Define your generation here. Generation What
عماد مبارك: على المجتمع المدني أن يعيد التفكير في أولوياته ومشكلاته
 
 

خاضت الحركة الحقوقية معاركًا عدة لرفع سقف حرية الفكر والتعبير والإعلام، ومع قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير، وما لعبه الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي من دور كبير في التواصل بين قطاعات مختلفة من المواطنين، برزت جدليات عدة حول الحريات الرقمية، والحق في المعرفة، والحق في الحصول على المعلومات، والحريات الأكاديمية، وحريات الفكر والتعبير. وكانت مؤسسة حرية الفكر والتعبير أحد أهم مؤسسات الحركة الحقوقية المصرية في التعبير عن هذه الجدليات.

Emad Mubarak

Emad Mubarak

في هذا الحوار، يتحدث عماد مبارك، مدير المؤسسة عن معركة حماية الأفكار الصادمة كضمانة رئيسية لحماية حق المواطنين في التعبير وفي المعرفة.

مدى مصر: الدور الذي لعبته مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام بعد قيام ثورة يناير فتح المجال واسعًا أمام الحديث عن الحريات الرقمية وحرية الإبداع وحرية الفكر والتعبير. كمؤسسة تعمل أساسًا على دعم هذه الحريات، كيف استفدتم من هذا الانفتاح، وكيف تضررتم منه؟

عماد: بعد الثورة أصبح هناك مساحات مفتوحة بشكل حقيقي، في السابق كان الإنترنت هو المساحة الوحيدة المتاحة للشباب للتعبير عن آرائهم، إذ لم تتح الصحف ولا وسائل الإعلام قبل الثورة هذه المساحات نهائيا. وهنا يجب علينا أن نتساءل، هل كانت المساحة التي أعطتها الفضائيات الخاصة على سبيل المثال للشباب للتعبير عن أنفسهم وآرائهم هى تعبير عن قناعة حقيقية بالحريات أم لا. في رأيي الشخصي: لا، لأنه مع أول محاولات للسيطرة على الإعلام الخاص اكتشفنا أن هناك تطوع من الصحف والقنوات الخاصة لأن تتماهى مع السلطة وأن تبرر الانتهاكات التي ترتكبها السلطة حاليا.

أيضًا استطاع الشباب والمجتمع المدني الاستفادة من هذا الانفتاح خلال 2011 و2012، حتى حينما حاول المجلس العسكري تشويه المجتمع المدني، لم ينجح في ذلك بسبب المساحات التي كانت مفتوحة لنا لنوصل للمجتمع ماذا نفعل ولماذا وجودنا مهم للمواطنين. الآن اختفت هذه المساحة، وبالتالي قدرة الدولة على تشويه منظمات المجتمع المدني أصبحت كبيرة وهنا يظهر دور رأس المال جليا. دعينا نتخيل المصلحة الشخصية لرأس المال أن يجعل القنوات الخاصة تتبنى الهجوم (ضد الدولة) خلال عصر الإخوان ومن خلال ذلك تستضيف المجتمع المدني وشباب الثورة. الآن، وبعد وصول عبدالفتاح السيسي للسلطة تغير المشهد تماما، وهنا نتذكر الفيديو المسرب له وهو يتحدث عن السيطرة على الإعلام والطريقة التي يجب أن يحدث بها، وهو ما يعبر عن توجه أن تلك “الحنفية” المفتوحة لابد أن تغلق وأن يتم غلقها “بشطارة”. وللأسف بدأت القنوات الفضائية بهذه الخطوات فعليا وتطوعيا بقرارها عدم استضافة الأصوات المعارضة للسيسي وضرورة الاصطفاف الوطني وما إلى ذلك.

بالتالي نحن نعود مرة أخرى لما قبل 2011 حيث المساحة الوحيدة المتاحة للكثيرين ممن لا يستطيعون الكتابة هي الصحافة الإليكترونية. عدنا مرة أخرى للانترنت كممثل للمساحة المفتوحة. الشارع تم تحجيمه من خلال قانون تظاهر يحبس شباب الثورة.

مدى مصر: قلت إن بعض الصحفيين والإعلاميين أنفسهم أصبحوا في حالة تماهي مع السلطة، وهي مقاربة مشابهة لمشكلة الحقوق والحريات الشخصية حيث يرفض المجتمع، وهو المستهدف بالتغيير في الأساس، هذه الحقوق والحريات. كيف تواجه هذه المشكلة الآن بالحديث عن حرية الفكر والتعبير والإعلام؟

عماد: من المهم أولًا أن نعرف مصدر هذا التماهي، وهنا هو مصلحة رأس المال نفسه. الأمر الآخر هو حالة الرعب السائدة من جماعة الإخوان المسلمين، حيث سيطرت حالة من القبول العام بأي شيء يخلصنا من الإخوان المسلمين حتى لو كان القادم أسوأ، تم تبرير القتل في الشوارع لأن الإخوان المسلمين سيئين. هناك حالة من الكراهية يبثها الإعلام ضد الجميع ومع الجميع وهو ما يوصل المجتمع لحالة مؤكدة يدفع الجميع ثمنها.

والأهم من ذلك أن نعرف ما هي أهمية الحديث عن حرية الرأي والتعبير؟ حرية الفكر والتعبير ليست معنية بخلق حالة من التوافق العام بين الناس، ولكن الدفاع عن الآراء الصادمة للمجتمع، إذا لم تعمل فكرة حرية الفكر والتعبير على حماية هذه الأفكار، إذًا فلا معنى لها. الحريات الشخصية بالتأكيد لن يقبلها المجتمع، لكن هذا لا يمنعنا من الدفاع عنها، فكرة ازدراء الدين الإسلامي على سبيل المثال كحالة يرفضها المجتمع بشدة، حينما تجدين شخص ما هناك حملة إعلامية ضده والدولة تمارس ضده (انتهاكًا) لازدراءه الدين الاسلامي حيث (يدفع) المجتمع للمضي في خطاب “هيا نتخلص من هؤلاء”، هنا يأتي دوري كمؤسسة أن أقول للمجتمع أن هذا الشخص الذي ترونه يزدري الدين الإسلامي هو في الحقيقة يعبر عن وجهة نظر من حقه أن يعبر عنها أمام الجمهور والجمهور في المقابل من حقه أن يقبل الفكرة أو يرفضها وأن يعلق عليها وينتقد، وحتى أن يزدري الشخص الذي يقول هذا الكلام وهو ما يختلف تماما عن التحريض على القتل. وهناك نماذج كثيرة لأفكار يرفضها المجتمع ويتم معاقبة صاحبها من خلال أدوات مختلفة، إما من خلال رقابة حكومية، أو مجتمعية أو حتى ذاتية، والأخيرة أراها دومًا أكثر أنواع الرقابة سوءًا لأن الرقيب الآن داخلي. السلطة واضحة في دورها ورقابتها، المجتمع واضح في عاداته وتقاليده التي لا يقبل غيرها، لكن ما لا نستطيع التعامل معه هو أن يراقب المبدع نفسه وهذا مرتبط بأزمة المثقفين المصريين بشكل عام.

بالفعل هناك رفض من المجتمع، لكن المجتمعات لا تتطور إلا بعرض الأفكار المختلفة والمتنوعة. منع الأفكار أبدًا لم يكن الحل، استمرارية الرقابة ومنع الأفكار والحقوق ستجعل هذا المجتمع ميتًا، لا يتطور ولا يتفاعل. لكن طرح الأفكار وتنوعها وإعطاء المواطن حق الاختيار في قبول أو رفض هذه الأفكار هو ما يطور المجتمعات.

مدى مصر: هل وصل المجتمع المصري لهذه الحالة من الجمود والموت؟

عماد: لا توجد سلطة في هذه الدنيا تمنع الأفكار الصادمة من الظهور طوال الوقت، أبدًا. لكن تستطيع السلطة أن تحد من هذه الأفكار، تفرض عليها رقابة صارمة، لكن لا تمنعها بشكل كامل. حينما تبدو السلطة الآن وكأنها تدافع عن الدين الإسلامي أكثر من الإخوان المسلمين، فيأتي رئيس الوزراء لمنع فيلم “حلاوة روح”، ولكن من هو حتى يمنع الفيلم؟ أولًا، رئيس الوزراء يخالف القانون والدستور وهو يعرف، ومع ذلك لا يلقي بالًا لهذا، وفي النهاية خرج حكم المحكمة ليقضي بعرض الفيلم. هنا تحاول السلطة أن تمارس المنع، لكن أحيانا “فيه حاجات بتفلت”. هذا سيستمر، لكن كلما حاولت السلطة فرض نوعًا شديدًا من الرقابة، سيؤدي هذا لحدوث انفجارات مختلفة، هناك مبدعون سيتوجهون للسينما المستقلة بدلًا من جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، ما زلنا قادرين حتى على التحايل على هذا الواقع وفي بعض اللحظات نواجهه. في لحظات نكون أقوياء وفي لحظات أخرى لا تكون لدينا القدرة على ذلك فتكسب الدولة معارك، ونحن- أحيانا- نكسب معارك أقل. هل يستمر الوضع كما هو أم يسوء؟. في تقديري: كل المؤشرات تقول الأسوأ، لا يوجد أي مؤشر يقول أن لدينا دولة عندها أي استعداد لبذل أي مجهود وتتحمل مسئوليتها في حماية حرية الفكر والتعبير، الإرادة السياسية- وهي الجزء الأهم هنا- غير موجودة لأن السلطة خائفة من مساحة الحرية، وأي سلطة تفعل ذلك فهي تحاول دومًا لعب كل الأدوار الممكنة سواء من خلال إعلام تستخدمه لصالحها، أو من خلال الأجهزة الأمنية.

مدى مصر: هناك نقد موجه دومًا للحركة الحقوقية بغياب الأولويات، إذ يجب أن يتم التركيز على الاحتياجات الأولية للمجتمع كالحقوق الاقتصادية بما في ذلك الفقر والبطالة مثلا، وأن تلبية هذه الحق أولًا ستؤدي بالضرورة للحصول على باقي الحريات. كيف ترى هذا النقد؟

عماد: هذا ليس انتقادا، هذه عبثية، كما لو أننا مطالبون كمجتمع مدني بالقيام بدور الدولة. من الذي يجب أن يحل مشكلة الفقر؟ إنها الدولة.

هؤلاء المنتقدون توقف لديهم دور مؤسسات المجتمع المدني عند مؤسسات التنمية، وهذا كارثي لأن المجتمع المدني ينقسم إلى المنظمات التي تعمل بالتنمية، وتتواجد بكثرة في المجتمع المحلي لتساعد الدولة في أزماتها في هذا المجال، وهناك مؤسسات حقوقية تعمل على فكرة الحقوق سواء اقتصادية واجتماعية أو مدنية وسياسية. المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية على سبيل المثال لعب دورًا أساسيًا في قضية الحد الأدنى والأقصى للأجور، هذا ليس جزءًا من التنمية، ولكنه مكسب حقيقي للمجتمع المدني، هل يقع هذا تحت خطاب الحقوق أم التنمية؟ هو خطاب حقوقي. لا يجب أن أبحث إذا كنت أستطيع الحصول على لقمة عيشي قبل الحصول على حريتي، لا بد أن آكل، ولا بد أيضًا من الحصول على حريتي، الاثنان مثل الماء والهواء، ممارسة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية من صحة وتعليم لا تعني أنه حينما تحقق لي هذا الحريات سأكتفي. طالما لا أستطيع أن أعبر عن أفكاري، سأكون كمًا جامدًا يأكل ويشرب فقط.

هذا النقد خطر، وجزء من خطورته يكمن في خطاب مكافحة الإرهاب. كيف يمكن أن نحارب الإرهاب بدون أن يتكلم الناس؟، على سبيل المثال، لو هناك مشكلة في الخدمات في منطقة ما، وقرر الناس التظاهر، أليس هذا جزء من حرية الفكر والتعبير؟ كيف أضغط على الدولة لكي تحقق لي مطالبي، الحقوق دومًا متكاملة وهي ليست منفصلة بشكل مطلق. لا يمكن فصل الحقوق عن بعضها لأنها تكمل بعضها دومًا. هذا الانتقاد جزء من خطاب يتهم المجتمع الحقوقي بتلقي أموال لدعم حرية الفكر والتعبير التي من الممكن أن تستخدم في خدمات للمواطنين وتنمية المجتمعات المحلية، والمنظمات لا تعمل بهذا الشكل. خدمة المواطنين في ضمان حقهم في التعبير عن رأيهم مثل خدمتهم لضمان الحصول على خدمات صحية وهنا يراقب المجتمع المدني الدولة. فالمجتمع المدني ليس من دوره الوقوف في صف الدولة مساعدتها طوال الوقت. جزء من دورنا أن نراقب إلى أي مدى تلتزم الدولة بما أقرت هي الالتزام به تطوعيًا على المستوى الدولي في حماية حقوق وحريات المواطنين أم لا.

مدى مصر: هل وجود المنظمات الحقوقية في العشر سنوات الماضية خلق وعيًا بتنوع دور المجتمع المدني وعدم اقتصاره على أدواره التنموية فقط؟

عماد: على مستوى الدولة، هي تريد فقط مؤسسات التنمية كما قالت (مستشارة الرئيس) فايزة أبو النجا من قبل، أي دور آخر يتصادم مع آداء الدولة مرفوض. المجتمع المدني يعمل في مجال الحقوق والحريات طوال الوقت ومنذ سنين طوال وهذا ليس بجديد عليه. يظهر هذا النوع من التساؤلات فقط حينما تقوم الدولة بحملة ضد المجتمع المدني ولا تظهر هذه الأسئلة في المطلق. تقول الدولة أن المجتمع المدني يجب أن يقتصر دوره على التنمية، لكن أثناء مناقشة مشاريع القوانين يتم دعوة المجتمع المدني لعمل حوار مجتمعي. لماذا إذن تفعل الدولة ذلك إذا كانت ترى دور المجتمع المدني منحصرًا فقط في التنمية؟ وهذا التناقض غير مرتبط بهذه اللحظة فقط، يحدث هذا منذ انطلاق الثورة.

هذا الخطاب يظهر حينما تتهم الدولة المجتمع المدني بتشويه سمعتها وتلقي تمويل خارجي، ولكن لو تم أخذ نفس هذه الأموال لعمل تنمية من خلال خدمات للمجتمعات فأهلا وسهلا بها، التناقض واضح، ولا توجد مساحة لإظهار هذا التناقض طوال الوقت، تظل الكذبة تتكرر حتى تتحول من استثناء حتى تصبح الأصل.

مدى مصر: إذا انتقلنا للحديث عن الحريات الأكاديمية، الصراع الدائر بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين جعل منه ملفًا ساخنًا ومهمًا جدًا بعد أن قل الاهتمام به كثيرًا، كيف تأثرت مؤسستكم بتصاعد أهمية هذه القضية سلبا وإيجابا؟

عماد: المشكلة الحقيقية فيما يحدث داخل الجامعات والدولة هو اعتقاد الدولة وبعض الأكاديميين أن الحل لمواجهة العنف الطلابي هو العنف، فكرة عدم وجود خطة، وتأجيل الخطط الموجودة بالفعل لتدريب الأمن الجامعي بحجة الحاجة إلى فترة طويلة لإنجاز هذه الخطط، هذا تقدير سيئ تمامًا لمواجهة أزمة الجامعة التي يفترض أنها مساحة واسعة للفكر الحر، الذي من الممكن أن يتصادم مع أي شيء حتى العادات والتقاليد، في الدين، في السياسية أو حتى الجنس، الجامعة مساحة آمنة للطالب ولعضو هيئة التدريس ليقولوا ما يريدون دون وضع أي قيود.

ما يحدث الآن في الجامعات أسوأ، فالجامعة الآن هي المجتمع المصري مصغرًا، وتتعامل معها الدولة نفس التعامل، فجأة رأينا جامعة تتحول إلى سجن، والعقول داخل الجامعة أيضا مسجونة.

وجودنا كمنظمة وحيدة تعمل على هذا الملف ليس بالشيء الإيجابي ومرهق جدًا، فنحن نتحدث عن قرابة الـ23 جامعة حكومية بجوار الجامعات الخاصة، نتعامل مع عدد ضخم في فئة مستهدفة قرابة الثلاثة ملايين طالب، في كل الجامعات هناك انتهاكات وتظاهرات وأحداث عنف، مع تحويلها لمنشآت عسكرية، أصبح لدينا كارثة. أصبح لدينا مراسلين من الطلاب تعرضوا لانتهاكات وصلت للسجن، عانينا كمؤسسة من ضغوط، أصبحنا ندافع عن مراسلينا الذي يساعدوننا في الحصول على المعلومات التي تساعدنا على إنهاء عملنا وندافع أيضًا عن باقي الطلبة. أصبح الموضوع مرهقًا وصعبًا. في لحظة ما تم اتهامنا بأننا ننتمي للإخوان المسلمين لأننا ندافع عن الطلبة الإخوان، أو اتهامات من الإخوان المسلمين أنفسهم لأننا نتبنى الدفاع عن أصحاب آراء صادمة للمجتمع.

مدى مصر: يرى البعض أن الخطاب الحقوقي كان صداميًا مع الدولة والمجتمع. هل هذا صحيح؟ وهل هناك مشكلة مع الصدام في تبني الخطاب الحقوقي أصلا؟

عماد: هذا يعتمد على أي مساحة تعمل بها المنظمات الحقوقية. من يعمل في مجال الحريات الشخصية وحريات الدين والمعتقد بالفعل خطابه بالنسبة للمجتمع والدولة صادم، من يعمل في مساحة حرية الفكر والتعبير يحمل خطابًا صداميًا ولكن ليس بشكل كلي، ومن يعمل في مجال الحريات الاقتصادية والاجتماعية غير صادم للمجتمع لكنه صداميًا مع الدولة. لدينا مجتمع يحكمه عادات وتقاليد “جبارة” لم تنكسر بعد مساحات كبيرة من العادات السيئة التي تقتل حرية الإبداع. حينما نذهب لمحكمة لنترافع في قضية لازدراء الدين الإسلامي، المحامون هناك “مش طايقينا” لأننا ندافع عن شخص ملحد وكافر، من وجهة نظرهم، من المفترض أن يعاقب فكيف ندافع عنه!.. في هذا الموقف نرى تعامل المجتمع المصغر مع قضايانا. لكن حينما نتحدث عن الحق في الصحة، لا أعتقد أن المجتمع من الممكن أن يكون “زعلان مننا”، فالمجتمع يدرك مدى تدهور الخدمات الصحية، وبالتالي ليس لديه تحفظات على هذا الخطاب. بينما ترى الدولة في هذا الخطاب أزمة لأنه يوضح أنها لا تتحمل مسئولية التزاماتها. المجتمع لا يستطيع أن يتقبل بسهولة أفكار مثل المثلية الجنسية مثلًا، والدولة ستكون سعيدة لأنها تستطيع أن تستخدم “عدم القبول” ضدنا وتستخدم هذه القضايا لتشويهنا. المنظمات الحقوقية ليس لديها مساحة وحرية الاختيار، هناك مبدأ وحق سوف نعمل من أجلهما بغض النظر عن ماهية السلطة الحاكمة وكيف يراهما المجتمع. هذا ضروري أن أعمل عليه وأن نستهلك وقتًا طويلًا حتى يتغير المجتمع بعد فترة. لا توجد رفاهية التفكير في عمل موائمات لا يجوز أن تحدث أبدا في حقوق وحريات واضحة لا تحتمل التأويل بغض النظر عن مباركة السلطة والمجتمع لذلك أم لا.

مدى مصر: تحدثت كثيرًا عن حرية الإبداع وأزمة الثقافة في مصر، يرى البعض أن حدوث أي ثورة ثقافية في مصر لن يعتمد على تغيير من أسفل لأعلى ولكن بشكل معاكس من أعلى لأسفل من خلال الدولة التي ستغير من سياستها حتى يتغير المجتمع. كيف تتوقع اتجاه التغيير في مصر؟ وكيف ترى الوجه الأمثل الذي يجب أن يأخذه هذا التغيير في الأساس؟

عماد: السؤال هو: هل لدينا سلطة مقتنعة أن عليها واجب في حماية المبدعين ورفع القيود عنهم؟ الإجابة: لا، وبالتالي أي تغيير من قبل الدولة لن يحدث. هذه عملية في غاية التعقيد، لدينا جيل من المثقفين الكبار المتفقين مع الدولة، وهذه كارثة. فلو أننا نطالب أن يكون هؤلاء المثقفين هم من سيجددون وينقلون الحياة الثقافية للأمام فأنا أقول بضمير مستريح أن هذا لن يحدث. إذا كنا نريد نقلة حقيقية، فعلى هذا الجيل أن يتنحى وأن يعطوا المساحة للشباب الواعي بالتطورات الجديدة وأن يتركوهم يعملوا بحرية. وإذا كانت الدولة جادة في خلق هذه الحالة، فعليها عن تتوقف عن سياساتها في منع الأفلام أو التدخل من خلال جهاز الرقابة الذي يجب أن يقتصر دوره على تحديد الفئة العمرية للأفلام. وجود وزراة الثقافة في حد ذاته كارثي، فهي سبب رئيسي في منع أي تطور محتمل لروح الثقافة والمثقفين. على سبيل المثال لدينا الآن وزارة تمنع فيلما لوجود أخطاء تاريخية. هل بالفعل هذا هو السبب؟ أخطاء تاريخية؟ لماذا لا تترك الفيلم ليتم عرضه وتترك الكتاب والنقاد للحديث عن الأخطاء التاريخية بالفيلم؟

المشكلة الحقيقية هي في هذا الجيل الذي من المفترض أن يقود هذا التغيير، الجيل الذي لا يمكنه أن يتخيل أن الناس سيشاهدون الفيلم على الانترنت، سيتناقل الشباب الفيلم وسيحقق شهرة وستتم مشاهدته بنسبة أكبر من لو تم تركه للعرض في دور السينما. هذه العقلية لن تستطيع أن تنقل الثقافة خطوتين للأمام. هذه النقلة تتحقق أولا بدولة لا تتدخل في العملية الإبداعية، ثانيا من خلال مساحة أكبر لشباب المثقفين كي يلعبوا دورا رئيسيا في تطوير هذه العملية، ثالثا: أن ترفع وزراة الثقافة أيديها عن إدارة قصور الثقافة وتفتحها للجماهير لتعطي لهم هذه المساحات لاستغلالها.

كل ما يفهمه المثقفون الآن عن التنوير هو التنوير الديني، حيث الحديث عن الآراء المعتدلة، حتى الأزهر الذي يقال عنه أنه منارة الاعتدال أصبح أزمة. كل فكرة هولاء عن الثورة الثقافية هو انتاج معرفة دينية مضادة لأفكار دينية متشددة وهذا ليس كل شيء، المشكلة أعقد من ذلك بكثير.

الآن يتم فرض رقابة ذاتية على المبدع، حينما يجد المبدع نفسه قادرا على التعبير عن نفسه وأفكاره بدون أي قيود، يمكننا وقتها الحديث عن نقلة ثقافية حقيقية. طالما تضع الدولة حواجزا أمام المبدع باستمرار، لن نتحرك في أي اتجاه. التطور يحدث حينما يتم ترك المبدع ليقول ما يريد ونترك للناس حرية الإختيار، هذا التفاعل هو ما يطور المجتمعات وليس أي شيء آخر.

اتجاه التغيير يجب أن يكون عملية مشتركة من الأعلى ومن الأسفل، من خلال دولة تمنع نفسها من ارتكاب انتهاكات ضد المبدعين، والتزامها بمنع أي طرف آخر من ارتكاب أي انتهاكات ضد المبدعين. لابد أيضا للأجيال القديمة (من المثقفين) أن يتركوا مساحة لشباب المبدعين.

مدى مصر: هذا سؤال ذو نظرة بانورامية بشكل كبير، ما هي أهم إخفاقات ونجاحات الحركة الحقوقية المصرية في السنوات الأخيرة؟

عماد: هذا هو السؤال الأصعب. طالما نحن ما زلنا قادرين على التواجد، ويمكننا تقديم دعم ما للحقوق والحريات، أو من خلال الفوز في معارك قضائية، هذه نجاحات حتى لو كانت جزئية وبسيطة.

على صعيد آخر، فشلنا أن نكون على اتصال بطريقة أفضل مع فئاتنا المستهدفة، فشلنا أن ننقل للمجتمع ماهية أهمية دورنا، ولماذا وجودنا ضروريا، فشلنا في إقناع المجتمع أن وجودنا ليس مضرًا وأنه عامل مساعد طوال الوقت. كان المجتمع المدني دوما عرضة لحملات تشويه تفشل بسرعة، لكن هذه المرة اختلف الوضع. أعتقد أن المجتمع المدني الآن في أضعف لحظاته ويتعرض لضربات متتالية من قبل الدولة ومن آخرين أو من داخله. في مجرزة رابعة على سبيل المثال، كانت هناك منظمات مجتمع مدني تقول أن عملية الفض تمت بشكل مهني وطبقا للمعايير الدولية، لا أدري ما هي المعايير الدولية للقتل في الحقيقة! الرد الوحيد على هذه الحملة هو العمل المستمر، وأن يكون العمل مضاعفا.

على المجتمع المدني أن يحدد أولوياته في الفترة القادمة، وما هي خطته، وهل طريقة عمله في الفترة السابقة صالحة للاستمرار في اللحظة الراهنة أم لا؟ هل نحن في حاجة لتغيير أساليب عملنا أم لا؟ أعتقد أنه على المجتمع المدني الإجابة عن كل هذه الأسئلة.

مدى مصر: تحدثت عن عدم قدرة المجتمع المدني على التواصل مع جمهوره المستهدف، ما سبب ذلك؟

عماد: المشكلة تكمن في إمكانيات المجتمع المدني لكي يتواصل. كما قلت في السابق، خلال عامي 2011 و2012 كان لدينا المساحة للظهور وتقديم عملنا، الآن فقدنا هذه المساحة كلية. عملنا أصبح أكثر صعوبة، مثل العمل في عهد حسني مبارك وربما أصعب. مساحة التواصل أصبحت أقل بكثير مما سبق، فلا يمكن لمنظمات المجتمع المدني مثلا أن تنظم مؤتمرا صحفيا كبيرا. جزء من المشكلة أيضا له علاقة بالخطاب الذي نتبناه. على المجتمع المدني أن يدرس مشاكله جيدًا ويعرف إن كان لها علاقة بالخطاب، بالآداء، بالأولويات، بتغيير طريقة تقديم عملنا. في الحقيقة ليس لدي إجابات أكثر ما لدى من التساؤلات. على الفاعلين في المجتمع المدني أن يقيموا نقاشا جديا حول كل هذه النقاط لأن هذه الأسئلة أصبحت ملحة. خاصة ولأننا لا نعلم إلى متى سيمكننا الاستمرار بسبب الهجمة الجبارة من الدولة، بالإضافة إلى التطورات الجوهرية التي حدثت داخل المجتمع المدني مع كل هؤلاء الذين رحلوا، كل هذه التحديات ليست بالسهلة وعلى المجتمع المدني أن يفكر كيف سيواجهها.

ــــــــــــــــــــــ

*هذا هو الحوار الثاني في سلسلة من اللقاءات مع عدد من العاملين في مجال حقوق الإنسان في مصر، ينشرها «مدى مصر» على مدار الأسابيع المقبلة، كان أولها حوار مع جاسر عبد الرازق المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

اعلان
 
 
مي شمس الدين