Define your generation here. Generation What
جواهر السينما المصرية: “شباب امرأة”
 
 

إذا اعتقدت أن ذلك الفيلم هو قصة بسيطة عن امراة جميلة تغري شابًا جامعيًا مستعرضة مهاراتها في الرقص الشرقي فأنت بالتأكيد مخطئ.

“شباب امرأة” (1956) هو فيلم عن الجنس، والهوس، والعلاقات السادوماسوكية، والإغراء، وسعي البطل شبه المستحيل وراء المعرفة في وكر الرذيلة. لكن فوق كل هذا.. هو قصة عن الإدمان، مخاطره وملذاته.

من إخراج صلاح أبو سيف وكتابة أمين يوسف غراب، يبدأ “شباب امرأة” في قلب البلدة الريفية الهادئة التي يأتي منها بطلنا إمام (شكري سرحان) ليرسم لنا صورة عن منشأه وحياته السابقة لحياته في القاهرة. تفضيل المخرج للغة البصرية عن الحوار في التعبير يتضح لنا من أول المشاهد؛ فعبر حركة الكاميرا وتحركات الأيدي يتضح لنا أن والدة إمام تبيع إحدى المواشي كي تموّل رحلة ابنها للجامعة.

عن طريق متابعة تحضيرات إمام للسفر، والحوار الذي يجري بينه وبين والدته وأصدقاء عائلته من أهل القرية البسطاء يوحي لنا صناع الفيلم بكم الأمال التي يعلقها أهل القرية على إمام، وبالتالي كم الضغط الذي يتعرض له، وهو ربما من أهم الأسباب التي تدفع به لاحقًا إلى دوامة الإدمان المغلقة، فعندما يوضع أي إنسان تحت ذلك الكم من الضغط والاهتمام الزائد، قد ينتهز أي فرصة تتاح له ليخفف من وطأة الضغط المتواصل.

تبدأ رحلة إمام إلى المدينة، وسرعان ما نتعرف على شَفَاعات (تحية كاريوكا). وهي مالكة المنزل الذي صادف أن يستأجر به إمام غرفة صغيرة أملًا في إقامة هادئة تناسب دراسته. لا يروق لشفاعات تلك القصة وتأمر بطرده على الفور، لكن سرعان ما يتغير رأيها تمامًا عندما تأسرها قوته البدنية التي تلاحظها عندما ينقذ أحد العمال بالمنزل من حادث كاد يودي بحياته. بعد أن يحلو في عينيها تبدأ في التعامل معه باعتبارها المرأة الطيبة التي ستكون أمًا له، وعندما يوضح لها إمام بأنه ليس كمن حولها من الضعفاء الذين يخضعون بسهولة لسيطرتها المريضة، يلهب بذلك نارها دون علم منه.

في تقديم ممتاز للشخصية، لا تعطي عبقرية آداء تحية كاريوكا أي فرصة للمشاهد كي يشكك في أسلوبها الحاد وشخصيتها القوية؛ فمنذ أول مشهد نتعرف فيه على شفاعات يصدمنا- ويصدم إمام- أسلوبها القوي وصوتها العالي على الدوام، والإهانات التي تلقيها يمينًا ويسارًا؛ فتملأ ببراعة عباءة “المعلم” وتحقق سيطرتها التامة على المُشاهد وعلى إمام.

كالمخدر القوي، تثبت شفاعات تميزها وتؤكد على سحرها الخاص منذ اللقاء الأول، فلا تساور عقل المتعاطي أي شكوك حول القوة الهائلة التي يواجهها.

أحداث الفيلم تُروَى من وجهة نظر إمام، ويحقق أبو سيف ذلك عن طريق التكوينات وأحجام الممثلين وترتيبهم بداخل المشاهد، حيث يأخذ إمام دائمًا النصيب الأكبر كي لا يفقد المُشاهد موضعه الصحيح خلال الأحداث، بينما أدت الموسيقى الدرامية لـ”فؤاد الدهيري، رمسيس نجيب” دورها في أن تعطي كل مشهد الحدة المطلوبة للإيحاء بجدية الموقف.

مدى الانحراف والمرضية اللذين تتميز بهما علاقة إمام وشفاعات لا يمكن التعبير عنه إلا عن طريق التباين ولذا يتعرف المشاهد على سلوى (شادية).

في افتتاحية موسيقية جميلة يعبر لنا المخرج عن طبيعة سلوى الرومانسية البريئة، عن طريق كلمات الأغنية التي تغنيها لحبيبها الذي لم تقابله بعد. فسرعان ما ندرك أننا بصدد معركة درامية بين الحب الطفولي البرئ والعلاقة المرضية الملتهبة بين إمام ومخدره.

قصة حب لم تنطفئ في قلوبهم منذ الطفولة حين كانوا أصدقاء يستعيدون ذكرياتها حين يقوم إمام بزيارة عائلتها الصديقة لعائلته منذ زمن طويل.

يحاول أبو سيف أن يثبت في أذهاننا الطبيعة الشيطانية لشفاعات في عدد من المشاهد المعبرة، عندما نشاهدها تتلوى على سريرها في رد فعل لسماعها لأذان الفجر، ومدى ضيقها من أسلوب حياة إمام النشيط ودراسته، فتقوم بمواجهته بسيل من الصراخ والإهانات في محاولة لفرض سيطرتها عليه كما اعتادت، وعندما يقابلها إمام بنفس الرد العنيف يشعل- عن غير قصد- شرارة ما بداخلها، فتفهم على الفور أنه ليس كباقي عبيدها.

الشخصية السادية في أساسها شخصية خاضعة. تستمتع شفاعات بممارسة ساديتها على من حولها، لكن عندما تلقى المقاومة التي افتقدتها منذ زمن تشتعل نيران رغبتها من جديد وتوقن بأنها وجدت ضحيتها الجديدة التي ستعيد إليها شبابها من جديد.

يؤكد الكاتب على سذاجة شخصية إمام وبراءتها عن طريق وضعه كمعلم لشقيق سلوى الصغير، عن طريق الخدع الطفولية والمقالب التي يقع فيها إمام بسذاجة شديدة يتضح لنا أنه رغم كبر سنه، إلا أنه كالطفل الصغير في مواجهة حيل وخدع أهل المدينة.

بالتعاون مع مهندس الديكور، استطاع صلاح أبو سيف أن يرسم لنا لوحة عن هوس شفاعات بكل ما يتعلق بجمالها وشبابها، فعن طريق الديكور المميز نلاحظ على الفور أن غرفتها، بأثاثها القيم المرتب بعناية، لا تتلائم على الإطلاق مع الحي الذي تسكن فيه بمصر القديمة، ما يوحي لنا بأنها قد نصبت نفسها ملكة على ذلك الحي الفقير، محيطة نفسها دومًا في مملكتها بعدد لا يحصى من أدوات التجميل، لنتابع اهتمامها الزائد بجمالها، بينما تطفلها الدائم ومراقبتها لإمام يوضح لنا هوسها المرضي به وبشبابه.

عن طريق الإضاءة المميزة والتكوينات المختارة بعناية يوحي لنا أبو سيف بشعور لا بد منه وهو الشعور بالذنب.

الإضاءة تغلب فيها الظلال على النور، في أحد التكوينات نرى شفاعات في المقدمة في رداء مثير وهي تتعمد الإغراء، وإمام في الخلفية يتسلل إلى غرفتها في محاولة لإرضائها. بترتيبه المميز للعناصر في التكوين، عبر وضعه للمغريات تحت أنف المشاهد في مقدمة الكادر، يتمكن أبو سيف من أن يوحي لنا بكم الإغراء الذي يواجهه إمام وكيف تصل شفاعات إلى قلبه كالذئب في ثوب الحمل.

في المشهد الذي تتسلل فيه شفاعات لغرفة إمام ليلًا كي تقنعه ببراءة حبهما، نلاحظ أن اختيار المخرج لأماكن الممثلين داخل الكادر تعبر وحدها- ودون أي حوار- عن الأحداث، بل وتؤكد على الإحساس المطلوب: نلاحظ وجود إمام في المقدمة وشفاعات تتسلل من خلفه، هذا التكوين يعبر ببراعة عن الوضع النفسي لكليهما، فيأخذ إمام دور الضحية وتأخذ شفاعات دور الشيطان الذي يوسوس له ويقنعه ببراءة تلك العلاقة، محاولةً أن تقضي على الإحساس بالذنب الواضح على ملامحه، تمامًا كالحوار الذي يجري في عقل أي مدمن في آخر الليل، محاولًا أن يقنع نفسه بصحة موقفه وأنه ليس وحده من يعيش تلك العلاقة الصعبة، محاولًا بذلك أن يُسكت صوت الضمير بداخله كي يلتزم بعادته كليًا.

سرعان ما نلاحظ أن شخصية حسبو لا تقل أهمية عن أي من الشخصيات الرئيسية نتيجة لآداء رائع من عبدالوارث عسر. حسبو هو مدمن حكيم طاعن في السن وسكير، سجين لإدمانه ولشفاعات دون أي نية حقيقية في الهروب من هذا السجن، ينجح حسبو في أن يعطينا صورة حقة لما قد يؤول إليه حال إمام إذا ما استمر على تلك الحالة.

تمكُن شفاعات الكامل سريعًا من إمام لا يعود فضله لشفاعات وحدها، فسرعان ما نلاحظ شهية إمام الواسعة للحياة، وللثروة والطعام عن طريق المشهد المميز، حين يلتهم وحده كمية كبيرة من الطعام، والسعادة الغامرة على وجهه حين تهديه عشيقته ساعة من الذهب. كل ذلك يوضح ليس فقط أن إمام يقع تدريجيًا في براثن ذلك المخدر القوي بل وتزايد شهيته لذاك المخدر.

عندما يذهب إمام للمولد ويتسمر أمام إحدى الراقصات، في ممارسة واضحة لسيطرتها التامة، تسحبه شفاعات إلى المنزل من أذنه كالطفل الصغير في أحد أجمل مشاهد الرقص الشرقي في السينما المصرية. تم تكرار ذلك المشهد مئات المرات لكن يظل ذلك المشهد مميزًا لأنه يهدف لغرض معين وهو أن يوصل لنا المخرج كيف أسرت شفاعات عقل إمام وكيف قلبت له رأسه، التنوع الواسع في زوايا الكاميرا يغمر المشاهد في الموقف عن طريق وضع الكاميرا خلف أغراض منزلية فيشعر المشاهد بأنه يراقب الحدث متخفيًا. تحريك الكاميرا على أنغام الموسيقى وحركة وسط شفاعات مع الإبقاء على إمام في الكادر يوحي للمشاهد بتأثير  شفاعات على إمام.

في منزل شفاعات، يُعامَل البغل الذي يقوم بعمل كل أهل المنزل معاملة سيئة، يدور للأبد معصوب العينين في تلك الدائرة المغلقة، عن طريق المونتاج وتلميحات حسبو وشفاعات، يقدم لنا أبو سيف البغل في رمزية لوضع إمام.

عواقب حياة الإدمان التي يعيشها إمام سرعان ما تبدو واضحة، لم يعد يذهب لجامعته ولا يهتم بها، أهدافه السابقة تلاشت من أمامه ولم يعد يراسل أمه مطلقًا، تتلاشى صحته التي كانت فخره يومًا ما، فتصبح بذلك شفاعات كالغمامة على عينيه فلا يرى مدى ضيق الدائرة التي يدور بها.

في المشاهد التي يلتقي فيها إمام بسلوى تمتزج الموسيقى ببراعة مع التصوير والتكوينات المميزة وحتى كلمات الأغاني الموحية بالتفاؤل لتعطي الإحساس بجمال الحياة في نور النهار بعيدًا عن ظلمة منزل شفاعات. عندما يحاول إمام الخروج من دائرة إدمانه يُستخدم المونتاج ببراعة للمزج بين لقطات لإمام مريضًا في الفراش ولقطات للبغل يعاني من نفس الأعراض الإنسحابية المؤلمة.

عندما ينجح إمام في أن يترك عادته، تستدرجه شفاعات مرة أخرى لمنزلها كي تمارس مرة أخرى سحرها وسيطرتها عليه، صلاح أبو سيف يبعث في المشاهد الإحساس بالضغط الذي يتعرض له المدمن “إمام” من مخدره المفضل عن طريق زاوية عالية ومختلفة للحدث ترصد عودة إمام لحياة الرذيلة فيصور أبو سيف المشهد كمشهد استجواب لا كمشهد يجمع حبيبين.

حينما يحاول المدمن أن يقلع عن مخدر ما، يهاجمه المخدر بدوره فيصور له مدى صعوبة الحياة دونه وكم هي مملة.

شفاعات تفعل المثل مع إمام للمرة الأخيرة، بقوة شخصيتها الشيطانية وهوسها، محاولة الزج به في السجن متهمة إياه بسرقة إحدى مجوهراتها. يطارد المخدر “شفاعات” مستخدمه بلا هوادة ، مستدعيًا ذكرياتهم السعيدة والأوقات الممتعة التي قضاها كلاهما في أحضان الآخر، محاولًا بذلك أن يثبت في عقل الضحية أن الأختيار الذي يواجهه هو إما أن يقضي- مثله مثل من حوله- حياة تعيسة مملة لا مغزى لها، أو أن يدفع بنفسه للمرة الأخيرة في أحضان إدمانه المرضي مستمتعًا بوقته خلف أسوار سجنه، مستسلمًا كما فعل حسبو.

حين نسترجع أحداث الفيلم نجد أن رسالته بسيطة وموجهة إلى المغتربين الذين يأتون من بلادهم البسيطة غير مدركين للأخطار التي قد تواجههم في سعيهم للعلم، والتحول الحاد الذي يحدث حتميًا لحياتهم حين يدفع بهم إلى عالم الإغراءات فيتعرفون للمرة الأولى على الرغبات المتوحشة التي تسكن بداخل كل منا، منتظرة ما يشعل نيرانها،. هو كتحذير لأولئك محاولًا أن يعطيهم صورة صريحة عما هم بصدد مواجهته. سواء كان عن قصد أو بالصدفة البحتة، يعبر الفيلم ببراعة وبطريقة غير مباشرة عن حياة المدمن المحفوفة بالمخاطر والملذات فيصبح قصة تحذيرية سهل الاستماع لها.

اعلان
 
 
حسين حسام