Define your generation here. Generation What
جاسر عبد الرازق: “التسجيل” هو تطوير لشكل المواجهة مع الدولة
 
 

في يوليو 2014، نشرت جريدة “الأهرام” إعلانًا من وزارة التضامن الاجتماعي، تضمن تهديدًا لجميع منظمات المجتمع المدني مضمونه تقنين وضعها طبقًا لقانون الجمعيات الأهلية أو مواجهة التحرك القانوني ضدها وخطر الإغلاق. أتى هذا التهديد في سياق من التضييق المستمر على الحريات.. تلاه حملة مستمرة من التشويه للمنظمات الحقوقية التي يمثل عملها تحديًا للدولة واختراقها للحقوق.

في ديسمبر 2014، قررت “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” تقنين أوضاعها وفقًا لمتطلبات النظام. وفيما توقع البعض أن هذا التوجه يمثل تهديدًا لإمكانية استمرار المبادرة.. يحدثنا جاسر عبد الرازق، المدير التنفيذي للمبادرة، عن كون هذا التوجه نوعًا من أنواع المقاومة.

Gasser Abdel Razek

Gasser Abdel Razek

عمل جاسر عبد الرازق في مجال المجتمع المدني وحقوق الإنسان على مدى الـ 21 عامًا الماضية، شارك في بناء مؤسسات حقوقية وحملات دفاعية شكلت الوعي بمسألة الحقوق في مصر اليوم. كان من مؤسسي مركز “هشام مبارك” للقانون في عام 1999، كما عمل في عدد من المؤسسات الدولية. وقبل انضمامه لـ “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” كنائب مدير- كان مدير مكتب “اميرا”- المعني بحقوق اللاجئين- في القاهرة.

مدى مصر: سأبدأ من القرار الذي اتُخذ من المبادرةبإدارتها ومجلس أمنائها بالتسجيل وفقاً لقانون 2002 بعد فترة طويلة من التفكير في الموقف الذي ستتخذه المبادرةفي ظل تهديدات وزارة التضامن الاجتماعي على المساحات التي تعمل في العمل الحقوقي أو العمل العام، فهل من الممكن أن تحدثنا عن قرار التسجيل، ما معناه وما الاستراتيجية الكامنة خلفه؟

جاسر عبد الرازق: مع بداية تصاعد الضغوط التي مارستها الدولة في صورة المهلة الخاصة بوزارة التضامن الاجتماعي، اجتمعنا ووضعنا كل الخيارات المتاحة بدءًا من خيار الإغلاق الاحتجاجي، أي أن توقف المبادرة عملها وتعلقه احتجاجًا على الأوضاع، وكان هذا بالنسبة لجزء منا أمرًا غير مقبول، وصولًا إلى تغيير موقف المبادرة الذي تبنته منذ أكثر من عشر سنوات، وهو عدم التسجيل ووضع التسجيل كأحد الخيارات. وكجزء من المناقشات، هناك عدد من الأشخاص- ومن ضمنهم أنا شخصيًا- بدأوا في النظر إلى فكرة التسجيل ليس باعتبارها حلًا للمشكلة الآنية المتعلقة بأن هناك مهلة، وهناك ضغوط من الدولة على المجتمع المدني، ولكن باعتباره شكلًا من أشكال تطوير النضال والمواجهة مع الدولة. السبب الرئيسي الذي يجعل خيار التسجيل هو أفضل خيار لمكان مثل المبادرة، هو نزع مساءلة الدولة عن تسجيلنا والجدل الذي يطرحونه طوال الوقت حول فكرة وضعنا القانوني،  ونقل المشكلة إلى مسألة التمويل الأجنبي، وشرعية الأموال المقبلة من الخارج والموافقات. بالتالي أتصور أنه في المعركة المقبلة، حتى لو قُبل تسجيلنا، وتمكنّا من بناء قاعدة تمويل محليّ معقولة تسيّر جزءًا أساسيًا من عملنا، سيبقون مضطرين للتعامل مع ما تنتجه المبادرة من دراسات وأبحاث، وانتقاد لسجل حقوق الإنسان، وليس مجرد الإشارة إلى وضعنا القانوني.

 هذا خيار لا تستطيع منظمات كثيرة أن تتبناه، بمعنى أن المبادرة تمتلك سمعة ومستوى من الدقة والمهنية يسمح لها بأن تقوم بهذا النوع من الجدل، أي أنه قد تكون هناك منظمات أصغر أقل شهرة، سيكون هذا خيارًا صعبًا بالنسبة لها؛ لأن التسجيل تحت القانون يفسح مجالًا للدولة لتدخل شديد في عمل المنظمات. الشيء الأخير الذي أود قوله هو أن هذا القرار ليس من المفترض أن يقرأ نهائيًا باعتبار أن المبادرة رأيها أن المواطنين ليس من حقهم أن يتنظّموا بأشكال مختلفة، سواء اختاروا أن يؤسسوا شركة، أو مكتب محاماة أو عيادة طبية. من حق الناس أن تختار أشكال التنظيم التي تناسبهم، وليس من حق الدولة التدخل في أشكال التنظيم إلا بالمساعدة، وبالتالي أن قرارنا بأن نسجّل لا يعني الاعتراف بأن هذا هو الشكل القانوني المناسب الوحيد الذي من المفترض أن تُسجل الناس تحته، لكن هذا خيارنا في تطوير شكل نضالنا.

مدى مصر: أنتم وضّحتم فعلاً في بيانكم، الذي نُشر في ديسمبر الماضي، أنكم ستكملون مواجهتكم واعتراضاتكم ونقدكم لهذا القانون وللقانون المقبل حتى لو كنتم تسجلون أنفسكم تحته.

جاسر: صحيح. في الحقيقة لم يتغير موقفنا من نقدنا للقانون الحالي، وليس لدينا أمل كبير في الوضع السياسي الحالي وبأن التشريع المقبل سيكون أفضل بكثير. هناك شيء واضح، الدولة مصرة عليه، وهو فكرة وجود لجنة تنسيقية تضم الأمن القومي ووزارات عدة تنظر في شؤون تمويل المنظمات وغير ذلك، ويبدو أنهم لن يتراجعوا عن هذا النوع من التوجه الذي يحكم علاقة الدولة بالمجتمع المدني. بالتالي سنواصل مقاومتنا للقانون، وقد يؤمن لنا التسجيل فرصة لم تكن متاحة من قبل، وهي أننا لن نستطيع أن نتخذ مواقف سياسية من القانون فقط، ولكن سنستطيع أيضًا الاشتباك معه بشكل مباشر، وبشكل قانوني مما يفتح لنا فرصة لأشكال مختلفة من الطعون على القانون. ونحن لدينا مادة دستورية لا بأس بها تنظم الحق في التنظيم. إن طموحنا خلال سنوات هو أن يبقى النص الدستوري مفعّلًا بشكل قانوني مما يسمح للمواطنين أن ينظموا أنفسهم بأشكال  كثيرة مستقلة.

مدى مصر: عملية التسجيل- بحد ذاتها- ستكون معمل تجارب مهمًا للاشتباك مع القانون كوسيلة مختلفة ومغايّرة لمقاومته؛ لأنك تشتبك معه على مستوى أكثر من نظري.. إلى أي مدى هناك توازن بين التفاوض والمواجهة في هذا القرار؟

جاسر: المسألة ليست تفاوضًا فقط. ولا أظن أن هذا الخيار مطروح. إذا استمرت المبادرة في إصدار تقاريرها النقدية المهنية بشكل طبيعي، سيقفل هذا أبوابًا كثيرة للتفاوض. طبعاً من الناحية النظرية هذه ليست مواجهة مع وزارة التضامن التي نحن مسجلون لديها، لكن ستُستخدم وزارة التضامن بالنيابة عن أجهزة أمنية كي تقوم بالمواجهة، وبالتالي أتصور أن العلاقة المقبلة سيكون فيها بالطبع قدر من التفاوض؛ ففي النهاية نحن أطراف وسيكون بيننا علاقة تعاقدية بشكل أو آخر بحكم التسجيل، لكنني أتصور أنها ستبقى مواجهة بالأساس أكثر مما هي تفاوض؛ فقراراتنا واستراتيجياتنا كلها منصبة على تحسين موقفنا في هذه المواجهة ورفع ثمن محاولات الدولة عن طريق وزارة التضامن للضغط والتدخل في عمل المبادرة.

مدى مصر: لنعد قليلًا إلى تاريخ محاولات الدولة لتنظيم عمل المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية بالذات، وهذه معركة خضتها أنت في مساحات مختلفة وأوقات مختلفة. أريد أن أعرف مدى تطور فكرة استخدام الدولة لآلية القانون للتنظيم. أعرف أنك خضت معركة مشابهة في التسعينيات، وكان هناك موقف مختلف آنذاك من الموقف الذي تتخذونه الآن. ماذا يقول لنا هذا عن تطور آليات الدولة في محاولة السيطرة على هذا القطاع وتطور أساليب النضال؟

جاسر: في قانون 64 الذي حكم المجتمع المدني المصري حتى سنة 1999، أي 35 سنة، لم يكن هناك أي ذكر للأمن. قانون 99 الذي استمر حتى 2002 عاش 3 سنوات إلى أن ألغته المحكمة الدستورية، وفيه لم يكن هناك أي ذكر لدور الأمن أيضًا. القانون الحالي، الذي هو من 2002 واستمر 12 سنة حتى الآن، لا يوجد فيه أي ذكر لدور الأمن أيضًا. ولكن دور الأمن يُمارس من قبل 1964، يوم كان المجتمع المدني موجودًا، والجمعيات الأهلية  موجودة، وكان هناك دور خفي للأمن. في تصوري أن الوضع الذي نشأ بعد الثورة، بعد يناير، وتحديدًا في السنة ونصف السنة الأخيرة، ومنطق تعرض مصر للتهديد والمؤامرات، وكل أجهزة مخابرات العالم تتدخل في البلد، وأن ما حصل في السنوات الثلاث الماضية كان ممولًا من الخارج، واستخدمت فيه تنظيمات سياسية، وصحافة، ومنظمات مجتمع مدني، سمح للدولة بأن تقدم فكرة التدخل الأمني في أشياء كثيرة جدًا، وبالأساس في منظمات المجتمع المدني، على أنه شيء مقبول أن يُطرح بهذه الفجاجة: لجنة فيها مخابرات عامة ستنظر في أوضاع المنظمات كلجنة تنسيقية في الدولة، هذا شيء أتصور أنه لم يكن ممكنًا أن تطرحه الدولة دون السياق العام الذي نحن فيه الآن، وهذا فرق جوهري.

من ناحية أخرى، أتصور أن لدينا جمهورًا وأدوات لم تكن متاحة لنا أبدًا في التسعينيات وبداية عام 2000، لقد فتحت الثورة مساحة. التحليل يقول إننا مهزومون، وأن جميع المكاسب التي كان يمكن أن تحققها ثورة يناير لم تحصل. أنا بتقديري أنه لا يزال هناك وعي عند قطاع أوسع بكثير من القطاع الذي كان موجودًا قبل الثورة، وأن منظمات حقوق الإنسان، رغم كل الانتقادات التي تُوجّه إليها، لديها جمهور أوسع بكثير اليوم. هذا من ناحية، من ناحية أخرى، ورغم الحصار المفروض على الإعلام وعلاقة الدولة والأجهزة الأمنية برأس المال الكبير الذي يملك أغلب الإعلام المرئي تحديدًا، لا يزال لدينا أدوات وطرق نصل بها إلى الجمهور الأوسع، سيجعل قدرة الدولة على القمع المباشر الذين يتصورون أنهم قادرون على القيام به الآن محدودة. هذان هما الفرقان الجوهريان عن ما قبل يناير، ومعاركنا على قانون ديموقراطي ينظم المجتمع المدني في العشرين سنة السابقة.

في النهاية، إن مفهوم الدولة، الذي كان يُروَّج له من الستينيات انكسر. فمثلًا إن حكاية الدولة “البابا”، الكبيرة، التي يجب علينا كلنا أن نسمع كلامها، وأن نكون جيدين معها انتهت. هناك شيء انكسر في يناير ومحاولة العودة إلى ما قبل يناير صارت مستحيلة. وهكذا هم مضطرون للتفاوض، وأعني أنهم مضطرون في لحظات مختلفة، رغم خطابهم العدائي أن يجلسوا ويأخذوا في اعتبارهم أشياء مما تطرحه منظمات المجتمع المدني، والقوى السياسية الفاعلة.

مدى مصر: هل يمكن أن تخبرنا ما حدث سنة 1999 بالضبط؟

جاسر: هناك معركة بدأت سنة 1994، من داخل حركة حقوق الإنسان التي كانت تتشكل وتكبر في ذلك الوقت في مصر في مواجهة قانون 64، قانون العمل الأهلي، الذي صدر أيام جمال عبدالناصر. وتصاعدت الحملة من 1994 إلى 1998، الفترة التي قررت فيها الدولة أن القانون فعلًا غير مناسب، وأنها مضطرة إلى أن تسنّ تشريعًا جديدًا يناسب البلد. وشكلت الدولة لجنة اضطرت أن تأخذ فيها عددًا من الناشطين المستقلين في هذا الوقت، وانتهى الأمر بإصدار قانون أفضل من قانون 64، لكنه غير مناسب بشكل كامل لسياق أو لمجتمع نهاية التسعينيات. وقد ألغته المحكمة الدستورية سنة 2000 لأسباب فنية تتعلق بنوع المحكمة التي نطعن أمامها بقرارات الدولة. إن معركة 98 و99 لحين صدور القانون كانت معركة مهمة جدًا؛ لأنها أجبرت الدولة أولًا على أن تقبل وجودنا داخل اللجنة. لأول مرة تصيغ اللجنة تشريعًا بموجبه اضطرت الدولة أن تقبل أربعة من نشطاء المجتمع المدني المستقلين بدرجة ما، وقبلت عملية تفاوض واسعة نسبيًا، وكانت أشكال النضال في مواجهتها مبتكرة في هذه اللحظة. فلأول مرة كنا قادرين بأعداد قليلة جدًا مؤلفة من 100 أو125 شخصًا، أن نقوم بوقفات أمام مجلس الشعب، ولم يكن هذا النوع من الاحتجاج يحصل آنذاك، وكنا نفعل هذا بحماية من الصحفيين. وتصاعدت في فترة أسبوع مناقشة القانون في مايو 99، لإضراب أربع ناشطات حقوقيات إضرابًا كاملًا عن الطعام لمدة أسبوع في مقر إحدى المنظمات. وفي الحقيقة صدر قانون، يعرف جزء لا بأس به من المهتمين بالشأن العام أنه قانون لا يصلح. الدولة، في لحظتها أصدرت لأول مرة قانونًا وحددت موعد مؤتمر صحفي كي تدافع عنه يوم صدوره. كانت الوزيرة آنذاك ميرفت التلاوي، عقدت مؤتمرًا صحفيًا كي تقول شارحة إن القانون ليس سيئًا كما يقولون.

وأتصور أن جزءًا من حكم إسقاط القانون آت من سياق أنه ولد والدولة غير قادرة على تطبيقه كما كانت تريد، والحملة التي تمت في 98 و99 جعلته فعلًا يولد ميتًا، أي أن الدولة لم تستطع تطبيقه بالطريقة القمعية المنوط بها، لأنه انفضح من عملية صياغته حتى صدوره.

ربما كان سياق 2002 مختلفًا قليلًا؛ لأن المساحة التي كانت متاحة للعمل الأهلي توسعت وازداد عدد المنظمات ولم تنشغل الناس كثيرًا بنص القانون، الذي لم تستطع الدولة تطبيقه بشكل حقيقي بالقدر الذي يريدونه من التعسُّف. نستطيع أن نقول الآن: إن النص موجود منذ 15 سنة والدولة غير قادرة على تطبيقه، وتقديرنا أنها لن تقدر أن تطبقه. ستظل هناك كيانات تمارس عملها في مجال حقوق الإنسان ومسجلة بأشكال أخرى، ولن يقدروا أن يطبقوا المادة القانونية عليه. 

مدى مصر: أليس غريبًا أن تضع الدولة المصرية ثقتها في قدرتها على تنظيم كل شيء في ظل أن كثيرًا من الأمور التي تعمل في مصر تعمل بلا تنظيم قانوني وتدخل مباشر للدولة؟

جاسر: إن الدولة تهين القانون بشكل منظم، ولا أقصد هنا في تطبيقها للقانون بشكل سيئ، ولكن في إصدارها لقوانين من المستحيل أن تطبقها، فمن اليوم الذي يجلسون فيه كي يكتبوا القوانين، يعرفون أنهم لن يستطيعوا تطبيقها، ولو عرفوا أن يطبقوها فإنهم سيطبقونها في حالات محدودة ستجعلها انتقائية، وبالتالي تهدم فكرة دولة القانون. فهناك تشريعات على أشياء تتعلق بالحريات من المستحيل أن تطبقها الدولة. أقصد أن التدخل في حياة الأشخاص لا يوجد دولة تستطيع تنفيذه بالتصور الذي لديهم كحماية الأخلاق، وحماية الدين وغير ذلك. هذا لن يحصل.

مدى مصر: في رأيك كم ستؤثر المعركة التي دخلت فيها والتي بدأت منذ أشهر في توسع المبادرة، بما أن المبادرة في الفترة السابقة كانت نموذجًا متفردًا من تطور مؤسسي، وفي سياق العمل الحقوقي؛ حيث لم تبقوا محدودين بالمساعدة القانونية فحسب، وبدأتم تعملون على محاور مختلفة من الحملات الدفاعية واستخدام التشريعات والآليات القانونية المختلفة، والبحث، فكيف سيؤثر تركيزكم في هذه المعركة على هذا التوسع؟

جاسر: ارتبط توسع المبادرة بظرف عام، بالثورة، التي فتحت مجالات لم تكن متاحة قبلها، خلقت جمهورًا لم يكن موجودًا من قبل، وجعلت أشخاصًا يهتمون بممارسة هذا النوع من العمل، لم نكن قادرين على جذبهم، فمنذ فترة طويلة هناك أشخاص من زملائنا تركوا وزارة الخارجية المصرية والجامعة العربية ومنظمات مالية دولية وعملوا معنا، وكان كل هذا مرتبطًا بلحظة، فيها تراجع، وهذا التراجع ينعكس على المبادرة وعلى المجتمع. في جميع الحالات، وبصرف النظر عن قرار التسجيل نحن لدينا أمل بتوسع كبير، لكن مع تراجع وهزائم الثورة منذ 2012 لم يتم هذا التوسع حسب ما كنا متصورين. لم نقدر أن نفعل هذا.

 ما هو قادم يجسد التحدي الأساسي بالنسبة لنا، وهو بعيد عن قصة التسجيل تحديدًا، وهو الاحتفاظ بآليات عملنا كما هي، استمرارنا في إنتاج مجهود بحثي ورصدي وأفكار بالدقة نفسها وبالمهنية نفسها، ما سيتأثر بالنسبة لنا كما هو واضح هو عدد القضايا التي نتناولها. قد نشتغل على فكرة الأولويات، ليس بمعنى أن هناك حقوقًا أهم من حقوق أخرى، ولكن بمعنى الأشياء التي لو أن المبادرة المصرية لم تقم بها؛ فإن باقي المجتمع المدني لن يقوم بها. هناك ملفات مهمة، نحن نتناولها. عمليًا، لا أحد في مصر يقوم بها، مثل عملنا على ملف الدين والمجتمع، وهذا ملف نتناول فيه العنف الطائفي، والخطاب الديني الرسمي، والخطاب الديني الخاص بالجماعات الدينية. هذه مسألة خاصة جدًا بالمبادرة، وإذا لم تقم بها المبادرة؛ فإنها في الغالب لن تُنجز من المدخل الذي نتناولها منه وهو مدخل الحقوق والحريات. إن عملنا طويل جدًا على ملف الصحة لم يحظ بتغطية إعلامية ضخمة، ويحقق نتائج ضئيلة لكنها منتظمة في السياسات الصحية للدولة. هناك ملف آخر مهم ليس لدينا إنتاج كاف فيه، لكننا نتصور أنه يشكل أولوية في هذه الفترة بالنسبة للمبادرة، وهو حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب، هذا ملف مهم ولا أحد يتناوله. هناك أشخاص كثر يتناولون جزءًا من الانتهاكات المرتبطة بالحرب على الإرهاب، كما تسميها الدولة، لكن لا أحد يتناوله كملف مكتمل يتضمن السياسات والخطاب والممارسات والانتهاكات. فهذا مثلًا عينة من الأشياء التي نتصور أننا يجب أن نستمر فيها ولو اضطررنا إلى التقليل من الملفات التي نتناولها. أما عملنا على الاقتصاد والفساد فأعتقد أنه إذا لم تقم به المبادرة من زاوية حقوق الإنسان؛ فإنه لا أحد سيفعله ولهذا سنحتفظ بهذا الملف، كقضية استرداد الأموال، والتعاقدات المهمة التي تؤثر في حياة الناس والتي فيها فساد، والموازنة العامة، وسياسات الدولة في تناول قضايا الفقر، وغيرها.

مدى مصر: كان لكم دور كبير في طرح أفكار واستراتيجيات جديدة لفكرة التنظيم والبناء المؤسسي والعمل الجماعي المغاير من خلال الثقافة المؤسساتية التي تطورت في المبادرة. برأيك إلى أي حد نجحتم في فرض ثقافة مؤسسية جديدة، وأين المجالات التي فشلتم فيها؟

جاسر: بشكل عام اتخذت المبادرة خطوات على مدى تاريخها مرتبطة بفكرة بناء المؤسسة ليس باعتبارها مؤسسة محلية، وبالتالي مقبول منها أن تكون جودة أعمالها أقل من مثيلاتها في الدول الغربية أو التي تعمل على مستوى دولي. جاء ذلك بالتوازي مع تطوير المبادرة داخليًا. عشنا فترة طويلة لا يوجد تأمين صحي للعاملين، والعقود ليست مسألة مهمة كثيرًا.

وكان جزء من العمل يعتمد بدرجة كبيرة على شخص الباحث، لم تكن هناك فكرة لربط العمل المتنوع جدًا ببعضه وجعله يصب كله في اتجاه دفع تحسين أوضاع حقوق الإنسان وتحسين الخطاب. وهذا شيء حاولنا فعله بشكل منظم بعد الثورة ونجحنا في جزء لا بأس به منه، وهو أنه كان لدينا تصور استراتيجي للمبادرة أغلبه لم يعد صالحًا بعد التغييرات السياسية الضخمة التي حصلت في السنة والنصف أو السنتين الأخريين، لكن على الأقل لدينا الآن خطة عمل واضحة وأشياء نصدرها مرتبطة بمدى قدرتنا على التأثير بلحظة صدورها.

كما كان لدينا مجلس أمناء في الفترة السابقة، واجتمع بانتظام شديد وبدأ يتخذ قرارات مصيرية حول مستقبل المؤسسة. بهذا المعنى، قمنا بنقلة مؤسسية مهمة أتصور أنها ستستمر ولدينا أمل بنقلة جديدة، أن تتحول المبادرة إلى منظمة عضوية كبيرة، وأن يحدث هذا نقلة في جمهور حركة حقوق الإنسان، بأن يكون هو الذي يصنع السياسات ويحدد التوجه الاستراتيجي للمنظمة ويختار مجلسها ويصرف عليها. إذا نجحنا في هذا سنكون قد أحدثنا نقلة جديدة في الحركة في غاية الأهمية.

مدى مصر: بالنسبة لتهويل الدولة حول التمويل الخارجي.. ما الخطاب الذي تتبناه في مواجهة هذه الاتهامات، من ناحية، ومن ناحية ثانية، بصرف النظر عن حملات التهويل هذه، ما حجم التفكير بشأن استدامة هذه المؤسسات عن طريق تمويل محلي ومشاركة شعبية وما إلى ذلك؟

جاسر: الجزء الخاص بموقف الدولة: كلنا نعرف أن مصر من أولها إلى آخرها دولة مموّلة، بمعنى أنه على مدى الخمس وثلاثين سنة الماضية، تأخذ مصر مليارات، كل سنة في مجالات عدة، منها وفي مقدمتها الجيش. وفي النصف الثاني من التسعينيات كانت مؤسسة “فورد” تمول وزارة الخارجية المصرية من أجل المفاوضات غير المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهذه نقود من مؤسسة أمريكية. بالتالي، الهجوم له هدف واحد، وهو الهجوم على العمل الذي تقوم به المنظمات. هناك عدد كبير جدًا من مؤسسات الأبحاث والمنظمات الدولية المرتبطة أو القريبة من النظام السياسي تُمَوَّل ولا يضايقها أحد، ووزراء التضامن على مدى سنوات يقولون نحن نوافق على منح محددة لعدد محدد قدره كذا من المنظمات، لكن من الذين لا يحصلون على موافقة بخصوص المنح، إنها المنظمات التي تنتج خطابًا أو تقارير رصد، كنقد ما للنظام السياسي أو للحكومة. لكن ردودنا وخطابنا فيما يتعلق بالتمويل عاجز عن أن يكون كافيًا ومريحًا لقطاع لا بأس به من جمهورنا، الناس متعاطفة مع ما نفعله. ولكن ما زال موضوع التمويل الأجنبي الكامل هذا غير مريح بالنسبة لهم. وهذا ينقلني إلى السؤال التالي؛ لأنهما مرتبطان ارتباطًا شديدًا. أتصور أنه لو بقي جزء وإن لم يكن ضخمًا جدًا من وجودنا وبقائنا مرتبطًا بتمويل مصري مع استمرار التمويل الأجنبي؛ فإن هذا سيحل جزءًا كبيرًا من المشكلة، وبالتالي، بعد الثورة كان هناك اهتمام من عدد أكبر من المصريين بالشأن العام واستعدادهم للانخراط به بشكل أو آخر، وأن يسهموا بأن تتحسن الأوضاع، لكن كل هذا في تراجع، لكنني لا أزال مصرًا على أنه تراجع محدود؛ فكل الفوضى التي حصلت في المجال السياسي في العامين السابقين من المفهوم أن تؤدي إلى التراجع، لكن في مصر هناك قطاعات واسعة جدًا ما زالت متعاطفة مع الشعارات التي طرحتها الثورة ولا تزال مهتمة بلعب دور، وأعتقد أننا ارتكبنا خطأ ضخمًا، وأقصد نفسي هنا بشكل خاص، إننا نفكر بالتوسع على مستويات مختلفة جغرافيًا وأيضًا في الموضوعات التي تتناولها المبادرة، لكن لم نتوسع في محاولة جذب تمويل محلي ومن مواطنين مصريين في الخارج. هذا خطأ ضخم، وأعتقد فيما يأتي هذا مدخل مهم لضمان استمرارية المنظمات وضمان أن الجمهور الذي يحميها يبقى أوسع بكثير من الجمهور الذي يحميها حاليًا.

مدى مصر: إن المجتمع المدني في مصر فيه عناصر كثيرة تشكله وشكلت تطوره على مدار الوقت، إلى أي حد برأيك الحركة الحقوقية لها ثقل في هذا التشكيل، خصوصًا أنه حتى اليوم هناك مسألة أن الحركة الحقوقية مبنية على منهج فكري لم يخلق أو يولد بالذات في هذا الجزء من العالم، والتي هي مسألة يدور حولها جدل كبير في الحركة الحقوقية في العالم كله؟

جاسر: برأيي أن المكونات التي تشكل المجتمع المدني المصري، موجودة أيضًا في أشكال ثانية كثيرة سياسية وإعلامية. المجموعات التي هي داخل الحركة في بداياتها كانت هي المجموعات الموجودة في التنظيمات الماركسية والناصرية المعارضة في ذلك الوقت. ليس بمعنى أن هذه المنظمات نشأت بالضرورة كي تبقى تنظيمات معارضة، لكن أغلب أفرادها كانوا سياسيين وإعلاميين وأكاديميين موجودين في الجامعات، ويكتبون في الصحف، وموجودين في أحزاب سياسية، وهذه الخلطة المشكلة لمجتمع مدني، بدرجة ما، لا تزال موجودة. لو نظرتِ إلى المجموعات التي تشتغل معنا، مثلًا الباحثين والمحامين، ستجدين أن أغلبهم منخرطون في أشكال أخرى من العمل العام. بهذا المعنى أتصور أن الحركة الحقوقية، والمكونات التي في داخلها والمكونات التي هي داخلها أيضًا من أحزاب وجامعات ومنظمات أخرى، شكلت وعيًا وأثّرت في الخطاب السياسي على مدى الأعوام السابقة، وفي صياغة شعارات يناير، وأقصد الشعارات في الشارع، والتي لم يكتبها أحد في مكان معين. كان هذا قريبًا جدًا من الخطاب الذي طرحتْه الحركة الحقوقية بمكوناتها على مدى ثلاثين سنة قبل الثورة، وأعتقد أن الحركة قادرة على مواصلة لعب هذا الدور رغم كل القيود.

 

*نُشر هذا الحوار للمرة الأولى في المجلة الصوتية الوضع.

اعلان
 
 
لينا عطاالله