Define your generation here. Generation What

الذات المتضخمة للمصريين

تروي لنا الميثولوجيا الإغريقية عن نركسوسشديد الجمالالذي عاقبته أفروديت لغروره بأن جعلته يفتتن بنفسه. في يوم خرج نركسوس لممارسة هوايته في الصيد ثم شعر بالعطش فتوجه إلى النهر ليشرب، و عندما رأى صورته المنعكسة على المياه تبادِله النظرات ظنّ أن حورية الماء قد شغفت به. هكذا ظلّ نركسوس يتردد على النهر ليلًا ونهارًا لمحاولة الإمساك بالحورية على صفحة الماء حتى مات من اليأس على ضفاف النهر . حزنت الآلهة على نركسوس فأعادته إلى الحياة في شكل أزهار جميلة تنبت بجانب الأنهار، اتفق الناس على تسميتها فيما بعد بـ “النرجس”. قام فرويد Freud باستخدام تلك الرواية في إنشاء مفهوم النرجسية في المدرسة التحليلية في الطب النفسي، و قد قامت الجمعية الأمريكية للطب النفسي بتصنيفه كاضطراب سلوكي في الشخصية[1].

***

لست من هواة متابعة الصُحف والتلفاز بحثًاَ عن الأخبار لقناعتي بأنه لا جديد تحت الشمس، لكن لا مفر من مواجهة خبر هنا أو هناك في أثناء محولات الهروب المتعددة. الأمر يزداد تعقيدًا حين تتمحور الأخبار حول الحديث عن الإنجازات المصرية التي تُبهر العالم[2]، وكأن العالم لا يفعل شيئًا سوى الوقوف في الشُرفة بالفانلة الداخلية البيضاء يدخن السجائر في انتظار مصر لتبهره. هناك حقيقة واضحة بالنسبة لي تكاد تصل إلى درجة الثوابت الكونية، وهي: إن المصريين لا يفعلون شيئًا في الحياة سوى مدح ذواتهم. لا أتحدث هنا عن الوعي الفردي، ولكن عن الوعي الجمعي، ويبدو أن الأمر يتعدى كونه ناشئًا عن الآلة الإعلامية البائسة التي تُخبرنا ليل نهار كم نحن عظماء[3]، الأمر أكبر من ذلك بكثير، إنه مُغرِق في القِدَم، يمكنك أن تراه على جدران المعابد الفرعونية، وفي خُطب يتامى دولة يوليو عن دور مصر المفقود، وعن “أن الدول الكبيرة تمرض ولكن لا تموت، وكأنّ التاريخ يخلو من الممالك والدول التي اندثرت كنُظم سياسية وإن تركت إرثّا إنسانيًا ضخمًا. المُعضلة الرئيسية أن الأمر لا يقتصر على الخطاب الرسمي- بأننا لدينا الكثير من المشكلات ولكن يجب أيضًا النظر إلى النصف الممتلئ من الكوب وأننا قد أنجزنا الكثير الفترة الماضية، لكنّه تعدى ذلك إلى الوعي الجمعي غير المُسيَس. مثلًا يمكننا تفٌهم أن ترفض السلطات الصحية في مصر الاعتراف بأن جهاز CCD لعلاج فيروس ما هو إلا وهمّ غير مبني على أيّ أسس علمية[4]، لكن المُرعب في الأمر أن تجد من العوام من يدافع عن الوهم بشراسة عجيبة، بل ويتّهمك بالخيانة والعمالة إن أبديت رأيًّا مخالفًا. ليس الأمر كما يبدو- ثقة عمياء في العقد الاجتماعى للدولة المصرية، بل هو حالة ممزوجة من عقدة استعلاء ونرجسية جماعية لا تمكننا ببساطة من الاعتراف بأننا دولة لم تقدم بالكاد أيّ شيء للحضارة البشرية لعشرات العقود، لذلك نلجأ إلى الآليات الدفاعية النفسية للهروب باختراع إنجازات وهمية (طالب ثانوي يحطم نظرية آينشتين، رواية هتلر وبونابارت عن الجيش المصرى.. إلخ)[5].

***

شوف جدودك في قبورهم ليل نهار

من جمودك كل عضمة بتستجار

صون أثارك ياللي دنست الآثار

دول فاتولك مجد وأنت فوت عار

بيرم التونسي

***

الحقيقة ليست من الأشياء الجيدة التي يود الكثير مِنّا مواجهتها لأنها غالبًا ما تكون قبيحة، من الأسهل دائمًا أن تدعي أن الأشياء لم تكن موجودة بدلًا من معالجتها. يبدو إذن أن الاستعلاء مُركَب أساسي في الشخصية المصرية المعاصرة. لا أحد يعترف بأيّ أخطاء أو كوارث-  على جميع المستويات بل ويلعنونك ليلًا ونهارًا إن جرُأت على تحطيم الأصنام التي يصنعوها. المصريون يستعلون على الآخرين بجميع أطيافهم، سيسخرون إمّا من لون جلدك أو شكل عينيك أو حجم فمك، إلخ. أذكُر أن صديقة لي من غينيا ذكرت لى كم أنها تكره مصر؛ لأن الأطفال يركضون وراءها في الشارع يرددون كلمة “شيكولاتة”!، يمكنك عزيزي المواطن ملاحظة ذلك ببساطة من طريقة تعامل المصريين مع السائحين، السائح الأبيض والخليجى هو حقيبة أموال متحركة ويجب عليك أن تسرقه بأيّ شكل مشروع أو غير مشروع، أمّا السائح الإفريقي/  أسيوي/ إلخ؛ فهو مادة جيدة للتسلية في زحام القاهرة. السخرية إذن ما هي إلاّ آلية دفاعية أخرى لمواجهة الإحباطات المتوالية؟

يمكنني تخيل فرويد وهو جالس في هدوء يدخن غليونه ومصر تجلس أمامه في صورة فلاحة مصرية (بريشة مصطفى حسين)، تُحدثه عن العالم الشرير الذي يتآمر عليها في الغرف المغلقة، وعن إنجازاتها التي ينتظرها العالم في لهفة، ثم تختم بمُعَلّقة عمرو بن كلثوم الشهيرة:

بِأَنَّـا المُطْعِمُـوْنَ إِذَا قَدَرْنَــا… وَأَنَّـا المُهْلِكُـوْنَ إِذَا ابْتُلِيْنَــا

وَأَنَّـا المَانِعُـوْنَ لِمَـا أَرَدْنَـا… وَأَنَّـا النَّـازِلُوْنَ بِحَيْثُ شِيْنَـا

وَأَنَّـا التَـارِكُوْنَ إِذَا سَخِطْنَـا… وَأَنَّـا الآخِـذُوْنَ إِذَا رَضِيْنَـا

وَأَنَّـا العَاصِمُـوْنَ إِذَا أُطِعْنَـا… وَأَنَّـا العَازِمُـوْنَ إِذَا عُصِيْنَـا

وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْـواً… وَيَشْـرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وَطِيْنَـا

مَـلأْنَا البَـرَّ حَتَّى ضَاقَ عَنَّـا… وَظَهرَ البَحْـرِ نَمْلَـؤُهُ سَفِيْنَـا

إِذَا بَلَـغَ الفِطَـامَ لَنَا صَبِـيٌّ … تَخِـرُّ لَهُ الجَبَـابِرُ سَاجِديْنَـا

يقوم فرويد بالنظر في التاريخ المَرضي للحالة الماثلة أمامه ثم يقوم بكتابة الآتي في خانة التشخيص: حالة متقدمة من النرجسيّة وتُعالج بالصدمات الكهربائية!

 


[1] http://www.halcyon.com/jmashmun/npd/dsm-iv.html

اعلان
 
 
شريف جمال سالم