Define your generation here. Generation What
الحركة الحقوقية المصرية: سلسلة من الحوارات مع المدافعين عن حقوق الإنسان
 
 

هذه مقدمة لسلسلة من الحوارات التي أجراها «مدى مصر» مع عدد من العاملين في مجال حقوق الإنسان في مصر، في محاولة لوضع إسهاماتهم ونضالهم، مع باقي المدافعين عن حقوق الإنسان، في السياق الأوسع لمحاولات الحقوقيين توسيع الفضاء السياسي المصري.

حينما نشرت الحكومة في الصيف الماضي تحذيرًا في الصحف القومية لمنظمات المجتمع المدني لتوفيق أوضاعها وفقًا لقانون الجمعيات الأهلية حتى تتجنب المساءلة القانونية، شعر الكثير من العاملين في هذه المنظمات أنهم مستهدفون. فالقانون الذي صدر عام 2002 محل انتقاد من المراقبين لكونه يعطي الدولة سيطرة محكمة على الجمعيات الأهلية، بالإضافة إلى العديد من القيود الأخرى.

بعد نشر هذا التحذير بوقت قليل، صدر تعديل على قانون العقوبات؛ حيث شدد العقوبات حال تلقي هذه المنظمات تمويلًا أجنبيًا ووسع دائرة توجيه الاتهام.

قررت بعض المنظمات تجميد أنشطتها، بينما قرر البعض الآخر الانتقال إلى دول أخرى أو تقليل أنشطته، في حين اتجهت منظمات أخرى لإيقاف نشاطاتها كلية. لكن كل هذه المحاذير أبدًا لم تكن الأولى التي يواجهها المجتمع المدني المصري، وبالأخص الحركة الحقوقية.

تسلسل زمني

معركة المجتمع:

معركة حقوق الإنسان في مصر لم تكن أبدًا وليدة اللحظة الراهنة؛ حيث قادت شخصيات تاريخية ومنظمات المعركة الحقوقية منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حينما بدأ مصطلح حقوق الإنسان في الظهور بالتدريج في الوعي الجمعي.

قياديو الحركة يتذكرون الأيقونة الحقوقية المحامي أحمد نبيل الهلالي، الذي لُقب بـ “قديس اليسار المصري”، والمنحدر من عائلة برجوازية، إذ شغل والده أحمد نجيب الهلالي منصب آخر رئيس وزراء للملك فاروق. أسس الهلالي الحركة الشيوعية المصرية ثم الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني ثم حزب الشعب الاشتراكي. كانت العدالة الاجتماعية همُّه الأول؛ حيث كان اهتمامه بقضايا العمال والفلاحين سببًا في اعتقاله مرتين إبان حكم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، قضى في الأولى خمس سنوات من الاعتقال بدءًا من عام 1959، ثم سُجن لمدة أربع سنوات أخرى في عام 1965.

كان كتابه “حرية الفكر والعقيدة: تلك هي القضية”.. دومًا المنارة التي استدل بنورها هؤلاء الذين ساروا على خطاه بعد ذلك. في أواخر الثمانينيات، دافع الهلالي عن الإسلاميين الذين تم القبض عليهم إبان حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك بعد مقتل الرئيس الراحل أنور السادات، بالإضافة إلى دفاعه عن عمال السكة الحديد الذين نظموا إضرابًا عن العمل عام 1986، وتمت محاكمتهم أمام محكمة أمن الدولة عليا طوارئ وتمت تبرئتهم. مثّل الهلالي أيضًا أهالي ضحايا “قطار الصعيد المحترق” في 2002، وقال حينها في مرافعته التاريخية: “الدولة هي المتهم الأول”.

كان تنوع القضايا التي عمل عليها الهلالي، هو المثال الذي سارت عليه الحركة الحقوقية المصرية في صراعاتها المختلفة في السنين التي تلت ذلك. كان الحقوقيان أحمد سيف الإسلام حمد وهشام مبارك خليفتي الهلالي في مشوار الحركة الحقوقية؛ حيث وضعا حجر الأساس لشبكة قوية من المنظمات الحقوقية التي دخلت مجال العمل المدني في مصر منذ بداية التسعينيات.

أسس مبارك في 1994 المنظمة الحقوقية الأولى المهتمة بشكل حصري بمتابعة حالة حقوق الإنسان في مصر، وسمّاها “مكتب المساعدة القانونية لحقوق الإنسان”. توفي مبارك عام 1998، تاركًا سيف الإسلام ليكمل المسيرة ليؤسس في عام 1999، مؤسسة حقوقية مهمة أخرى بهدف توفير المساعدة القانونية لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان. أصبح مركز هشام مبارك للقانون حجر ارتكاز للحركة الحقوقية المصرية؛ حيث أسس المركز فرعين له بالقاهرة وأسوان، وكان في مقدمة المعركة للدفاع عن حقوق المعتقلين السياسيين والمتظاهرين وضحايا التعذيب أيضًا. تعرض مقر المركز في وسط القاهرة للهجوم من قبل المخابرات المصرية، بالإضافة إلى مكاتب حقوقية أخرى خلال ثورة الخامس والعشرين من يناير.

ومن قبل مركز هشام مبارك كانت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان من أوائل المنظمات التي مأسست الحركة الحقوقية في عام 1985، وقد عملت بشكل أساسي على توثيق الانتهاكات الحقوقية. وقد أسسها لفيف من رواد الحركة الحقوقية ومنهم نجيب الهلالي وعايدة سيف الدولة وهاني شكرالله ومحمد السيد سعيد وغيرهم. 

في عام 1993، أسست أستاذة الطب النفسي بجامعة عين شمس عايدة سيف الدولة، مركز “النديم” لتأهيل ضحايا التعذيب لتقديم الدعم القانوني والنفسي لضحايا التعذيب والاستغلال الجنسي، بالإضافة إلى أي أشكال أخرى لانتهاكات حقوق الإنسان. في 2001، قال المركز: إن معدلات العنف الجنسي في تزايد. مما دفع إدارة المركز لإنشاء وحدة خاصة للتعامل مع ضحايا العنف الجنسي والمنزلي.

بشكل مماثل، تم تأسيس جمعية حقوق الإنسان لمساعدة السجناء في 1998، للعمل من أجل تحسين ظروف السجناء في المؤسسات العقابية؛ حيث كانت قضية التعذيب على يد جهاز الشرطة أهم القضايا التي عملت عليها الجمعية والحركة الحقوقية جمعاء فيما بعد.

وفي عام 1993، وباهتمام إقليمي، تأسس مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان. وقد اهتم المركز بحملات المناصرة المبنية على البحث من أجل تغيير السياسات والقوانين وتقريبها من معاهدات وقوانين حقوق الإنسان الدولية. ويتمتع المركز بوضع استشاري خاص في المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة، وصفة المراقب في اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب. المركز عضو في الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان، والشبكة الدولية لتبادل المعلومات حول حرية الرأي والتعبير (ايفكس). وحاصل على جائزة الجمهورية الفرنسية لحقوق الإنسان لعام 2007.

في 2002، بدأت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية العمل في مجال مكافحة الانتهاكات الحقوقية في مجال الحقوق الشخصية، بالذات في مجالي الحريات الجنسية والدينية. أسس المبادرة الحقوقي حسام بهجت، الذي كان وقتها خريجًا جديدًا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. في هذا الوقت، اقترض بهجت من سيف الإسلام مبلغًا قيمته خمسة آلاف جنيه لتأسيس مكتب المبادرة، التي تطورت الآن وأصبحت رائدة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، بتوسيع مجال العمل على القضايا الحقوقية وتنوع وسائل الضغط التي استخدمتها الحركة.

في 2004، تم تأسيس الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان على يد المحامي الحقوقي جمال عيد، للعمل على مواجهة انتهاكات في مجال حرية الفكر والتعبير في مصر والعالم العربي. أيضًا تم تأسيس مؤسسة حرية الفكر والتعبير في 2006، بهدف دعم حرية الوصول إلى المعلومات وإتاحتها، وحرية الإنترنت، والحريات الأكاديمية، بالإضافة إلى حرية الإعلام والإبداع الفني.

كان للحركة النسوية أيضًا نصيبها من نضال الحركة الحقوقية المصرية؛ حيث أسست الناشطة النسوية مزن حسن مركز “نظرة” للدراسات النسوية، لدعم خطاب نسوي جديد في مصر من خلال خلق المعرفة بالقضايا النسوية القائمة على البحث في قضايا حقوق المرأة، من خلال تنظيم مدارس نسوية للتوعية بالنظريات النسوية وتاريخ النضال النسوي.

قبيل إنشاء “نظرة”، تم تأسيس مؤسسة المرأة الجديدة ورابطة المرأة العربية في 1986، عن طريق ناشطات من جيل السبعينيات مثل: فاطمة خفاجة وهدى بدران وأمل عبد الهادي. في عام 1995 تم تأسيس مركز “قضايا المرأة المصرية لتقديم المساعدة القانونية للنساء ضحايا العنف الجنسي من ضمن مهام وأدوار أخرى عدة.

في 2008، وبعد اندلاع شرارة احتجاجات عمال المحلة بسبب الأجور غير العادلة والمظاهرات المصاحبة للاحتجاجات، تم تأسيس جبهة الدفاع عن متظاهري مصر، التي ضمت منظمات حقوقية ونشطاء حقوقيين مستقلين من أجل الدفاع عن حق التظاهر والتجمع السلمي.

في عام 2008، مع استمرار سياسات الخصخصة التي طبقتها الطبقة الحاكمة النيوليبرالية إبان حكم مبارك، أسس المحامي الحقوقي خالد علي المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بضم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لحزمة الحقوق التي تعمل من أجل دعمها الحركة الحقوقية المصرية. خاض المركز معركة قانونية ضارية من أجل كشف الفساد المستشري في صفقات خصخصة الشركات والمصانع المملوكة للدولة، مثل: عمر أفندي، شركة غزل القطن وشركات ومصانع أخرى. ربح المركز العديد من هذه المعارك حينما نجح في إصدار أحكام قضائية بعودة الكثير من هذه الشركات إلى القطاع العام.  كان الحكم القضائي ببطلان بيع أرض مدينتي لرجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، أحد أكبر انتصارات المركز في قضايا الحقوق الاقتصادية والاجتماعية؛ حيث كشف المركز عن بيع أراضٍ مملوكة للدولة إلى رجل الأعمال بثمن بخس لبناء المجمع السكني الترفيهي. من خلال المركز، نجح علي أيضًا في انتزاع حكم قضائي لإلزام الحكومة بوضع حد أدنى للأجور للعاملين بالدولة.

سيطرة الدولة:

مثلما تأسست المنظمات الحقوقية الواحدة تلو الأخرى، كانت القوانين المنظمة لعمل المجتمع المدني يتم إصدارها الواحد تلو الآخر كأداة تقليدية بيد الأنظمة السياسية المتعاقبة للسيطرة على الحركة الحقوقية. نسخ مختلفة من قانون المنظمات الأهلية تم تمريرها على مدار التاريخ كدليل على هجمة الدولة للسيطرة على المجال الذي خلقته الحركة الحقوقية أكثر من تنظيم العلاقة من الدولة وهذه المنظمات. لكن تم استخدام الدعاوى القضائية أيضًا كطريقة للسيطرة على قوة الحركة.

قانون رقم 32 لسنة 1964:

كان هذا القانون شكل من الأشكال الكثيرة لسيطرة الدولة على المجال العام خلال حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. منع القانون منظمات المجتمع المدني من العمل في القضايا الدينية والسياسية، وشكل هيئة رقابية حكومية للإشراف على أنشطة المنظمات ومراقبة تمويلها. أعطى القانون الدولة قوة حل المنظمات في حال عدم إبلاغ الهيئة بأعضاء المنظمات الأهلية، وهيئتها التنفيذية ومقر المنظمات. وضع القانون قيودًا عدة على التمويل الأجنبي.

قانون 153 لسنة 1999:

استمر قانون نظام عبد الناصر في تقييد المجتمع المدني المصري حتى عام 1999، حينما استجابت الحكومة لضغوط دولية ومحلية لإلغاء القانون، مما دفعها لإصدار قانون رقم 153 لسنة 1999 الذي استمر لسنوات عدة فقط بعد الحكم بعدم دستوريته. قالت المنظمات الحقوقية وقتها إن القانون هو إعادة إنتاج لقانون عبد الناصر، بينما رأت المنظمات الدولية أن القانون الجديد غير كافٍ لضمان استقلال المجتمع المدني في مصر. المحكمة الدستورية رأت أن القانون يتعارض مع ضمانات دستورية بحفظ الحق في التنظيم وتكوين الجمعيات.

قانون رقم 84 لسنة 2002:

في بداية الألفية الجديدة التي تميزت بصعود طبقة رجال الأعمال المقربة من جمال مبارك، ابن الرئيس الأسبق ووريثه المتوقع للحكم وقتها، خاض المجتمع المدني أيضا صراعًا استهدف النيل من استقلاله عقب تمرير قانون رقم 84 لسنة 2002. اشتد الصراع حينما عملت المنظمات الحقوقية على مواجهة عنف جهاز الشرطة، والتعذيب، وإهدار الحقوق الاقتصادية والاجتماعية منضمة بذلك لجموع المعارضين لمبارك ونظامه.

فرض القانون عقوبات سجن صارمة على المنظمات العاملة في المجتمع المدني من دون إذن مسبق، مع إعطاء الحكومة سلطة حل الجمعيات. وحظر القانون أيضًا العمل في أي نشاط سياسي أو نقابي. اضطرت الكثير من المنظمات، وفي مقدمتها المنظمات الحقوقية، لتسجيل أنفسها كمكاتب محاماة لتفادي الوقوع تحت طائلة القانون.

اتخذ الصراع بين الحكومة والحركة الحقوقية منحى مختلفًا بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير؛ حيث منحت وزارة التضامن الاجتماعي في صيف 2014– عبر إعلان نُشر في جريدة الأهرام- مهلة زمنية لكل مؤسسات المجتمع المدني لتوفيق أوضاعها طبقًا للقانون أو مواجهة خطر الغلق في حال عدم الانصياع للقانون.

كان للمهلة الزمنية الجديدة تأثير كبير على مجتمع الحركة الحقوقية في مصر؛ حيث اضطر بعض المدافعين عن حقوق الإنسان إلى السفر خارج البلاد، بينما اضطرت بعض المنظمات الدولية إنهاء أعمالها في القاهرة. قرر مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان أن ينقل وحدته الإقليمية والدولية خارج مصر.

قانون جديد في طور الإعداد:

في الوقت نفسه، أعدت الحكومة مشروع قانون جديد لتنظيم عمل منظمات المجتمع المدني، من المزمع أن يفرض قيودًا أكبر على المجتمع المدني. وهو مشروع القانون الذي تنتقده المنظمات الحقوقية لتعارضه مع الحقوق التي تم انتزاعها في الدستور المصري عام 2014، الذي ينص على أن تكوين الجمعيات يكون من خلال الإخطار فقط، كما يحظر تدخل الحكومة في أعمال المنظمات. يمنع الدستور المنظمات فقط من العمل في أعمال عسكرية أو شبه عسكرية.

المشروع الجديد، على العكس من ذلك، ينص على تكوين الجمعيات عن طريق التسجيل، ما يضع المنظمات المدنية تحت طائلة السلطة الإدارية. التدخل الإداري في عمل المنظمات يبدو جليًا أيضًا في آليات عمل لجنة التنسيق التي تعطي ممثلين من وزارة الداخلية والأمن الوطني مقعدًا في اجتماعات هيئات كل المنظمات. وتتمتع اللجنة بسلطات واسعة في الاعتراض على تمويل المنظمات الأهلية للسيطرة على نشاطات الجمعيات، كما يمكنها أيضًا رفض تعيين أعضاء الهيئات الإدارية للمنظمات والاعتراض على القرارات التي يصدرونها.

المشروع الجديد يفرض أيضًا تضييقات فوق دستورية على عمل المنظمات الأهلية مثل العمل على زعزعة الأمن العام والأخلاق العامة، والاشتراك في نشاط سياسي أو الشروع في العمل الميداني دون إذن مسبق.

على مدار الأسابيع المقبلة، سينشر «مدى مصر» سلسلة من اللقاءات مع عدد من المدافعين عن حقوق الإنسان لإلقاء نظرة أقرب على النضال الحقوقي المصري والمشهد الحقوقي المصري بشكل أفضل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Gasser Abdel Razek

Gasser Abdel Razek

 

Emad Mubarak

Emad Mubarak

Nadeem Mansour

Nadeem Mansour

Amr Ezzat

Amr Ezzat

Yasmine Hossam al-Din

Yasmine Hossam al-Din

Gamal Eid

Gamal Eid

Dalia Abdel Hameed

Dalia Abdel Hameed

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*تم تعديل وإضافة بعض معلومات وبيانات هذا المحتوى بعد مراجعات مع عدد من قرائنا من العاملين في مجال حقوق الإنسان والمهتمين بالوضع الحقوقي في مصر.

اعلان
 
 
مي شمس الدين