Define your generation here. Generation What
عمرو عزت: “العادات والتقاليد” تستخدم عادة لخلق حالة من انتهاك الحقوق
 
 

خاضت الحركة الحقوقية المصرية منذ نشأتها العديد من المعارك لتحسين الموقف الحقوقي المصري. إلا أنها واجهت خلال العشر سنوات الأخيرةتحديًا كبيرًا تمثل في أزمة الحريات الشخصية، وتحديدًا في الحريات الدينية والجنسية. ففي مجتمع محافظ يكون الحديث عن حقوق المثليين جنسيًا، أو حقوق النساء أو حقوق الأقليات الدينية، كالأقباط أو البهائيين أو اللادينيين، تحديًا أكبر من مجرد الضغط لتغيير سياسات الدولة القمعية، الحديث عن الحريات الشخصية في كثير من الأحيان يتطلب أيضًا معركة أشد صعوبة أمام هيمنة ثقافة الأغلبية المحافظة.

Amr Ezzat

Amr Ezzat

في هذا الحوار، يتحدث الباحث عمرو عزت- مسئول برنامج حرية الدين والمعتقد بـ«المبادرة المصرية للحقوق الشخصية»- عن الخطوط الفاصلة بين المعركة مع الدولة، والمعركة أمام المجتمع.

مدى مصر: بالنظر لقضية الحقوق الشخصية ومقارنتها بباقي المعارك الحقوقية، ربما وجدنا أنها الأصعب؛ حيث لا تقتصر المواجهة على الضغط لتغيير سياسات خاطئةمن الدولة، ولكن أيضًا مواجهة مجتمع رافض في أحيان كثيرة لهذا التغيير، كيف أثر هذا في النضال في مجال الحقوق والحريات الشخصية؟

عمرو عزت: نواجه هذه المشكلة في ملفات عدة، أهمها المثلية الجنسية والحقوق الجنسية بشكل عام، جزء من صعوبة العمل في هذا الملف أن المنظمات الحقوقية نفسها تقرر أنها لن تعمل أي حملات أو عمل دعائي عليه. على سبيل المثال، كتبت دراسة كاملة عن الحقوق الجنسية والإنجابية صدرت باللغة الإنجليزية، وكان الجدل حولها في نطاق محدود؛ لأن الأفكار الواردة بها قد تكون تقدمية بعض الشيء، كما أن الجزء المجتمعي بها والمعني بعمل حملة أو رفع مطالب كان ضعيفًا جزئيًا بسبب حساسية الأفكار الواردة بها، وجزءًا آخر بسبب السقف المنخفض جدًا في هذه الموضوعات. العاملون في مجال النوع الاجتماعي والحقوق الشخصية دائمًا ما يحملون أجندة مطالب ذات سقف منخفض؛ حيث يتمركز العمل على التفاوض مع المجلس القومي للمرأة ومؤسسات الدولة الرسمية.

على صعيد آخر، نعمل مثلًا على ملف ازدراء الأديان، أثناء إثارة قضية ألبير صابر (مواطن مصري ملحد تم اتهامه بازدراء الدين الإسلامي)، قمنا بعمل حملة لها طموح عال مفاده بأن توجيه انتقادات حادة أو الهجوم على المقدسات الدينية موضوع مجال مناقشته لا يجب أن يكون من خلال القانون، لأنه جزء من حرية التعبير، وجزء من أي دين أن ينتقد المقدسات الدينية للأديان الأخرى. يصعب في الحقيقة تقييم هذه الحملة؛ لأن المجال العام كما هو، إلا أن هذه الحملة حققت نجاحًا نسبيًا محدودًا. لا أعرف إن كانت الحملة لها تأثير مباشر أم لا، لكن أعتقد أنه بسبب الضغط الناجم عن حملة مساندة ألبير من خلال الحملة الإعلامية التي عملت عليها بعض المنظمات وتطوع بها كثير وكتب عنهاآخرون، تم إخلاء سبيل ألبير بعد الحكم عليه وتمكن من السفر. هذا تقدم نسبي لأنه بالمقارنة بقضايا أخرى لم يحصل المدانون على إخلاء سبيل. انقسمت الحملة الإعلامية لعدة أجزاء؛ فكانت هناك منظمات حقوقية مصرية ومنظمات دولية ومتطوعون وأصدقاء، بالإضافة إلى عوامل أخرى كثيرة،فضلًاعن الجدل حول ازدراء الأديان من خلال المقالات والتدوينات وغيرها.

تغيير المجتمع كله صعب ويحدث بشكل تراكمي، لكن في حدود قدرات المنظمات الحقوقية فنحن ندشن حملة في نطاق معين. وبشكل ما كان هناك شيء جيد، تمثل في ثلاثين متطوعًا ومدونة خاصة بالموضوع وقاعدة بيانات خاصة بالقضية، مثل لي تغيرًا نسبيًا فقد كتبت مقالين في «المصري اليوم»أحدهماعنوانه“ولماذا لا نعترف ببساطة أننا لا نحب حرية العقيدة؟”، وكان وقتها من الأعلى قراءة وخلف جدلًا كبيرًا. الانطباع الذي كونته في هذا الوقت أن هناك قدرًا من النجاح النسبي في وضع أجندة رأي يقول إن التعبير في مجال نقد الدين والمقدسات يمكن النقاش فيه، لكن بالطبع على المستوى الأوسع يظل الوضع كما هووالقضايا (ضد الأقليات الدينية) مستمرة.

مدى مصر: أي الجبهتين أصعب إذن؟ الدولة أم المجتمع؟

عمرو: الجبهتان متداخلتان جدًا، في كثير من القضايا المتعلقة بالحريات يكون الإطار القانوني غامضًا، مثل قضايا ازدراء الأديان التي توجّه فيها اتهامات مثل ترويج أفكار متطرفة. الإطار القانوني الفضفاض يسمح للشرطة والقضاء باستخدام انحيازاتهم الشخصية، فأحد وكلاء النيابة ربما يخلي سبيل أحد الأشخاص، وفي بعض الأحيان تشارك الشرطة نفسها في التنكيل. في بعض الأحيان تتعامل الشرطة كمؤسسة وفي أحيان أخرى تكون الشرطة مثل المجتمع. الجبهتان متداخلتان كما قلت، لكن جزءًا من عمل المنظمات الحقوقية هو عمل حملات للمجتمع وجزءًا آخر موجه للدولة. يختلف الأمر من قضية لأخرى، فيما يخص المثلية الجنسية، على سبيل المثال، تكون الحملة الموجهة للمجتمع أكثر صعوبة، لكن حينما نتوجه للدولة، نستطيع أن نتناقش في إجراءات التعامل معهم لتحقيق بعض التحسن، مثل الحديث عن إجراءات التفتيش والاحتجاز والمحاكمة. من الممكن أن نحرز بعض التقدم لو لدينا قضاة أو أعضاء نيابة لديهم بعض الانضباط؛ حيث تكون استجابة مؤسسات الدولة أفضل إلى حد ما تجاه النضال القانوني. حملة ازدراء الأديان كانت تمثل لي مثلًا بعض التقدم على المستوى المجتمعي، وبالتالي يخلتف الأمر من قضية لأخرى. أداء الحكومة بشكل عام يعتمد على قبول مجتمعي عال، وهناك ظاهرة أخرى تتمثل في أن الكثير من القضايا تتحرك في الأساس من المجتمع الذي يثير أزمة تدفع الدولة للتدخل. ففي معظم قضايا ازدراء الأديان يقول شخص ما شيئًا؛فيتجمهر حوله الناس ويضربونه فيتم أخذه لقسم الشرطة، نادرًا ما يذهب أحد لتقديم بلاغ في قسم الشرطة بشكل هادئ.

مدى مصر: ماذا لو قارنا بين عمل الحملات الشعبية والحركات المستقلة من ناحية، وعمل المنظمات الحقوقية المحترفة من ناحية أخرى، ما الفرق في العمل على الجبهتين؟ من يتمتع بالمساحة الأكبر من الحرية؟

عمرو: بشكل عام، المنظمات لديها الموارد البشرية والمادية والمعرفية بشكل أكبر من الحملات الشعبية، وتدعم المنظمة أصحاب القضايا من خلال الدعم القانوني أو من خلال طرح تغيير القوانين والسياسات، لكن الحملات المجتمعية في أغلب الوقت يكون أصحابها هم أنفسهم أصحاب المشكلة أو القضية التي ينادون بها، لكن هذا يعد جزءًاإيجابيًا في الحملات المجتمعية؛لأنها تكون أولويتهم الأولى، بينما في بعض الأحيان يكون للمنظمات أولويات معينة، بينما المتضرر لا يفكر في مدى أولوية قضيته بالنسبة للعالم، فهو يتحرك ويدخل معركته الشخصية.

أيضًا في بعض الأحيان يكون للمنظمات سقف معين في الخطاب والحركة؛ فالمنظمات لا تدعو لمظاهرات أو وقفات، بينما يمكن للحملات الشعبية أن تقوم بحملات احتجاجية. الخطاب الحقوقي أيضًا يتمحور حول الجزء القانوني غالبًا، وفي بعض الأحيان يقتصر فقط على الجانب القانوني من دون حملات، لكن أصحاب القضية حينما يقومون بحملة فهم يخلقون تفاعلًا عاليًا مع المجتمع المحيط بهم. ولكن في معظم الأحوال يكون هناك نوع من التعاون ما بين الطرفين، إما تعاون من خلال المعلومات، أو أن تتكفل المنظمات بالجانب القانوني والمحامين والتوثيق والمعرفة، وبالتالي يكون هناك قدر كبير من التداخل في المهام بين الطرفين.

مدى مصر: دائمًا ما يوجه نقدًا للمنظمات الحقوقية، بالذات في مجال الحريات الشخصية، بأنها صدامية مع المجتمع ولا تراعي ما يطلق عليه “الخصوصية الثقافية للمجتمع”، ولم يعد دورها يقتصر فقط على مواجهة السياسات، بل تمدد عملها للصدام مع عادات وتقاليد المجتمع وهو ما أثر سلبيًا في القضايا التي تدعو إليها، كيف تتفق أو تختلف مع هذا الطرح؟

عمرو: هناك صدام بالفعل، ولكنه ليس مع المجتمع؛ ففي كثير من الأحيان تدخل المنظمات الحقوقية في صدام لتساند طرفًا في المجتمع ضد تسلط طرف آخر، وغالبًا ما يكون هذا الطرف هو الأغلبية أو الأكثر قوة أوالسلطة الأكبر أو الأقدم. هذا الصدام مطلوب والحملات الحقوقية مهمتها أن تخوض هذا الصداموأنتقلل الخصوم وتكسب في صفها حلفاء أكثر. جزء من عمل الكثير أيضًا أنهم يحاولون خوض معارك ضد أفكار مثل الخصوصية وعادات وتقاليد المجتمع وهذا التعميم؛لأن الحقوقيين دومًا ما يعملون مع أقليات وأطراف أضعف من باقي المجتمع.

هل أثر الصدام في هذه القضايا؟ المشكلة أن مفاهيم العادات والتقاليد في الأصل تستخدم لخلق حالة من انتهاك الحقوق طوال الوقت، فحينما تخلق هذه المنظمات هذا الصدام، دوما ما تكون هناك مغامرة في أن يستثير هذا الصدام السلطة فتكون أكثر شراسة، وبعد الثورة كانت هذه الحالة الصراعية مستمرة طوال الوقت. المهم أيضًا أن هذه المنظمات لا تأتي من الخارج؛ فكل العاملين بالمنظمات الحقوقية المصرية هم نشطاء مصريون مهتمون بقضايا مختلفة، جاءوا أصلًا من وسط هذه الحالة الصراعية هذه وهم هنا في الأساس يدافعون عن الاختلاف.

في رأيي هذه الحالة الصدامية أشعرت الحلقات الأضعف في المجتمع أن لهم حلفاء، وفي بعض الأحيان نجحت في خلق جدل ثقافي جيد من خلال هذه الصدمة. لم يكن عنف المجتمع أو الدولة ناتجًاعن التدخل الحقوقي. مثال على ذلك الشيعة في مصر بعد الثورة،والذين بدأوا في الظهور في المجال العام للتعبير عن أنفسهم دون تدخل حقوقي. الاستفزاز الحقوقي هنا هو المناداة بحقوق الشيعة، حتى لو لم يحقق نجاحًا، فالمنظمات على الأقل تحول جزءًا من هذا العدوان إلى جدل، بدلًا من عدم وجود أي جدل واستمرار العدوان فقط. جزء من هذا الصدام الحقوقي في رأيي يخلق حالة إيجابية، جزء منها أن الكثير ممن لم يكونوا طرفًا في هذا الصدام أو حتى مهتمين به بدأوا في التطوع.

عامة،نتيجة المباراة حاليًا خسارة بفارق كبير في الأهداف، ولكن في بعض اللحظات تستطيع المنظمات أن تقلل هذا الفارق، فيحصل المُنكل بهم على إخلاء سبيل أو أحكام مخففة. على الأقل في بعض الأحيان تستطيع المنظمات خلق تراكم من المعرفة والبحث والتوثيق الذي قد يفيد في المستقبل؛ فربما في لحظة ما يؤدي تراكم المعرفة هذا إلى أن تدرك الدولة الأزمة من خلال هذه المعرفة. اهتمت المبادرة قبل الثورة بالملف الطائفي وأنتجت معرفة غزيرة بالقضية، الأمر الذي دفع رئاسة الجمهورية إلى طلب مناقشة تقارير العنف الطائفي التي أصدرتها المبادرة.

مدى مصر: ذكرت في الأجابة السابقة أن المنظمات المصرية هي في الأصل جزء من المجتمع، وأن العاملين بها مصريون يتبنون قضايا حقوقية معينة، في المقابل يرى البعض أن مفهوم الحقوق والحريات هو في الأصل مفهوم غربي، هل هذا صحيح؟ وهل هناك مشكلة في الأصل في استيراد هذا المفهوم؟

عمرو: جزء من الصراع بين السلطة ومقاوميها أنهناك حلقات أضعف لديها حقوق، وهو نضال إنساني موجود في كل مكان، وهذه القيم موجودة في كل الثقافات. الإطار الحديث لهذه القيم، مثله مثل إطار الدولة وإطار القانون، هي منجزات كان الغرب هو الأسبق إليها حتى الآن. الكثير اعتبروا أن الدولة الحديثة جزء من التغريب، وحلول فكرة القانون بدلًا من الشريعة والقضاء الشرعي يصب في النقد نفسه. جزء من النضال الحقوقي أن هناك أشخاصًا مظلومين لابد أن تعود حقوقهم بعيدًا حتى عن المعايير الحقوقية التي تبعد مصر عنها كثيرًا. في كثير من المقالات التي أكتبها، لا ألجأ كثيرًا للاستعارة من المبادئ الحقوقية، فدومًا ما أتحدث عن نفسي وأنني أريد هذا الحق ولماذا يأتي طرف آخر للتغول على هذا الحق؟ وأتساءل: لماذا لا نكون متساوين ولنا القدر نفسه من الحرية؟ نحن بعيدون تمامًا عن المعايير، لأننا ندافع في الكثير من الأحيان عن حدود دنيا للحقوق، لكن المواثيق الحقوقية والتراث الحقوقي هي جزء من التراث القانوني وهوأيضًا ما سبق في إنتاجه الجانب الغربي وهناك نقد له في الغرب.

كثير من المنظمات تكون مرجعيتها المواثيق الحقوقية الصادرة من الجهات الدولية ويكون لها تعديلات عليها وإضافات لها وغيره. المشكلة ليست في مصدر هذه المبادئ، لكن في أننا بعيدون جدًا عنها ولا نعرف ماالبديل لها؟ هل هو حكم القانون؟ هل نريد أن يسري حكم القانون دون هذه المعايير؟ الكثير ينتقدون المنظور الحقوقي في مقابل المنظور السياسي الذي يرون أنه كان لابد أن يتقدم في الثورة، بينما المنظور الحقوقي هو طرف يخاطب دومًا الدولة لتطبيق معايير حقوقية معينة. البعض يرى أن أصحاب القضايا يجب أن يتجمعوا ويتحزبوا سياسيًا؛حيث يستطيعون الحصول على جزء من حقوقهم من خلال التفاوض السياسي. هناك  نقد آخر من المنظور الإسلامي أو المحافظ، وهذا المنظور تتمركز مشكلته مع المنظور الحقوقي في أنه يود الحفاظ على قدر من التسلط والتمييز الموجود والذي يدافع عنه. بالتالي المعيار لا يجب أن يكون على مصدر الفكرة، بينما المشكلة أن الكثير يدافعون عن الإطار الاسلامي لدولة الخلافة وتطورها والسيطرة الطائفية الموجودة للمسلمين أحيانًا والقيم المحافظة التي تتطلب سيادة من الأغلبية، وهؤلاء موجودون في الغرب أيضًا؛ حيث ينادون بعدم المساواة مع المسلمين ويرونهم تهديدًا للتراث الأوروبي.

جزء آخر من المعركة، أن الدولة أيضًا تدافع عن منطقهاوتأخرها ورفضها إحراز أي تقدم، لكن للأسف خطاب الدولة خطاب منافق في الحقيقة؛ لأنها فيالوقت نفسه، مثلها مثل المجتمع المدني تتلقى منحًا لتحسين أوضاع الديمقراطية وتصدق على الاتفاقات الدولية، الدولة تقول دومًا في خطابها إنها تتبنى نموذج الدولة الحديثة القائمة على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، وبالتالي حينما يأتي هذا الخطاب المضاد منها فهو محاولة لتقويم فشلها.

مدى مصر: أشرت في السابق لمصطلح “الجدل الثقافي” الذي خلقته حالة الصدام القائمة، يرى البعض أن حدوث أية ثورة ثقافية قائمة على مثل هذا الجدل لن يعتمد على تغيير من أسفل لأعلى ولكن بشكل معاكس من أعلى لأسفل، من خلال الدولة التي ستغير من سياستها حتى يتغير المجتمع. كيف تتوقع اتجاه التغيير في مصر؟ وكيف ترى الوجه المثالي الذي يجب أن يأخذه هذا التغيير في الأساس؟

عمرو: لا أرى أن هناك قاعدة تحكم الموقف، في بعض القضايا المتعلقة بالحريات العامة والشخصية يكون جزء من البنيان القانوني للدول الحديثة، ومنها مصر، أنه ليس من حق الأغلبية الاعتداء على الحريات. لو تم تشريع قانون اختارته الأغلبية وكان منافيًاللحقوق الواردة في الدستور، تستطيع المحكمة الدستورية أن تقضي بعدم دستورية القانون، وبالتالي فإن التوازن الديمقراطي غير قائم على أن الأغلبية بالضرورة مؤيدة للحريات. التوازن قائم على أن هذه الدولة جزء من أساسها قائم على احترام قدر من الحقوق والحريات لا يمكن الاعتداء عليه حتى لو من قبل الأغلبية. هذا بالضرورة يتطلب وجود نخبة ما خلقت هذا التأسيس منذ البداية غير متأثرة بأهواء الأغلبية.

 القضية تتوقف دومًا على مدى تجاوب هذه النخبة، فهناك نخبة يمكنها تأسيس دولة قائمة على الحقوق والحريات حتى لو هناك ثقافة بها قدر من التسلط والتمييز فلن تتغول كثيرًا على الدولة التي تستطيع الدفاع عن الحريات. لكن لو هذه النخبة، بما فيها قضاة المحكمة الدستورية، لديها في الأصل إشكاليات مع الحريات العامة؛ فإن هذا يولد أزمة كبيرة، هذا حال مصر ولكن ليس في كل القضايا.فمنطق كل معركة يختلف عن الأخرى. الدولة بحكم سيطرتها على التعليم والإعلام الرسمي تشكل ميل المجتمع أحيانًا، والمجتمع يشكلها في أحيان أخرى، هناك دومًا ما تشابكات.

مدى مصر: كيف تقيم مرونة الحركة الحقوقية في مصر وتأثيرها وتأثرها بالمجتمع المصري في السنوات الأخيرة؟

عمرو: جزء من مرونة الحركة الحقوقية مثلًا أنني كنت من ضمن هؤلاء الذين يكتبون ويشاركون في حملات من أجل حرية الاعتقاد، وبالتالي كان جزء من عملي في «المبادرة»بسبب هذا الاشتراك. جزء كبير من أجندة عملي لم يكن جزءًا من التراث الحقوقي أصلًا في مصر، فلا توجد منظمات أخرى تعمل في مجال المؤسسات الدينية الإسلامية، على سبيل المثال. أصبحت «المبادرة»هي الجهة الوحيدة العاملة في هذا المجال ونحاول أن نقدم توصيات وحوارات مع المؤسسات الدينية الرسمية، وهو ما يمكن أن يؤتي ثماره في أن الكثير من الأئمة وطلاب الأزهر استطاعوا مع انفتاح المجال العام أن يفكروا في قضايا مثل: قانون الأزهر ولوائح وزارة الأوقاف. ربما يتم النظر لهذه الجهود بأنها لم تحقق إنجازًا عمليًا على الأرض، لكنها خلقت نوعًا من الإنجاز البحثي والمعرفي لم يكن متوافرًا من منظور حقوقي. حتى بعض موظفي الأوقاف أنفسهم لم يكن لديهم المعرفة بلوائح الأوقاف على سبيل المثال؛ لأنها ليست مثار جدل. البعض لم يكن يعرف مثلًا أن الضبطية القضائية لموظفي الأوقاف موجودة منذ التسعينيات، هناك حالة عامة من عدم المعرفة بالقضية وهو ما يقلل الجدل حولها، لهذا فإن خصوم الحركات الإسلامية مثلا يتخيلون، بسبب غياب معرفتهم بالمؤسسات الإسلامية، أن الوضع القانوني لهذه المؤسسات في صالحهم.

جزء من هذا النجاح البحثي أن الكثير أصبحوا يفكرون في وجود المشكلة، خلق هذا التراكم المعرفي أدى لطرح أسئلة لم تكن معروفة، ما دفع المجتمع للتفكير بها حتى لو لن يأخذ رد فعل حقيقي للتغيير. في النهاية وضعت بعضًا من الأسئلة وخلقت جدلًا جعل جزءًا من مجتمع الأزاهرة والأئمة مثلًا يساعدوني في أبحاثي، بينما بعض منهم بدأ في التفكير في المنظور الحقوقي والديموقراطي الذي نتبناه.

ما حدث خلال الثلاث سنوات الماضية أن الوضع أصبح أكثر سوءًا؛ حيث نخلق تراكمًا داخل دوائر معينة حولنا بينما تستفحل المشكلة وتتوغل مؤسسة الأوقاف. كثير من الأشياء ظاهرها أن المشكلة استفحلت، لكن استفزازنا للمجتمع جعل البعض يفكر في حلول من خلال هذا المنظور الحقوقي. استطعنا إنتاج معرفة وأيضًا إنتاج كوادر بشرية مهتمة بهذه المعرفة. لدينا خلال هذه السنوات الماضية مثلا عشرة متدربين.

وأعتقد أنه لا يمكن دراسة الحركة الحقوقية بعيدًا عن حالة انفتاح المجال العام؛فقد دخل إليها قضايا جديدة وكوادر جديدة، ومتطوعون وآخرون مهتمون بالتواصل. واستطاعت أن تخرج من الحقبة الضيقة لعمل المجتمع المدني في التسعينيات، التي تمثلت في ناشطين معظمهم محامين أو باحثين أكاديميين يقومون بعمل رصد وتوثيق وتقاض. أصبح المجتمع المدني جزءًا من الحركة السياسية عمومًا. جزء من أزمة المجتمع المدني الحالية ليست أزمة قانونية؛ لأن القانون به مشكلات طوال الوقت، إنما الأزمة أنه انهزم مع انهزام التيار الديموقراطي بشكل عام، حينما يتم ضرب هذا التيار، يتم ضرب المنظمات الحقوقية معه. البعض يرى أنها يجب أن تكون منعزلةومتخصصة جدًا؛ حيث تتحدث فقط مع الدولة، لكن جزءًا آخر من الجدل، وهو ما تتبناه «المبادرة»، أننا جزء من الحركة المجتمعية؛ حيث نفتح مكاتب عمل ميداني، وجزء كبير من عملنا يكون من خلال شراكة مع آخرين مثل:«منتدى الدين والحريات»، الذي يتشارك آخرون معنا في إدارته؛ حيث يكون من المهم أن نتواصل مع الآخرين وألا نسيطر على كل العمل.

جزء من أزمة المجتمع المدني أنه أصبح طرفًا في المعركة، وبالتالي فإن إخفاقاته ونجاحاته مرتبطة بالمجال العام وحركة التغيير للحركة الديمقراطية بشكل عام.

اعلان
 
 
مي شمس الدين