Define your generation here. Generation What

المنسيون في الأعياد – الجزء الثاني

في الجزء الأول من “المنسيون في الأعياد” تحدثنا عن زميلنا محمد زكي، القيادي العمالي المفصول من شركة “بتروتريد”، والذي ما زال معتقلاً حتى الآن.

واليوم أكتب عن وجه آخر مشرق رغم آلام المرض، ومرارة الظلم والفصل، وهي من سماها زملاؤها من العاملات والعمال بـ”أم العمال”، إنها عائشة أبو صمادة، العاملة والنقابية المفصولة من شركة “الحناوي للمعسل” بدمنهور- يعمل بالشركة ما لا يقل عن 40% من النساء. عائشة أبو صمادة، هي المرأة الريفية التي لم تتزوج، وعلى الرغم من هذا كانت ولا تزال مسئولة عن أسرتها الممثلة في إخوتها- أحدهم من ذوي الإعاقة- الذين أنفقت عليهم في التعليم الذي حرمت منه، ثم عملت على تجهيز أخواتها البنات لكي يتزوجن، والآن أصبحت بعد موت زوجة أخيها هي المسئولة عن أبنائه.

عائشة أبو صمادة

عائشة أبو صمادة

عائشة أبو صمادة لم يمنعها كونها امرأة وغير متزوجة في الريف من ممارسة العمل النقابي، والدفاع عن حقوقها وحقوق زملائها وزميلاتها.

فقد بدأت عائشة أبو صمادة مشوارها في النضال من أجل الحقوق وحدها في عام 1995، بعد أن رفض زملاؤها وزميلاتها مشاركتها في الشكوى ضد صاحب الشركة الذي يجعلهم يعملون من السابعة والنصف صباحًا وحتى الحادية عشرة ليلًا في الكثير من الأوقات، دون أي بدل عن ساعات العمل الإضافية. وعندما سألت عائشة زملاءها: هل سيقدمون الشكوى معها؟ قالوا لها: “إحنا عاوزين ناكل عيش”، لتقرر عائشة التقدم بالشكوى وحدها.

 وكانت النتيجة أن التزم صاحب الشركة بساعات العمل القانونية فأصبح العمال والعاملات يعملون حتى الثالثة فقط، مع نقل عائشة بعيدًا عن العمال في مخزن خارج الشركة لا يعمل به النساء، حتى عام 2003.

ومنذ عام 2003، بدأت مشكلة جديدة وتعد جديد على حقوق عمال الشركة؛ فقد رفض صاحب الشركة أن يحتسب العلاوات للعمال والعاملات، ويضمها على المرتب الأساسي، لذا بدأت عائشة مرحلة جديدة من الشكاوى من أجل العلاوات، فنقلت على إثرها من دمنهور لكفر الدوار، وظلت عائشة تسافر يوميًا مسافة 75 كيلو مع محاولات حرمانها من بدل الانتقال لتعجيزها، إلى أن أتت انتخابات النقابة في عام 2006، وكانت عائشة ضمن من نجحوا بالتزكية بعد استبعاد عدد من زملائها.

ومن عام 2007، بدأت مرحلة جديدة من نضال عمال “الحناوي للمعسل” بدمنهور، عندما اكتشف العمال أن النقابة بالاتفاق مع وزارة القوى العاملة ممثلة في ناهد العشري، مدير إدارة المفاوضة الجماعية وقتها (وزيرة القوى العاملة حاليًا)، قد اتفقا مع صاحب العمل ووقعوا اتفاقية عمل جماعية تنتقص من حقوق العمال. وهو ما رفضه العمال، وذهبوا مع عائشة للوقوف أمام وزارة القوى العاملة والهجرة، مطالبين بإلغاء الاتفاقية، وكذلك مطالبين بسحب الثقة من النقابة.

فكان نصيب عائشة هذه المرة الفصل من العمل في شهر أغسطس 2007، بعد أن قامت النقابة العامة للصناعات الغذائية بتجميد عضويتها من النقابة لتسهل على صاحب العمل فصلها دون حماية نقابية.

وظلت عائشة مفصولة من العمل، ولكنها كانت تدخل الشركة التي فصلتها للتفاوض مع إدارتها على مطالب وحقوق زملائها وزميلاتها، وقضية فصلها يتم تداولها في المحكمة لما يقرب من سنتين. إلى أن تم فصل 33 عاملة دفعة واحدة، ووقفت عائشة مع زميلاتها، تبحث لهن عن المحامين، والعون والتضامن، حتى اكتشف المحامون أنه قد تم تزوير توقيعهن في الاستقالة التي أرسلتها إدارة الشركة  للتأمينات، مما كان سيعرض صاحب الشركة نفسه للحبس، لذا تراجع عن قرار الفصل للعاملات، وعادت العاملات ومعهن عائشة هذه المرة لعملها حتى قبل صدور حكم عودتها للعمل من المحكمة.

عائشة مع زميلاتها في أحد الاعتصامات داخل اتحاد العمال

عائشة مع زميلاتها في أحد الاعتصامات داخل اتحاد العمال

وعاودت إدارة الشركة فصل عائشة أبو صمادة من العمل مرة ثانية يوم 28-12-2011، وذلك بعد تدخلها لدى الإدارة بعد فصلهم لزميلها أحمد زين، ومطالبتها لهم بإلغاء قرار الفصل.

من وقتها وعائشة أبو صمادة بلا عمل، وبرغم كونها قد حصلت منذ عامين على حكم ابتدائي- بالعودة للعمل، وصرف مستحقاتها في الأجور-، وحكم آخر نهائيًا في يناير 2015، إلا أن صاحب الشركة يرفض التنفيذ، وإمعانًا في الانتقام منها فهو يحرمها وهي مريضة بالانزلاق الغضروفي من حق العلاج في التأمين الصحي، لكونه يرفض إعطائها خطاب تتوجه به للتأمين الصحي، الذي يرفض علاجها دون هذا الخطاب، لتقع عائشة بذلك بين البيروقراطية الحكومية والقرارات والقوانين الظالمة من جهة، وصاحب العمل الذي يتشفى فيها؛ لأنها كانت السبب في الكثير من الحقوق التي أخذها العمال منه.

وبرغم ما تعرضت له عائشة من ظلم، بالحرمان من العمل والأجر، ممزوج بالحرمان من حق العلاج؛ فإن عائشة لم تتوقف يومًا عن السعي لمساعدة زميلاتها وزملائها العمال سواء في شركتها، أو في الهيئات والشركات المجاورة لها.

فعادة ما كنت أرى رقم عائشة على تليفوني، لكي تذكرني وتوصيني بأن العمال المفصولين من حملة “مش هنخاف” (التي استطاعت بالضغط أن تنتزع من اتحاد العمال الأصفر أجر تعويضي للعمال المفصولين شهريًا قدرة 500 جنيه)، سوف يأتون للاتحاد للقبض اليوم[1]، وعلينا مساعدتهم حتى ينجحوا في الضغط على رئيس الاتحاد ويأخذوا قبضهم.

ومرة ثانية تكلمني لتخبرني بأن عاملات وعمال التشجير التابعين لوزارة الزراعة سوف يأتون للتظاهر والاعتصام للمطالبة بالتثبيت، وثالثة من أجل عمال توزيع الخبز.

حتى عندما يكون لدى أحد زملائها أو جيرانها مشكلة في العلاج أو أي شيء، تجد عائشة أبو صمادة تتوجه إلى كل من تعرفه لتسأله إن كان يستطيع مساعدته في حل مشكلته.

تَحِيّة لـ “عائشة أبو صمادة”.. الإنسانة والعاملة والنقابية والمناضلة.

اعلان
 
 
فاطمة رمضان