Define your generation here. Generation What
الدائرة المغلقة لعنف الدولة.. المطرية نموذجًا
 
 

جاء اغتيال العقيد وائل طاحون، رئيس مباحث المطرية السابق، ليعيد ذكرى أحداث العنف التي وقعت في ذلك الحي بشرق القاهرة إلى دائرة النقاش، ومعها نقاش أوسع حول نتائج العنف الذي تمارسه الدولة.

كان طاحون قد لقي مصرعه يوم الثلاثاء الماضي هو وسائقه (مجند) بالقرب من منزله، بعد أن أطلق ملثمون النيران بكثافة على سيارته.

طاحون هو أول ضابط يعمل في قسم شرطة يتم استهدافه وتصفيته بهذا الشكل، وهو ما اعتبره الكثيرون تصعيدًا نوعيًا خطيرًا ضد الشرطة، والتي تم استهداف أفرادها بشكل منتظم منذ عام 2013.

في يونيو 2013، تم اغتيال النقيب محمد أبو شقرة، الضابط في قطاع الأمن الوطني، في حين تم اغتيال زميله في القطاع، المقدم محمد مبروك في يونيو من العام نفسه، بالإضافة إلى اللواء محمد السعيد – مدير المكتب الفني لوزير الداخلية – والذي قُتل أمام منزله بالهرم في يناير 2014. وفي أبريل من العام السابق أيضًا اغتيل العميد أحمد زكي من قطاع الأمن المركزي بعد تفجير سيارته.

كان معروفًا أن للعقيد طاحون تاريخ طويل من العداء مع سكان المطرية، والذين يتهمونه بالتورط بشكل مستمر في تعذيب النشطاء السياسيين، وحتى تعذيب المتهمين بأنشطة إجرامية. كما اتهموه أيضًا بقتل العشرات من المتظاهرين إبّان ثورة 25 يناير. وتشير التقديرات المحلية إلى أن نحو 500 شخص قتلوا في المطرية جراء العنف الذي تمارسه الشرطة خلال الأربع سنوات الماضية، وهو ما رسّخ العداء تجاه الشرطة في الحي.

كما يعتقد المراقبون أن اغتيال طاحون يشكل بداية لدائرة قد لا تنتهي من العنف بين سكان المطرية وبين الشرطة، والتي تتجاوز في طبيعتها المواجهات المعتادة بين الدولة والمجموعات الإرهابية.

الصحفي عبد الرحمن حسن- والذي يسكن في المطرية أيضًا- أخبر «مدى مصر» عن الانتشار المكثف لقوات الشرطة في أرجاء الحي. وقال مفسرًا: “لن أبالغ إذا قلت أن المطرية محاصرة بقوات الأمن. كل الأشخاص يُطلب منهم إبراز بطاقاتهم الشخصية لضباط الشرطة والمخبرين”.

ورغم أن حسن يعارض عمومًا ممارسة أعمال عنف وإرهاب ضد مؤسسات الدولة، إلا أنه يؤمن أن طاحون كان “حالة خاصة”، بكل تاريخه وعداءه مع السكان.

يتفق عبدالرحمن جاد، الباحث بالمفوضية المصرية للحقوق والحريات، وأحد سكان المطرية أيضًا، مع حسن، ويضيف أن طاحون “كان لديه العديد من الأعداء لدرجة أنه يصعب تحديد من قام بعملية اغتياله”.

يوضح جاد: “منفذو عملية الاغتيال من المطرية على الأرجح. لكننا مع هذا لن نستطيع أن نتأكد ما إذا كان قتله له دوافع سياسية. حتى أصحاب السوابق الجنائية كانوا يسعون للانتقام منه. لم يميز التعذيب داخل قسم شرطة المطرية بين الجنائيين والنشطاء السياسيين”.

كانت مجموعة تطلق على نفسها “كتيبة الإعدام” قد أعلنت، يوم الأربعاء الماضي، مسئوليتها عن قتل طاحون، وأضافت المجموعة أن العملية تم تنفيذها انتقامًا لقتل المحامي كريم حمدي، والذي تم تعذيبه حتى الموت داخل قسم المطرية في شهر فبراير الماضي.

وفي بيان نشرته عبر صفحتها على موقع فيسبوك، قالت المجموعة أنها “تعلن عن بدء سلسلة عمليات ثأرية موسعة ضد ضباط وأمناء شرطة كامب ديفيد الذين تورطوا في قتل وتعذيب الثوار ثأراً لأرواح شهداء الثورة منذ 25 يناير وحتى الآن، وتؤكد أن الهالك وائل طاحون لم يكن الأول ولن يكون الأخير”، كما أضافت أنها أعدت قائمة بأسماء الضباط المتورطين في أعمال عنف وتعذيب لتنفيذ عمليات اغتيال قادمة.

علي الرجّال، الباحث في الشئون الأمنية، يوضح لـ«مدى مصر» أنه من المبكر جدًا الحكم على طبيعة هؤلاء المسؤولين عن قتل طاحون، لكنه أضاف أن اغتياله يعد تصعيدًا خطيرًا في طبيعة المواجهة بين السكان وضباط الشرطة.

يضيف الرجّال أيضًا أن ضباط قسم الشرطة هم المسؤولين عن التعامل المباشر مع المواطنين، وأنه في المطرية تحديدًا فإن ضابطًا كطاحون لديه العديد من العلاقات المعقدة مع العديد من الأطراف. كما أوضح أن “أشخاص كطاحون يتعاملون مع تجار مخدرات، وأعمال غير قانونية، ومهربين، وبلطجية، بالإضافة إلى نشطاء سياسيين سواء كانوا متورطين مع الإخوان أو غيرهم من التيارات المدنية. دائرة الإشتباه هنا واسعة للغاية”.

 

• اشتباكات المطرية تؤدي إلى أزمة أكبر:

منذ اندلاع الإشتباكات العنيفة بين المتظاهرين في المطرية وبين الشرطة، أدت العديد من التطورات إلى ازدياد التوتر. على سبيل المثال، جاء موت المحامي كريم حمدي ليشعل موجة من الغضب وسط المحامين والنشطاء الحقوقيين. كانت النيابة قد أحالت ضابطين من قطاع الأمن الوطني لمحكمة الجنايات بتهمة تعذيب حمدي حتى الموت، قبل أن يصدر النائب العام هشام بركات قراراً بحظر النشر في القضية.

وتظاهرت مجموعة من المحامين الحقوقيين احتجاجًا على قرار حظر النشر وغياب الشفافية في التحقيقات، حيث تم منعهم من حضور التحقيقات مع ضابطي الشرطة المتورطين في القضية. وفي ليلة الأربعاء، تم استدعاء المحامي محمد الباقر للتحقيق معه ومجموعة من زملاءه على ضوء تظاهرهم في شهر مارس.

قال الباقر على صفحته على فيسبوك: “نحن متهمون بالتظاهر بدون ترخيص، والهتافات العدائية ضد مؤسسات الدولة، وتعطيل العمل، وتهديد الأمن العام. كان هذا في اليوم الذي قدمنا فيه طلبًا للنائب العام بعريضة لرفع حظر النشر والسماح للمحامين بحضور التحقيقات”.

ويعد استدعاء محامين قدموا طلبات مثل هذه للنائب العام، للتحقيق أمرًا غير معتاد، ويراه البعض ظاهرة خطيرة، تستكمل محاولة بعض أجهزة الدولة إبعاد الأضواء عن القضايا المتورطة فيها الشرطة، مثل قضية كريم حمدي، بكل الوسائل الممكنة.. وهو ما يعني أن رغبة الداخلية، التي أعلنتها، في محاسبة عناصرها المخطئة، باعتبارهم عناصر فردية، هي مجرد تصريحات للاستهلاك الإعلامي.

في يوم الأربعاء أيضًا، توفى المحامي إمام عفيفي- 63 عامًا- في مستشفى المطرية وسط اتهامات بأنه تعرض للضرب داخل قسم الشرطة.

عبدالرحمن جمال، أحد شهود العيان، قال إن عفيفي كان يشترك في أحد التظاهرات المؤيدة للإخوان المسلمين قبل أسبوعين حين تعرض لإطلاق رصاصات خرطوش عليه، والضرب بعنف من قبل “بلطجية” قبل أن تقوم الشرطة بإلقاء القبض عليه.

أضاف جمال أنه تم التحقيق مع عفيفي على الفور، ونقل إلى المستشفى في اليوم التالي مُصابًا بنزيف داخلي. وهي الادعاءات التي يختلف معها المحامي محمد عثمان رئيس شعبة شمال القاهرة بنقابة المحامين، حيث أعلن في بيان له أن إصابات عفيفي جاءت نتيجة ضرب الأهالي له وليست نتيجة اعتداءات الشرطة.

ولم يتسنى لـ«مدى مصر» الوصول لمسئولين بوزارة الداخلية من أجل التعليق على هذه الإتهامات.

إلا أن المحامي الإسلامي منتصر الزيات رفض ادعاءات عثمان، مضيفًا أن عائلة عفيفي قاومت العديد من الضغوطات من أجل عدم اتهام الشرطة بتعذيبه.

وأوضح الزيات- وهو أيضًا مسئول عن حملة للدفاع عن المحامين- أن الانتهاكات بحق المحامين قد بلغت مستويات غير مسبوقة.

كان عثمان قد طلب من السلطات البحث عن هؤلاء المسئولين عن مقتل عفيفي، مضيفًا أن النقابة ستتعقبهم بغض النظر عن توجهاتهم. كما قال أن اجتماعًا عاجلاً سيعقد في النقابة يوم الخميس للاتفاق على موقف موحد ضد المواجهات بين المحامين ومؤسسات الدولة بما فيها القضاء والشرطة والنيابة.

يعتقد حسن أن امتناع وزارة الداخلية عن الاعتراف بانتهاكاتها المنهجية واعتداءاتها على حقوق الإنسان سيكون سببًا رئيسيًا لإشعال المزيد من العنف والإرهاب وهو ما سيؤدي إلى المزيد من الضحايا.

يضيف حسن: “قسم شرطة المطرية يعد نموذجاً. معظم ضباط وأمناء الشرطة منخرطين في علاقات عمل فاسدة وعمليات تعذيب”، مستكملًا: “استمرار الوضع القائم يعني رؤية المزيد من هذه الاغتيالات في المستقبل”.

اعلان
 
 
مي شمس الدين