Define your generation here. Generation What

قراءة لمقال عبدالفتاح السيسي ٢٠٠٦: “الديمقراطية في الشرق الأوسط” – الجزء الأول

نشرت “النيويورك تايمز” منذ حوالي عام بحث/ أو ورقة بحثية كتبها الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي، حينما كان عضوًا في برنامج “الزمالة الدولية في كلية الحرب” بالولايات المتحدة الأمريكية وعميدًا بالقوات المسلحة المصرية. البحث بتاريخ ١٥ مارس ٢٠٠٦، وتحت إشراف كولونيل د. ستيفن ج. جيراس– أستاذ العلوم السلوكية في كلية الحرب، وهو كولونيل متقاعد أمضى ٢٥ عامًا من الخدمة في الجيش الأمريكي.

الحقيقة أني لم أنتبه لأهمية قراءة هذه المقالة سوى الآن. السبب الأول، أني كنت أعتقد أنها مقالة لا أهمية لها على الإطلاق. ليس تقليلًا من الكاتب، ولكني كنت أظنها واجبًا دراسيًا من ضمن الواجبات الدراسية التي يجب على أي طالب بحثي مباشرتها.. فلا تحمل آراءً أو أفكارًا على قدر ما هي واجب دراسي للحصول على درجة مرضية من أجل التخرج. ثانيًا، لم أكن أظن أن يبوح السيسي بالكثير من أفكاره في هذه الورقة. ليس عيبًا أن أعترف بخطئى؛ لأني عندما تناولت هذه المقالة مرة أخرى منذ يومين، أدركت أهميتها وأدركت أيضًا أن عبدالفتاح السيسي ٢٠٠٦، كان يدرك بشكل أو آخر أنه سيصبح من أهم الشخصيات في مصر، بل والشرق الأوسط، لذلك وبعيدًا عن معارضتي له وقناعاتي الشخصية الثورية والسياسية، أريد أن أبين للقارئ العربي أهمية هذا المقال (والذي كتب بالإنجليزية مع الأسف). تنويه: حينما كتب السيسي هذا المقال لم يكن يعد رسالة الماجستير- كما روج البعض، وإنما كان عضوًا في برنامج للزمالة بكلية الحرب الأمريكية.. وبالتالي فإن ما كتبه يحمل صبغته ورؤيته.

المقال بشكل عام ومختصر يستعرض إشكالية الديمقراطية في الشرق الأوسط من خلال رؤية ضابط مصري مسلم ذي رتبة عالية في الجيش المصري. الأسئلة التي لازمتني وأنا أقرأ المقال: هل هو من كتبها بالفعل؟ هل هي رؤيته فقط أم تعبر عن فكر المؤسسة التي ينتمي إليها؟ لماذا ترسل قواتنا المسلحة ضباطها لتلقي شهادات من كليات حرب في الولايات المتحدة و/ أو إنجلترا. فالأولى لها حاضر وتاريخ منتقد من قبل شعوب المنطقة، والثانية لها تاريخ استعماري طويل في مصر. عذرًا، أنا لست ضد التعليم في الولايات المتحدة أو إنجلترا على الإطلاق. لكن كليات الحروب بالتأكيد ليست كالجامعات العادية. هي كليات لها علاقة مباشرة بالمؤسسات العسكرية الأمريكية والإنجليزية.. بل هي صانعة فكرهم وفلسفاتهم العسكرية.

نعود للمقال.. مقال السيسي لا يركز فقط على مصر، وإنما يقوم بعرض سريع للموقف في المنطقة بالأكمل. يجب أن أنوه أن هذا المقال كُتب في ٢٠٠٦.. أي أنه في ذلك الوقت قد حصل السيسي بالفعل على درجة الماجستير من كلية القادة والأركان عام ١٩٨٧، وعلى درجة الماجستير من كلية القادة والأركان البريطانية عام ١٩٩٢، وعلى زمالة كلية الحرب العليا من أكاديمية ناصر العسكرية العليا عام ٢٠٠٣، ولقد كتب هذه المقالة وهو في طريقه للحصول على زمالة كلية الحرب العليا الأمريكية- والتي حصل عليها في ٢٠٠٦.

يبدأ العميد (في ذلك الوقت) السيسي، بمقدمة عن أهمية الدين كجزء أساسي من الشخصية العربية والشرق أوسطية. فهو بالتأكيد يبني أطروحته بشكل أساسي على “الدين والديمقراطية”. فهو يرى أن قيام ديمقراطية في الشرق الأوسط تبعًا لنموذج غربي هي مهمة أشبه بالمستحيلة؛ لأن عنصر الدين- تحديدًا الإسلامي- يضع تحديات كثيرة أمام هذا المشروع. هو يرى أن للدين- تحديدًا الإسلامي- دورًا أساسيًا في الربط بين فئات الشعب “معتدل” التدين ويبتعد به عن العصبيات والتعصب. وبمنتهى الوضوح، هو يرى أن الديمقراطية الشرق أوسطية يجب أن تكون إسلامية معتدلة. كما يشير في مقدمته أيضًا إلى أن الشرق الأوسط به ثروات- بالذات في مجال الطاقة- وخطوط تجارة عدة، مما يجعل المنطقة محط اهتمام دائم خاصة للعالم الغربي ومصالحه.

صدّق أو لا تُصدق

بعد هذه المقدمة يستعرض السيسي أهم مشكلات العملية الديمقراطية في الشرق الأوسط من وجهة نظره:

١) الصراع العربي الإسرائيلي: السيسي يرى أن هذا الصراع هو محور أساسي من محاور تأخر العملية الديمقراطية في الشرق الأوسط؛ لأن القوى العالمية التي تدعو إلى الديمقراطية في الشرق الأوسط تساند إسرائيل. بالتالي هو يرى أن المواطن العادي سيكون دائمًا في حالة تشكك من الديمقراطية؛ لأن الداعي إليها هو مساند لدولة إسرائيل.

٢) (صدّق أو لا تصدق) الشرطة والجيش: في مقالته قال بوضوح إن الأجهزة الأمنية “مثل الجيش والشرطة”، توالي السلطة الحاكمة، وبالتالي لن “تحاذي” سياسات حزب حاكم منتخب. بل ويزيد أنه يرى انحياز الشرطة والجيش للدولة- بدلًا من السلطة- هو شرط أساسي لقيام أية عملية ديمقراطية حقيقية.

٣) دول المنطقة المدعومة من الغرب: السيسي بمنتهى المنطق يؤكد أن المواطن البسيط لن يصدق دعاوى الديموقراطية- يقصد من الدول الغربية- وأصحابها يساندون دولًا- وصفها بالدكتاتورية، وأنها لا تنعم باحترام كثير من المواطنين في الشرق الأوسط، مثل دول الخليج- تحديدًا السعودية- ودولة المغرب ودولة الجزائر.

٤) محاربة الإرهاب لفرض سلطة الغرب: السيسي أشار إلى التخوف من أن تكون الحروب على الإرهاب ما هي إلا مظلة لفرض رؤية غربية! وبالتالي؛ فإن هذه الحروب تشكل عائقًا للعملية الديمقراطية في العقلية الشرق أوسطية.

٥) الإعلام: “سيظل الإعلام عقبة في سبيل الحكم الديموقراطي حتى يثق به “الناس” أنه يمثل آراء متعددة غير رأي الحكومة”. ثم يستكمل… “هذا سوف يشكل تحديًا صعبًا جدًا؛ لأن من في السلطة عليهم أن يتنازلوا عن السيطرة على الإعلام- وهو ما يعد أمرًا شديد الصعوبة”. هو أيضًا يريد من الإعلام الكف عن تبني مظاهر “العلمانية”، وأن يقدم الإعلام الحياة المصرية الدينية المعتدلة التي تتناسب مع طابع الشعب المصري- من وجهة نظره.    

لم يتوقف السيسي عند الانتقاد، بل قدم رؤيته، أو الشروط الأساسية، لنجاح العملية الديمقراطية في الشرق الأوسط والتي لخصها في أربع نقاط: أولها، اقتصاد في حالة معقولة. ثانيها، شعب متعلم. ثالثها، الاعتدال والوسطية في فهم الدين. رابعها، عدم الاستعجال “هذه الأمور قد تأخذ جيلا أو جيلين”، كما ذكر في مقاله. سأتناول بعض هذه النقاط.

الرؤية الاقتصادية.. البوصلة تتجه إلى السادات ولا عزاء للناصريين:

السيسي وجه انتقادًا بشكل واضح للسياسات الاقتصادية المتبعة من قبل الدولة، والتي وصفها بالفقيرة. هذه السياسات، كما ذكر، اعتمدت على تدخل الدولة في السيطرة على السوق- والذي يرى أنه يجب أن يكون حرًا- فأدى هذا، من وجهة نظره، إلى تدهور الاقتصاد وعدم وجود الحافز للتنمية الاقتصادية. الفقر- أو ربما كان ليصفها بـ”العوز”- من عوائق الديموقراطية كما أكد في مقاله أكثر من مرة. ولذلك هو يرى أن السياسات التي اتبعها الرئيس السادات (الانفتاح) كانت خطوة أولى ولكنها لم تؤت بثمارها في عهد مبارك. المقالة بها انتقادات عدة على طريقة التلميح لعهد مبارك. لكنها لا تحمل انتقادًا لأشياء مثل الخصخصة أو سيطرة رأس المال، أكثرها موجه ضد الإدارة والفساد. السيسي أيضًا وضح أنه لا أمل في تطور اقتصادي حقيقي من دون دعم من الغرب، وبالتحديد من الولايات المتحدة الأمريكية. لذلك كتب ناصحًا أنه كان الأحرى بالولايات المتحدة أن تستثمر في نمو دولة من دول الشرق الأوسط- مثل مصر- على أن تشن حربًا على العراق. بشكل عام، السيسي ٢٠٠٦ من دعاة السوق الحر والسياسات النيوليبرالية. فهو يرى بشكل صريح أن السوق الحر، هو الحجر الأساسي للتقدم والخطوة الرئيسة في مسيرة الديمقراطية. وهو يربط كل هذا بالتعليم. التعليم من وجهة نظره يخدم متطلبات السوق والاقتصاد. فلقد كتب بوضوح أن الاستثمار في التعليم يجب أن يكون مرتبطًا بالاستثمار في الاقتصاد. ولذلك كتب ناصحًا مرة أخرى بضرورة الاستثمار في التعليم من قبل الدول الغربية. كي تحظى المنطقة بالديمقراطية، يجب أن يكون الشعب متعلمًا. لا أدري هل هذا عن قناعة؟ أم عن عدم دراية بديمقراطية كالهند، والتي تعد أكبر ديمقراطية في العالم، بالرغم من أنها تعاني الفقر والأمية. أو تاريخ الديمقراطيات في الدول الغربية نفسها والتي كتب عنها الأستاذ عبد العظيم حماد في مقاله تفنيد خرافة: لا ديموقراطية لرعايا فرعون.

على كل حال..

الإرهـاب وطبـائع الاسـتبداد

هنا تعجبت. هل السيسي فعلًا كتب هذه الجملة؟

“الزعماء الدينيون الذين يتخطون الحدود التي رسمتها الحكومة يُلقون، أحيانًا، في السجون دون أية محاكمة (…)؛ فعندما تستخدم الحكومة القوة المفرطة “أو تصبح الحكومة قوية بإفراط- غير واضح كلامه” المظلوم – أو المقهور- قد يضطر إلى إستخدام الأعمال الإرهابية”.. صدق!!

إنه يدرك- أو في مرحلة ما كان يدرك- أن العنف والإفراط في استخدام القوة يؤدي إلى المزيد من العنف والدماء. إنه يدرك- أو في مرحلة ما كان يدرك- أن المظلوم المقهور يلجأ إلى الأعمال الإرهابية. هل هذه الرؤية ما زالت حاضرة في وجدانه؟ هل قرأ مؤخرًا هذه السطور من مقاله؟ لأن معركة مصر مع الإرهاب في زيادة لا نقصان.

في الجزء الثاني، سوف أركز على بعض الأمور التحليلية، وأيضًا بعض النقاط والأسماء التي تعجبت من أن تكون في مقال بحثي لعبدالفتاح السيسي.

اعلان
 
 
أحمد أبو حسين