١٩٨٠ وأنت طالع: القفز للخلف من أجل الحركة للأمام
 
 

كنا نأخذ أماكننا قبل بداية العرض عندما همس شاب لصديقه في قلق: همّا ضلموها زي السينما كده ليه؟

يبدو هذا كتعليق من شخص لم يجرب المسرح من قبل. معظم ردود أفعال الجمهور أكدت هذا الإحساس. كان لهذه المسرحية نسخة سابقة في ٢٠١٢، تم تعديلها وتغييرها وعرضها أكثر من مرة، وتعتبر في حالتها الحالية واحدة من أنجح المسرحيات مؤخرًا. نجحت المسرحية في اجتذاب جمهور شاب حديث العهد بهذا الفن الكلاسيكي العتيق، المسرح. شيء مثير أن تحقق مسرحية مثل تلك نجاحَا كهذا في العصر الذي تقلصت فيه قدرة المشاهد علي التركيز لتتناسب مع ڤيديوهات ڤاين ذات السبع ثواني. لم تكن المسرحية منفصلة تمامَا عن الطريقة التي يتطور بها العالم أيضَا، شبكات التواصل الاجتماعي والثقافة الجديدة التي أنتجتها كانتا حاضرتان بقوة في العمل.

تقدم “١٩٨٠” نفسها كمسرحية متمحورة حول الجيل. العنوان جعلني أتوقع أن تكون المسرحية إجمالاً عن النوستالچيا والكوميديا المتشاركة بين من ولدوا وكبروا في هذه الفترة. بوضوح، لم ترد المسرحية أن تكون عن هذا، وعملت بجد على امتلاك ما هو أكثر من ذلك، لست متأكدًا من مدى استمتاعي بالنتيجة على المستوى الشخصي، كشخص يتوق لتجربة مسرحية جديدة وملهمة، ولكن مما سمعت عن العرض كنت أعلم أنه ليس بالضرورة طبقي المفضل. بالرغم من ذلك، خرجت من المسرحية أقل إحباطًا بكثير مما كنت أتوقع.

قبل أن تُفتح الستائر، وبينما يبحث الناس عن مقاعدهم في المسرح المتهالك غير النظيف، صدحت السماعات بأغانِ شعبية شهيرة من الثمانينيات مرتبة بطريقة تصاعدية. انطلق الجمهور في التصفيق والتصفير ببهجة، لم أر شيئًا مثل ذلك من قبل في عرض مسرحي، الجو المتباسط إلى هذا الحد تعارض بقوة مع السمعة المعتادة عن المسرح كفن وقور يحيط بمراسمه الإجلال والرزانة، هذا الانفجار في البداية هيأني للتجربة قبل بدايتها، لم أتمالك نفسي من الابتسام وهززت قدمي مع إيقاعات الموسيقى!

1980s and Up.jpg

.

تبدأ المسرحية بمجموعة من الشباب يلتقطون صورة جماعية، ثم يقول كل منهم كم عمره. بعد هذا يتصدع العرض إلى مجموعة من الاسكتشات القصيرة (الطويلة!) يمثل كل منها جانبًا من جوانب تركيبة هذا الجيل كما يراها الكاتب محمود جمال.

للأسف كان الحوار تقليديًا للغاية ولا يمكنك أن تتجاهل كم مليون مرة سمعته من قبل. الممثلون في البداية كانوا متوترين ويبالغون في أدائهم، ولكن سرعان ما أصبحوا أكثر بساطة وثقة بدعم من تفاعل الجمهور. مقطوعة من الموسيقى التصويرية للفيلم الفرنسي “إيميلي پولان” كانت تُلعب بين الاسكتشات في الخلفية وفشلت أحيانًا في التوقف قبل بداية المشهد بطريقة صحيحة. معظم القطع الموسيقية الأخرى كانت مستعارة من أعمال أخرى شهيرة وتم حشرها في المشاهد المؤثرة بعنف.

كانت هناك سمة متكررة تبدأ بها المشاهد بطريقة كوميدية ثم تدريجيًا يتطور المشهد ليتحول إلى مونولوج بائس طويل للغاية مغلف بنواح الموسيقى الحزينة. عند مرحلة ما بدأ الجمهور يفطن لهذا النمط ويمل منه، سمعت بعض التعليقات الساخرة والضحكات المكتومة عند لحظات يفترض فيها الميلودرامية الساحقة. عمومًا لم يبدو للمخرج محمد جبر تأثير واضح أو مميز على العمل إخراجيًا، سواء في طريقة تحريك الممثلين أو تصميم المشاهد أو استخدام الضوء أو أي شيء آخر.

وبالرغم من ذلك!

كان الحاضرون يضحكون بقوة دائمًا على النكات التي كان بعضها ذكيًا للغاية، وبعضها متوقعًا. كان هناك العديد من لحظات التصفيق الجماعي الحاد مكافأة للممثلين على مشاهد مبالغ فيها، صرخوا خلالها بإخلاص. الاستعراض الموسيقي الراقص في النهاية صفق له الجمهور منذ بدايته وحتى نهايته، بل واشتركوا في الغناء أحيانًا. لم يكن الأمر مجرد تفاعل هيستيري جماعي كعادة المسرح الحسّي. كان لدى المسرحية أشياء مهمة لتقولها، والناس تلقوا الرسالة وتجاهلوا الأجزاء الرديئة من العمل وتسامحوا معها.

1980s and Up.jpg

.

في أحد الاسكتشات يقف جميع الأبطال تقريبًا في مواجهة الجمهور، ويقول كل منهم جملة يعلق بها على حياته أو على أوضاع البلد. كانت الجمل على ما يبدو تويتات أو facebook statuses، أو على الأقل مكتوبة لتبدو كذلك. تفاعل الجمهور مع هذه الجمل بطريقة جيدة للغاية، إما بالضحك أو التصفيق، لما حمله بعضها من جرأة سياسية. بالطبع كان يمكن اختصار هذا المشهد ليكون أقصر بكثير، وقد يراه البعض إعادة تدوير لمحتوى مستهلك على الإنترنت، ولكن وجدت في هذا المشهد أهمية كبيرة. ربط هذا المشهد العرض بدقة بعالم التواصل الاجتماعي الذي نشأ منه في المقام الأول. هذا الارتباط حرك أفكارًا مهمة لها علاقة بالطريقة التي تطورت بها المسرحية بعد ذلك. جعلني المشهد أفكر في كيف أن هؤلاء الشباب- في المسرحية وعلى الإنترنت- آمنوا أن لديهم ما يقولونه، وجعلني أفكر في مدى أهمية هذه التفصيلة في استيعاب الثورة ومستقبل هذا البلد. هذا المشهد- والمسرحية بأكملها في الحقيقة- منحني الكثير من التفاؤل حول حقيقة أن ما يريده الناس سيكون له دور كبير في طريقة إدارة هذا البلد في المستقبل.

بعد استكشاف ما يسبح فيه هذا الجيل من بؤس وأحلام باسكتشات عن أحلام مهيضة وآمال مجهضة، طوّر العرض صوته السياسي ووجه أصابع الاتهام بوضوح لمن يراهم مسئولين. هاجمت المسرحية وزارة الداخلية واتهمتها بقتل المتظاهرين، سخرت من قصة الثورة التي يتسابق الجميع على حقوق ملكيتها. سخرت من الإخوان والجيش، بجرأة وشجاعة كبيرة.

أتذكر كيف كنت أشاهد من أشهر قليلة فيلم “الجزيرة ٢”، عندما ضحك الجمهور في القاعة على نكات الفيلم الخبيثة التى سخر فيها من الثورة. تذكرت مرارة شعوري بالخيانة في تلك اللحظة. عندما كنت أشاهد “١٩٨٠ وأنت طالع”، فوجئت بتصفيق الجمهور الطويل المتواصل للنكات التي تسخر من الجيش وديموقراطيته الزائفة. وقفت، مع الجمهور، نحيي الفريق الذي كان وراء هذا العمل البائس المبتذل ضعيف التنفيذ الذي لم يمتلك- مثلنا كلّنا- سوى روح الدعابة والأمل.

أكثر شيء ثمانينياتي في هذا العمل كان ذوقه. كان يبدو وكأنه مصنوع بالفعل على يد ناس ما زالوا يعيشون هناك. كل شيء قديم، ويمكنك ببساطة أن ترى هذا العمل كامتداد لمسرح محمد صبحي ولينين الرملي في الثمانينيات. المزج بين الكوميديا والرسالة السياسية القوية (ما يسمونه أحيانًا “الكباريه السياسي”) متشابه للغاية.

أحد أهم الفروق هو الغياب الواضح للنجم الأوحد. الشخص الذى بنى محمد صبحي مسرحياته دومًا حوله، الذي كان لا بد بالطبع أن يلعب هو دوره. صبحي، الذي كان يعتبر فنانًا متمردًا ورائدًا للمسرح المتحرر في وقت من الأوقات، هو الآن مادة خصبة لنكات الإنترنت. محاضراته الأخلاقية الجوفاء المملة في لقاءاته التليفزيونية، جنبًا إلى جنب مع تدعيمه المقزز للسلطة العسكرية والقمع الممنهج، يضحكان الشباب أكثر من مسرحياته القديمة.

مشروع صبحي الطموح لتعظيم دور المسرح وإعادة إحياء حبه في قلوب الجمهور المصري، سممته ذاتية صبحي ونرجسيته العمياء، إيمانه المطلق بأنه على صواب، نفعيته الرخيصة وانفصاله عن الواقع وعن آلام الناس الحقيقية، المصدر الأهم للعديد من الأعمال المسرحية الجيدة، والفنية عمومًا.

الدرس المستفاد من تجربة صبحي لفريق “١٩٨٠” هو: ربما تعوزكم الآن الحرفة، وتستبدلونها بما تملكونه من صدق وبراءة، هذه المعادلة لن تبقى هكذا للأبد. استعدوا لتغييرات كبيرة في تركيبتكم، واستعدوا لعقود مسلسلات رمضان المقبل.

اعلان
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن