغم من تشييده استوديو للتسجيلات في نهاية التسعينيات لتكون أمامه الفرصة سانحة ولأصدقائه من الفنانين والفرق الجديدة لعمل أغنياتهم بعيدًا عن ضغوط السوق الفني وحساباته المادية، أو على حسب قوله لصديقه الموزع محمد عماد الشاطر: “إحنا دايمًا بنعمل الجديد، أنت قلقان من إيه.. هنعمل الاستوديو عشان نشتغل براحتنا”.

فنان من طراز مختلف

لا ينتمي فادي لمنطقة المغنين ذوي الأصوات الناعمة أو الرقيقة التي تنضح بالعواطف وتصلح للأغاني الرومانسية التقليدية؛ فهو صاحب صوت قوي، مساحته عريضة ويتمتع بالرصانة والتماسك والحدة، كمعظم الملحنين الكبار الذين لم يكن الغناء طريقهم أو مدخلهم للفن، مثل: “زكريا أحمد، محمد الكحلاوي، الشيخ إمام عيسى، سيد مكاوي، عمار الشريعي، أحمد منيب، محمد نوح، وبالطبع المطرب الجميل محمد عبد المطلب”، على اختلاف خامات أصواتهم، أو كما يقول الشاطر عنه إنه “وحش يملك صوتًا قويًا وشخصية فنية فذة متفردة تغذي من حولها دومًا بالأفكار الجديدة، وكان يريد أن يصنع خطًا فنيًّا وموسيقيًا مختلفًا عن السائد في السوق والساحة الفنية”. ولكن تجربة فادي القصيرة في الفن وضعته في منطقة واحدة وهي الملحن- المغني. ففي حدود علمي لم يلحن فادي لأي من الموجودين على الساحة باستثناء أغنية “ارخي الجدايل”، والتي غناها مغني شاب في التسعينيات، واعتقد أنه لم يستمر، اسمه محسن منير، والتي كان فادي ضمنها في ألبومه الأول في أوائل الثمانينيات.

اختار فادي أغنيات جميلة وبعضها صعب التلحين لشعراء كبار كشاعر الشعب بيرم التونسي، والشاعر العامي فؤاد قاعود، وشاعر الفصحى كامل الشناوي، وقدم من خلال هذه الكتابات ألحانًا قوية ومعبرة ومتميزة، وبالرغم من أن إنتاجه لم يتخط الـ15 أغنية فقط، فإنه ثلاثة منهم كانوا باللغة العربية الفصيحة: “بلادي، ستمرين، انتهينا”، بالإضافة إلى واحدة كتبت على طريقة الشعر الحلمنتيشي أو الساخر وتحمل اسم “الفول”. واستحوذ بيرم التونسي على نصيب الأسد من إنتاج فادي الغنائي؛ فقد غنى ملحنًا المبدع لشاعرنا الكبير ثماني أغنيات.

حرص فادي أيضًا على إشراك المجموعة في الغناء في عدد من الأغاني وترك مساحة كاملة لمطربة مطموسة مثله صاحبة صوت جميل ومتميز، وهي المطربة مريم في أغنية “ليلة الحنة” ليقوم هو بالرد عليها، ومستخدمًا صوتها لترديد جمل غنائية أو بمشاركته الغناء كما في أغنية “ابن البلد”. وقد قرر أن تتقاسم صورتيهما غلاف ألبومه الثاني. كما استند في معظم أعماله إلى إبداعات الفنان عازف الجيتار والموزع محمد عماد الشاطر، الذي لم يلق هو الآخر نصيبه من الشهرة رغم موهبته الفريدة هو الآخر، وفهمه الواعي والراقي لأصول التوزيع الموسيقي ومناسبته لأي نوع من الألحان والكلمات الموضوعة. أيضًا استخدامه لصوت عزة مسعود في الرد عليه في ألبومه الأول غير المعنون في ترديد الآهات، كما في أغنية “انتهينا” أو لعمل خلفية صوتية مصاحبة للموسيقى مثلما في أغنية “هتجن”، وهي المطربة المجهولة التي لعبت دورًا في تكوين مجموعة كورال لترديد الأغنيات وراء المطربين في الثمانينيات.

اعلان
 
 
أيمن عبد المعطي