Define your generation here. Generation What
في الجامعات الخاصة.. انتفاضة بعيدًا عن السياسة
 
 

“مش هنمشي.. هي تمشي”.. هكذا هتف المئات من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والعاملين بالجامعة الأمريكية” في القاهرة، وهم يصبون جام غضبهم على رئيسة الجامعة ليسا أندرسون الشهر الماضي. بعد هذه التظاهرة بأيام، صوت 2500 من هؤلاء ضد بقاء أندرسون وأعضاء إدارة الجامعة الحالية في مناصبهم من خلال استفتاء نظمه اتحاد الطلبة.

يشتكي أعضاء مجتمع كبرى الجامعات الخاصة في مصر، إجراءات تقشفية حادة تقول إدارة الجامعة إنها ضرورية من أجل سد عجز شديد بميزانية الجامعة منذ عام 2011. في اجتماعات عدة مع إدارة الجامعة اشتكى الطلاب والأساتذة والعاملون تقليص الرواتب، وارتفاع مصاريف الدراسة الجامعية، وفصل قرابة الـ 20% من الموظفين بالجامعة، وبيع جزء من أملاك الجامعة، وتقليص الامتيازات المالية لعمال الجامعة، وإلغاء منح التفوق للطلاب.

يشكو ممثلو اتحاد الطلبة أنه تم اتخاذ معظم هذه القرارات بشكل تعسفي من قبل إدارة الجامعة من دون استشارة الطلاب والمعنيين الأساسيين بهذه الإجراءات.

مع اعتصام طلاب الجامعة “الألمانية”، بعد مقتل الطالبة يارا نجم، بعد أن صدمتها إحدى حافلات الجامعة، يبدو أن حركة طلابية أصبحت في طور التكوين داخل الجامعات الخاصة تدور حول مشكلات مؤسسية متجذرة في طرق إدارة الجامعات الخاصة. وتختلف هذه الحركة عن مثيلتها في الجامعات الحكومية المسيسة في المقام الأول، والتي حولت الجامعات الحكومية إلى ساحة معركة مع النظام الحاكم تاركة وراءها 15 قتيلًا من الطلاب، والمئات من الطلاب المصابين والمعتقلين والمفصولين.

معركة محاسبة ومراقبة الإدارة بالجامعة الأمريكية

في اجتماع نظمه اتحاد الطلبة، أعلن الطلاب ما وصفوه بـ”أكاذيب إدارة الجامعة”، فيما يخص إدارة الموارد المالية للجامعة، وبخاصة في ما يتعلق بالميزانية. قال الطلاب إنهم توصلوا إلى الوثيقة رقم 990 التي تقدمها الجامعة لوزارة الخزانة الأمريكية سنويًا، والتي تشتمل على تفاصيل الميزانية، بالإضافة إلى الأرباح التي تحصل عليها الجامعة سنويًا من عوائد استثمارات وديعة الجامعة الأساسية.

طبقًا لهذه الوثيقة؛ فإن الجامعة حققت في ميزانية عام 2012 فائضًا بلغ قرابة الـ 15 مليون دولار.

قال اتحاد الطلبة، إن الوديعة التي تصل قيمتها حاليًا إلى قرابة الـ 500 مليون دولار، تتكون من دفعة مالية مقدمة من الوكالة “الأمريكية للتنمية”، واستثمارات تديرها الجامعة بالولايات المتحدة الأمريكية، وهبات تتسلمها الجامعة كمؤسسة تعليمية غير هادفة للربح. يجتمع مجلس أمناء الجامعة سنويًا ليقرر النسبة المضافة من عوائد الوديعة إلى ميزانية الجامعة، بينما يتم إعادة باقي عوائد الوديعة إلى الوديعة نفسها.

بعد الاطلاع على تفاصيل الوثيقة رقم 990؛ فإن الفائض بميزانية الجامعة ناتج عن إضافة أرباح الوديعة لعام 2012 للميزانية التي تعاني عجزًا بالفعل بشكل منفصل. طبقًا لكتيب معلومات وحقائق الجامعة الأمريكية، الذي تصدره الجامعة بشكل دوري، عانت ميزانية الجامعة عجزًا بلغ الثمانية ملايين دولار في عامي 2011 و2012، ولكن استطاعت أن تحقق ميزانية متوازنة في عامي 2013 و2014، بفضل سياسات التقشف التي انتهجتها.

بخلاف أرباح الوديعة؛ فإن مصادر الدخل الأخرى الواردة للجامعة- حسب كتيب المعلومات والحقائق، تشمل مصاريف الدراسة الجامعية، والمصروفات البحثية، وعوائد قسم تعليم الكبار ضمن مصادر دخل أخرى. يتهم الطلاب إدارة الجامعة بالتعنت في ضخ جزء أكبر من أرباح الوديعة لسد عجز الميزانية، واللجوء للإجراءات التقشفية كحل بديل.

نائب رئيس اتحاد الطلبة حسب الله الكفراوي، قال إن سبب رفض الجامعة استغلال عوائد الوديعة يعود لرغبة مجلس الأمناء زيادة قيمة الوديعة من 500 مليون دولار إلى مليار دولار، عن طريق إرجاع كل عوائد الوديعة السنوية للوديعة نفسها كل عام. انتقد الكفراوي رغبة الجامعة في تراكم الأموال على حساب سمعتها الأكاديمية والتعليمية.

خلال مظاهراتهم، نادى الطلاب بإتاحة حرية الوصول إلى المعلومات في ما يخص الموقف المالي للجامعة، كما

طالبوا وجود شفافية أكبر من قبل إدارة الجامعة، والمشاركة في صنع القرار في كل ما يخص شئون الطلاب ومصالحهم المباشرة كفاعلين أساسيين في العملية التعليمية. ينادي الطلبة بأن يتم تفعيل هذه المطالب من خلال تكوين لجنة مشتركة من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والموظفين والعمال، يكون من بين وظائفها الاطلاع على الموقف المالي للجامعة والتدخل في عملية صنع القرار حال كان القرار مؤثرًا في باقي مجتمع الجامعة.

يقول الكفراوي مخاطبًا الطلاب المتظاهرين: “طالما قيل لنا أثناء اجتماعاتنا (مع الإدارة) لنطالب بأي شيء، إننا يمكننا الرحيل إذا لم تعجبنا الجامعة. أنا آسف لكني صاحب مصلحة وشريك أساسي هنا، أنا أبقى، أنا أتخذ القرارات؛ لأن هذه القرارات تؤثر فيّ أنا. إذا كنتم لا تحبون إدارتنا، فلترحلوا أنتم”، يتجاوب معه الطلاب بعاصفة من التصفيق مرددين هتافات: “مش هنمشي.. هي تمشي”، التي رددها ملايين من المصريين منذ أربعة أعوام مضت مطالبين برحيل الرئيس الأسبق حسني مبارك.

سار المئات من الطلاب الغاضبين بعد ذلك إلى مبنى الإدارة، وشهدت الجامعة بعد ذلك إضرابًا جزئيًا، امتنع خلاله الطلاب عن دفع تذاكر ركن السيارات أو تذاكر حافلة الجامعة، بتعاون واضح مع العمال.

يعود الدافع الأكبر لمساندة العمال للطلبة في تحركاتهم، كونهم الشريحة الأكثر تضررًا من الإجراءات التقشفية التي طبقتها إدارة الجامعة، طبقًا لما يرويه أحد عمال قسم الصيانة، الذي فضل عدم ذكر اسمه، خوفًا من ضياع وظيفته. يقول العامل لـ«مدى مصر»، إنه قضى ثمانية أعوام من العمل في الجامعة بعقد مؤقت يتم تجديده سنويًا.

ويضيف: “تحت حجة عجز الميزانية، الجامعة بتقلل رواتبنا وامتيازاتنا بقالنا أربع سنين. فكرت أسافر أشتغل في السعودية ولّا في أي حتة تاني في الخليج، بس لما فكرت في مصاريف الفيزا وتذكرة السفر لقيت إن ده مستحيل. إدارة الجامعة بتقتل أحلامنا جوه الجامعة وبراها”.

في رد على الاستفتاء الذي أجراه اتحاد الطلبة، أكدت إدارة الجامعة في بيان أرسلته عبر البريد الإليكتروني، أن الاستفتاء ليس له أي سند قانوني ولا يضع أي إلزامات قانونية على عاتق الإدارة، إلا أنها أكدت احترامها لمبادئ حرية التعبير، مضيفة حرصها على فتح قنوات متعددة للاتصال مع مختلف قطاعات الجامعة.

بيان إدارة الجامعة أضاف: “نظم اتحاد الطلبة الاستفتاء اعتراضًا على اتهامات بأن عجز الميزانية منذ عام 2011 لم يكن حقيقيًا، هذه الادعاءات سببها سوء فهم الفرق بين ميزانية الجامعة وسجلات الجامعة الضريبية العامة المتاحة أصلًا على شبكة الإنترنت. استطاعت الجامعة حاليًا أن تحقق توازنًا في الميزانية، مما يسمح بزيادة نسبية في الرواتب بدءًا من يوليو 2015”.

طبقًا لبيان توضيحي نشرته الجامعة؛ فإن الميزانية هي حاصل المقارنة بين الواردات والمصروفات، بينما تعبر سجلات الجامعة الضريبية عن الميزانية بالإضافة إلى عوائد الوديعة السنوية: “الوثيقة تقول إنه توجد عوائد استثمارية، العجز لا يتم تقريره من خلال العوائد الاستثمارية أو الممتلكات، بل من خلال الواردات والمصروفات السنوية”.

أنكرت إدارة الجامعة أيضًا مزاعم أن مجلس الأمناء يطمح إلى زيادة قيمة الوديعة من 500 مليون دولار إلى مليار دولار، مضيفة: “كأولوية قصوى: تهدف الجامعة في المقام الأول لمعالجة العجز في الميزانية وأسبابه، الحصول على مصادر تمويل للوديعة ستساعد في زيادة قيمة الوديعة، وكلما زادت قيمة الوديعة كلما زادت قدرتنا على سد العجز”.

“الألمانية” أيضًا تنتفض

جاءت مظاهرات طلاب الجامعة “الأمريكية” في أعقاب حركة طلابية قوية داخل الجامعة “الألمانية” بعد مصرع الطالبة يارا نجم التي دهستها حافلة الجامعة. قرر طلبة الجامعة مقاطعة الامتحانات الدورية لمدة ثلاثة أيام عقب الحادث في محاولة للضغط على إدارة الجامعة من أجل تحسين البنية التحتية التي يقول الطلاب إنها تدهورت كثيرًا مع توافد أعداد أكبر من الطلاب في السنوات القليلة الماضية. نادى الطلبة أيضًا بمحاسبة المسئولين عن الإهمال المصاحب لعملية التعامل مع الأزمات، وإصلاح وتطوير أماكن انتظار الحافلات، وتركيب كاميرات في المواقف وأجهزة استشعار عن بُعد وأصوات تنبيه عند الرجوع للخلف. بالإضافة إلى وجود عربات الإسعاف في أماكن مختلفة حول الحرم الجامعي، ومطالبات أخرى بتشديد إجراءات الأمن والسلامة.

كنتيجة لهذا الاعتصام، وافقت إدارة الجامعة على مقابلة ممثلي الطلاب والسماع لشكواهم ووعدت بتحسين البنية التحتية وتطويرها، ما دفع اتحاد الطلبة لإعلان إنهاء الاعتصام بعد الاجتماع.

ممثلو الطلاب من جامعات أخرى خاصة وحكومية توافدوا وقتها على الاعتصام لإعلان تضامنهم مع مطالبه، مما رفع الآمال في تكوين حركة طلابية واسعة داعمة لمطالبات طلاب الجامعات الخاصة. لكن الحركة الطلابية الكبيرة داخل الجامعات الخاصة لم تكن أبدًا وليدة الصراعات الحالية. فبينما كانت الحركة الطلابية في الجامعات الحكومية مرتبطة بالصراع السياسي الدائر خارج أسوار الجامعة، تتمحور الحركة الطلابية بالجامعات الخاصة حول جدوى وجودة التعليم الذي يتم دفع الآلاف من الجنيهات سنويًا من أجله.

الطالب بجامعة “مصر الدولية” محمود هيثم، يرى أن الطلاب في الجامعات الخاصة أداة في يد مُلاك الجامعات لجعل عجلة “البيزنس” دائرة، ويضيف: “إدارات الجامعات تظن أننا أطفال ليس من حقنا أن نتحدث في شئون ومشكلات جامعاتنا. دومًا ما يقال لنا أن نترك الجامعة إن كانت لا تعجبنا الأوضاع داخلها”.

يرى هيثم، أنه لا يوجد توازن بين “البيزنس” والتعليم، “البيزنس بيكسب دايمًا”- على حد قوله.

في 2012، تظاهر طلاب جامعة “مصر الدولية”، عقب مصرع زميلهم أنطوان سامح، بعد أن صدمته سيارة مسرعة أثناء عبوره الطريق المقابل للجامعة. نادى الطلاب ببناء كوبري مشاة لتفادي وقوع مثل هذه الحوادث، بعد اعتصامات وتظاهرات دامت لسنة كاملة ورفض من إدارة الجامعة، تم بناء الكوبري.

آمال أبو ستة، طالبة الدكتوراه في بحوث التعليم بجامعة “لانكاستر” في إنجلترا، قالت لـ«مدى مصر»: “إن الغضب الحادث داخل الجامعات الخاصة نتيجة طبيعية لجعل التعليم سلعة تباع وتشترى وليس حقًا”، مضيفة: “تم تحويل التعليم إلى سلعة، وموفر هذه السلعة يقدمها بالشكل الذي يريد”.

طلاب الجامعات الحكومية يتضامنون.. ويحلمون بواقع أفضل

بينما تنشأ حركة طلابية داخل الجامعات الخاصة تختلف في مضمونها عن الجامعات الحكومية، إلا أنها غير منفصلة عنها.

رئيس اتحاد طلبة كلية “الاقتصاد والعلوم السياسية” بجامعة القاهرة، أحمد خلف، يروي لـ«مدى مصر» أنه شعر بالفرحة وهو يرى أصدقاءه القدامى في الجامعات الخاصة أثناء حضوره للتضامن مع طلاب “الألمانية”.

يرى خلف، أن الحراك الطلابي الحالي في الجامعات الخاصة يناقض واقعًا راكدًا ومقيدًا للحركة الطلابية والحريات الأكاديمية في الجامعات الحكومية، نتج عن صراع دام في 2013 مع أجهزة الدولة وفي مقدمتها الشرطة عقب الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي. يقول خلف إن الأجيال الجديدة من الطلبة لم يروا أي نوع من حراك طلابي قوي منذ دخولهم الجامعة، وهذا ما يجعل الحركة الطلابية الحالية في الجامعات الخاصة مهمة جدًا لكي تكون المثال الحي للثورة أمام أعين الأجيال الطلابية الجديدة.

يضيف: “الطلاب الجدد لم يروا بأعينهم، لقد شاهدوا فقط الدم، وعاصروا القمع وهو ينجح في وأد الحراك الطلابي. الحركة الطلابية في “الألمانية” و”الأمريكية” مثال للطلبة الجدد ليدركوا أن الجامعة ليست فقط مكانًا للحصول على شهادة جامعية، ولكنها مكان للتعلم واكتشاف الذات والنمو الفكري، إنها فرصة ليدركوا أن الجامعة هي المكان الأمثل للتعبير عن طموحاتهم وأحلامهم”.

يؤكد خلف، أن التركيز على الفشل المؤسسي داخل الجامعات الخاصة يساعد الحراك الطلابي هناك على الازدهار، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي الحادث في الجامعات الحكومية، شارحًا: “لا توجد حركة طلابية قوية منتمية لجماعة الإخوان المسلمين داخل الجامعات الخاصة لترعب الدولة، لا توجد شرطة، لا يوجد لديهم ما يخيفهم”.

اعلان
 
 
مي شمس الدين