Define your generation here. Generation What

ريشة وكتف مرصع وكتاب أسود: الصراع على روح الشرطة المصرية

أن يصل الصراع بين بقايا الروح الشريرة في جسد الشرطة المصرية، وبين المجتمع، وبعض مؤسسات الدولة مثل الجيش والقضاء إلى حد إعداد كتاب أسود في نقابة المحامين عن الجرائم الشرطية ضد المواطنين و المؤسسات، وبالتالى ضد القانون نفسه؛ فإننا نكون قد دخلنا إلى دائرة الحرب الباردة بين أقطاب متنازعة على حصص النفوذ والهيمنة، والحرب الباردة إما أن تتحول إلى ساخنة، أو تتراجع إلى الوفاق، أو تتجمد أحيانًا، لتعود فتنفجر، ثم تعود فتتجمد، ثم تنفجر وهكذا دواليك، ما لم تكسر هذه الدائرة الخبيثة ببناء دولة المواطنة والقانون.

أصل الروح الشريرة التي نتحدث عن وجود بعض بقاياها في جسد الشرطة المصرية، هو تلك الريشة الملعونة فوق رأس الشرطي في العهدين المملوكي والعثمانى في مصر المحروسة، وبينما قصد بها في البداية أن تكون علامة الرتبة الشرطية أي إعلان عن سلطة الضبطية القضائية وحفظ النظام لحاملها؛ فإنها تحولت في الوجدان الشعبي للمصريين، بسبب سوء استخدام السلطة إلى رخصة للخروج الآثم، ولكن الآمن على القانون والعرف، بل والشرع الديني نفسه، ثم بقيت الريشة موضوعًا للسخرية من كل من يريد أن يضع نفسه فوق الآخرين في الحقوق والامتيازات دون مسوغ من القانون أو العرف أو الأخلاق.

إلا أن تلك كانت أيام الكرباج والسخرة، وحكم غير المصريين للمصريين، تلك الأيام التي كان السيف والسوط فيها حقًا مطلقًا وامتيازًا غير منازع للمجلوبين من أسواق النخاسة، أو الوافدين من الدولة العلية في استانبول، من عبيد السلاطين والولاة، أو أبناء محظياتهم من أصلاب رجال آخرين، وكان المصري فيها هو الفلاح الذي يزرع ويقلع، ويدفع، ويجلد إذا لم يدفع، وإذا  قدر له أن يخرج من هذه الدائرة الجهنمية؛ فإما إلى الأزهر، أو الطرق الصوفية، أو الالتحاق بخدمة “الغز” أي المماليك، وربما الالتحاق بمناسر اللصوص.

هذه الروح الشريرة التي تجسدت في الريشة فوق الرأس، كان ينبغي أن تزهق نهائيًا مع قيام الدولة الدستورية عام 1923، وتبوء أبناء هؤلاء الفلاحين مناصب الرئاسة والوزارة، وتكوين الجيش والشرطة منهم وحدهم بعد أن سبقتها خطوات مهمة نحو تحديث علاقة السلطة بالرعايا، بدأت بإلغاء الاحتكار، ثم السماح بملكية الأرض، ثم إلغاء السخرة في العمل، وإلغاء عقوبة الجلد، وإلغاء الرق.

ولكن شيئًا ما في بنية السلطة السياسية المصرية، وفي ثقافة المجتمع ككل يعيد بث أنفاس الحياة في تلك الروح الشريرة؛ فتتناسخ من ريشة المملوك وتحل في الأكتاف المرصعة بالنجوم والنسور والسيوف المتقاطعة لبعض “وليس كل ضباط الشرطة”.

هل تتذكرون ما قاله وعوقب بسببه لواء مديرية الأمن في محافظة البحيرة في أعقاب ثورة “يناير”: ذلك الرجل الذي قال لضباطه: لا تخشوا شيئًا.. سنبقى أسيادهم، ونضربهم بالأحذية.

عن نفسي كتبت ذات مرة، عن ملازم ثان في أحد الأقسام، حين حاول التطاول عليّ، ثم تراجع وانكمش بعد أن عرف أننى “مدير تحرير الأهرام” في ذلك الوقت، إذ قلت له بعد أن قبلت اعتذاره: هل ترضيك سمعة الشرطة المصرية السيئة في الخارج بسبب سوء معاملتكم للمواطنين؟ فأجابنى بالحرف الواحد قائلًا: كل واحد حر يربي أبناءه بالطريقة التي يراها. ولا أظنى نجحت في تغيير معتقداته، عندما شرحت له أن المواطنين ليسوا أبناء قصر لوالد مهيمن، وأن الأبناء يتمردون أحيانًا على والدهم إذا كان متسلطًا، أو كان يحرمهم من “حقوق” يتمتع بها أبناء الجيران.

السؤال الواجب البحث عن إجابة له فورًا هو: ما ذلك الشىء في بنية السلطة المصرية، وفي ثقافة المجتمع المصري الذي لا يزال يُبقي على تلك الروح المملوكية لدى الشرطة؟

جُندي الجعافرة

في قرية شبرا زنجي، مركز الباجور منوفية، والقرى المحيطة بها، ومنها قريتي، مَثلٌ سائر عن جندي الجعافرة الذي لا يتجبر إلا على أهله، وأصل الحكاية أن عائلة جعفر في تلك القرية كانت مستضعفة، فاختاروا أحد شبانهم لإلحاقه بشرطة الخديو حتى يهابهم الآخرون، وفي أول إجازة لهذا الشاب من الجندية، حل موعد بذار البرسيم، فما كان منه إلا أن سأل إخوته وأبناء عمومته (الجعافرة): ما هذه الحبة الظعيفة التي ترمونها في الأرض؟ وبعد أن أفاق بعضهم من دهشته من السؤال.. رد أحدهم عليه مستنكرًا: هل نسيت يا فلان أنك كنت في العام الماضي تبذر البرسيم معنا هنا!، اعتبر الجندي أن هذه إهانة، إذ كيف يجرؤ فلاح على السخرية منه، وكيف يذكره بأنه هو أيضًا فلاح ابن فلاح؛ فامتشق كرباجه، وانهال على إخوته وأبناء العمومة ضربًا، وصارت الحكاية مثلًا، يتردد حتى الآن.

هنا ترسب في وجدان ووعي جندي الجعافرة أنه لا يكون جنديًا، إلا إذا فعل كل ما يفعله الجنود السابقون عليه من تعال وغطرسة وقمع، لدرجة أنه قال “الحبة الظعيفة”، كما كان ينطقها الأتراك، ولم يقل الحبة الضعيفة مثلما ينطقها المصريون.

إنها عقدة تقمص شخصية السيد الأصلي.

في مقال سابق في «مدى مصر»، وكان بعنوان “الشرطة في مجتمع مصمم على رفض المساءلة”،قلنا: إن جميع فئات ومؤسسات المجتمع والدولة في مصر تتصرف بمنطق القبيلة، أو بمنطق ما قبل دولة القانون، فتحمي المنتسبين إليها ظالمين أو مظلومين.

وضربنا في ذلك المقال أمثلة بنقابات الأطباء والمحامين والصحفيين وأساتذة الجامعات.. إلخ. ولمن شاء من القراء أن يستزيد في هذه النقطة أن يرجع إلى ذلك المقال مشكورًا.

السبب السياسي

أما اليوم، فنخصص ما بقي من سطور مقالنا هذا للخلل الكامن في بنية السلطة السياسية المصرية، والذي يُمَكن لتلك الروح الشريرة من جسد الشرطة.

باختصار، كلما كانت السلطة في مصر تقترب من معنى وتطبيقات دولة المواطنة والقانون، كانت أزمة الشرطة المصرية تخف حدتها، وتتحسن علاقتها بالمجتمع، وكلما ابتعدت السلطة في مصر عن تلك التطبىيقات وذلك المعنى، كانت أزمة الشرطة تحتدم، وتتدهور علاقتها بالمجتمع، بل وبمؤسسات أخرى في الدولة، مثلما تكرر مؤخرًا بين الشرطة والقضاء، وبين الشرطة والجيش، أى أن الشرطة هنا ليست جانية فقط، ولكنها مجنى عليها أيضًا.

لنأخذ أمثلة:

كانت أول أزمة كبيرة وقعت فيها الشرطة المصرية بعد قيام الحكم الدستورى، هي ما يعرف بـ “حادثة البدارى” سنة 1930، حين أراد إسماعيل صدقي باشا- رئيس حكومة الانقلاب الدستوري- تزوير الانتخابات لمنع فوز الوفديين والأحرار الدستوريين؛ فارتكب مأمور قسم البدارى- وقتها- كل الجرائم والموبقات ضد الناخبين المحتملين لخصوم صدقي باشا، “بما في ذلك إدخال العصا في أدبار المعتقلين”، وهو ما وصفه حكم لمحكمة النقض في القضية، بأنه دليل على أن عهد صدقي كله إجرام في إجرام، وكان يرأس محكمة النقض- آنذاك- عبد العزيز فهمي باشا.

بالطبع، عندما تستخدم السلطة السياسية الشرطة في قمع خصومها دون سند قانوني؛ فهذا يؤدي تلقائيًا إلى اعتياد المؤسسة الشرطية على إهدار القانون، ويتوسع هذا التقليد ليشمل القضايا الجنائية، والنزاعات المدنية.. إلخ، ومن ثم يجد أصحاب النفوذ والثروة في الشرطة، عونًا لهم على الفئات الأضعف في المجتمع، حتى لو كان هؤلاء الضعاف هم أصحاب الحق، وهم من يجب أن يساندهم القانون.

ولأن الأكثرية الكاثرة من سنوات القرن العشرين، وما مر حتى الآن من سنوات القرن الحادى والعشرين، كانت السلطة السياسية فيها متباعدة بدرجات تتسع كثيرًا، وتضيق قليلًا عن مفهوم دولة المواطنة والقانون؛ فقد اكتسبت وزارة الداخلية، ومن ثم هيئة الشرطة أهمية قصوى في بنية السلطة، ففي كل حكومات الأقلية في العهد الملكي كان رئيس الحكومة يتولى الداخلية بنفسه، أو يسندها إلى أقوى رجل بعده، وأوثق رجل عنده، بل إن حكومات الوفد- وهي أقرب الحكومات للديموقراطية-، كانت تسند الداخلية إلى أقوى رجل في الحزب بعد زعيمه “فؤاد سراج الدين مثلاً”، ولم يكن ذلك من أجل القمع في الحالة الوفدية، ولكنه كان لكبح النفوذ السيئ للقصر الملكي وزعماء الأقليات على هيئة الشرطة.

وفي العصر الناصري، وبعد فترة قصيرة من تولي رجل قانون- هو سليمان حافظ باشا- وزارة الداخلية، تولاها جمال عبدالناصر بنفسه، ثم أسندها فيما بعد إلى عضو قوي وصارم في مجلس قيادة الثورة هو زكريا محيي الدين، “علمًا بأن سليمان حافظ نفسه كان عضوًا في الحزب الوطني القديم، وهو حزب أقلية، وكان يُكن كراهية وعداء شديدين لحزب “الوفد” ممثل الغالبية الشعبية”.

وعلى الرغم من أن جمال عبدالناصر ظل طوال سنوات حكمه يتمتع بتأييد شعبي كاسح؛ فإن حكمه لم يكن حكم قانون ومواطنة، لذلك استخدم الشرطة، ومعها الجيش في التنكيل إلى أقصى حد بخصومه السياسيين من اليسار واليمين على السواء.

غير أن التراث الناصري في وزارة الداخلية والشرطة لم يقتصر على ذلك، إذ سرعان ما أصبحت الوزارة نفسها ميدانًا لصراعات أجنحة نظام يوليو، فأبعد زكريا محيي الدين عنها، للحد من نفوذه، وكذلك أُبعد عن رئاسة المخابرات العامة رغم أنه هو الذي أسسها، وأسندت الوزارة إلى ضابط من المقربين إلى عبدالحكيم عامر- نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وحليف عبدالناصر الأول-، كان هذا الرجل هو عباس رضوان.

في منتصف الستينيات، كان نفوذ عبدالحكيم عامر ورجاله قد بلغ حدًّا ينذر بقلب كل التوازنات، ويهدد عبدالناصر نفسه، وللحد من ذلك النفوذ تشكل مجلس للرئاسة، لكن التجربة فشلت، فأسند عبدالناصر رئاسة الحكومة إلى زكريا محيي الدين نفسه، الذي أطاح بعباس رضوان من الداخلية، وتولاها هو بنفسه إلى جانب رئاسة الحكومة، وأناب عنه في الإشراف عليها، رجله الشرطي القوي يوسف حافظ، بدرجة نائب وزير الداخلية، ولم تنجح أيضًا هذه المحاولة، فأطيح بحكومة زكريا محيي الدين، وجيئ برجل من خارج الضباط الأحرار، وليس طرفًا في صراعات القوة، لرئاسة الحكومة هو المهندس صدقي سليمان- وزير السد العالي-، وتولى وزارة الداخلية في هذه الحكومة ضابط شرطة لأول مرة منذ قيام نظام يوليو، وكان هذا الرجل هو اللواء عبدالعظيم فهمي،الذي سرعان ما أطيح به بتدبير من عبدالحكيم عامر نفسه، حين نسب إلى المباحث الجنائية العسكرية فضل كشف مؤامرة الإخوان المسلمين، أو ما يسمى بـ”مؤامرة تنظيم كرداسة” أو “تنظيم القطبيين” لتدمير مرافق البلاد، واغتيال جمال عبدالناصر، والاستيلاء على الحكم، واتهم عبدالعظيم فهمي ووزارته بالتقصير والإهمال، لتعود وزارة الداخلية فتوضع تحت أيدي القوات المسلحة بتولي شعراوى جمعة منصب وزيرها،الذي ظل فيه حتى أطيح به في أحداث الصراع بين السادات وخصومه في مايو 1971، ومن يومها جاء كل وزراء الداخلية من سلك الشرطة نفسه، ويبدو أن السادات ومبارك كانا حريصين على عدم تبعية الداخلية مباشرة للقوات المسلحة كل لأسبابه، بما ليس هنا مجال الإفاضة فيه.

إلا أن تعاقب ضباط شرطة على منصب وزير الداخلية، لمدة أربعين سنة أسهم في تحويل الوزارة وهيئة الشرطة معها إلى جماعة شبه مغلقة ذات مصالح خاصة ترتبط برأس النظام مباشرة، وتشعر أحيانًا بأنها فوق الجميع، عدا الجيش، إن لم تكن قد تفوقت عليه من حيث الحظوة عند رأس الدولة في سنوات مبارك الأخيرة، وعند “الوريث المحتمل” صاحب أكبر نفوذ في السلطة.

جماعة مغلقة، ذات نفوذ ضخم، في نظام لا يأبه أصلًا للقانون، ومشغول بتوريث الابن، كان لابد أن يفضي كل ذلك إلى سيادة ثقافة “الريشة فوق الرأس”، ومرة أخرى؛ فإن ذلك لا يسرى على جميع الضباط، ولا على جميع الوزراء، فليس سيد فهمي الذي رفض إطلاق الرصاص على مظاهرات الطعام عام 1977، مثل النبوي إسماعيل، الذي حاصر السادات بأنباء المؤامرات عليه حتى أفقده توازنه وأفقد مصر معه أيضًا توازنها، وليس حسن أبو باشا الذي قاوم مطلب تزوير الانتخابات مثل سلفه “النبوي إسماعيل”، الذي كان يقف أمام السادات بالساعات أمام الكاميرات ليتلو عليه نتائج الانتخابات والاستفتاءات المزورة، وليس أحمد رشدي الذي أراد القضاء على عصابات الجريمة المنظمة وإعادة الانضباط، وتحديث الشرطة وإلزامها بالقانون، مثل زكي بدر مبتكر سياسة “الضرب في سويداء القلب”، أما حبيب العادلي؛ فقد فاق الجميع سوءًا، لكن الشاهد هنا أن سيد فهمي وأبو باشا، ورشدي لم يبقوا طويلًا في المنصب؛ لأنهم كانوا أقرب إلى روح الشرطة الحديثة في دولة قانون منهم إلى الروح الشريرة لريشة المماليك والغز وحكومات الأقليات وبالطبع كان قرار إبعادهم سياسي محض يؤشر على اختيار القيادة للطريق العكسي.

ماذا عن الأزمة الحالية؟

الشرطة التي تكافح الإرهاب مباشرة أو وقائيًا،هي الأقرب لنموذج سيد فهمي وأبو باشا وأحمد رشدي، والشرطة التي تكافح الجريمة بعد أو قبل وقوعها،هي أيضًا الأقرب لهذا النموذج، وهي ما نريده، ونسانده، ونحرص عليه.

أما الشرطة التي تتخذ من هذا الدور ذريعة للتوسع في انتهاك القانون، والتحكم في مدخلات ومخرجات العملية السياسية؛ فإنها تعيد نفسها ومجتمعها إلى دائرة الخطر، وتستحق كتبًا سوداء ليس من نقابة المحامين فحسب، ولكن- وكما رأينا- من صحف أيضًا، ومن منظمات حقوقية محلية ودولية، ومع ذلك؛ فإن هذه الكتب السوداء لن تكون نهاية المطاف، وإن ظل الصراع على روح الشرطة المصرية مجرد حرب باردة لبعض الوقت.

قد يكون تولي اللواء مجدي عبدالغفار منصب وزير الداخلية، عودة إلى نموذج حسن أبو باشا، وأحمد رشدي، وسيد فهمي، ونأمل أن لا يكون ابتعاثًا لروح النبوي إسماعيل وزكي بدر وحبيب العادلي، لكن الرهان هنا يتوقف على اختيارات السلطة العليا: دولة مواطنة وقانون، ومجال سياسي مفتوح، أم دولة الريشة والأكتاف المرصعة والكتب السوداء.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد