Define your generation here. Generation What
من يُبعثر التراث؟!
 
 

يحكي المسلسل الكوميدي الكويتي الشهير “درب الزلق” الذي عرض في السبعينيات حكاية حسين، حارس العقار الذي يصبح من الأثرياء نتيجة شراء الحكومة منزله أثناء فترة تثمين المنازل التي تلت اكتشاف البترول وتأميمه. يتعثر حسين ما بين خطة تلو الأخرى للثراء السريع إلى أن يصاب بانهيار عصبي، وينصحه طبيبه النفسي بالذهاب في إجازة إلى مصر ليبتعد عن كل ما حدث.

في مصر يتعرف على رجل أعمال مريب يقنعه بشراء أهرامات الجيزة زاعمًا أن ملكيتها تعود إلى شركته. ورغم توسلات أخيه ليكتفي بشراء هرم واحد في البداية على سبيل التجربة، إلا أن حسين يصر بشكل كوميدي على شراء الثلاثة. بعد قراءتي لمقال نرمين خفاجي “أسطوانات مصر القديمة: بين هوس الاقتناء وتبعثر التراث” وجدت نفس التنميط الهزلي موجودًا في مقال كان من المفترض أن يكون تحقيقًا صحافيًا مستفيضا.

رغم أن المقال حاول تخفيف تصوره المتعالي عن جامعي الأسطوانات من الخليج؛ بالاعتراف بأننا قد لا نكون جميعنا على هذا القدر من السوء، وأن بعضنا مطلع على الموسيقى بالفعل، إلا أن الصورة العامة كانت سلبية للغاية. واقترن ذلك بملخص عن تاريخ التسجيلات في العالم العربي يسقط بالكامل تاريخ التسجيلات الغني في الخليج والعراق، وكأن النيل وحده النهر العربي الأهم وكأن الثقافة العربية لم تزدهر إلا على ضفتيه. في حين جاءت النسخة العربية على قدر كبير من السوء، تفوقت عليها الترجمة الإنجليزية في نبرتها المعادية بشكل مباشر، حيث ترجمت جملة “أثرياء الخليج” إلى الإنجليزية لتصبح “Gulfie moneybags” (زكائب المال الخليجية).

اعتمد النصف الثاني من المقال بشكل كبير على الاستشهاد بتجار الأسطوانات والأنتيكات (وأينما ذهبت سوف تجد هؤلاء كثيري الكلام مستبدين برأيهم، ودائمًا ما يعينون أنفسهم كخبراء)، لكن النصف الأول جاء مستشهدًا ومرددًا لحديث المؤرخ الموسيقي فريديريك لاجرنج في البرنامج الإذاعي “من التاريخ”، من إنتاج مؤسسة الشارقة للفنون، وهو برنامج يتم بالتعاون مع مؤسسة التّوثيق والبحث في الموسيقى العربية. يلى ذلك الحوار ببضعة حلقات حوار آخر مع الموسيقي الكويتي والباحث في مجال الموسيقي أحمد الصالحي.

يلقي هذا الحوار ضوءًا تثقيفيًا في هذا الصدد من خلال تحويله محور الاهتمام من القاهرة إلى بغداد، المدينة التي شكلت مركزًا تاريخيًا للموسيقيين العرب وشركات التسجيل. ويسلط هذا التحول في المنظور الضوء على الطبيعة غير المركزية لتسجيلات الموسيقى الشرقية، كما يقدم لنا واحدة من الروايات التاريخية البديلة التي تم تجاهلها في مقال نرمين خفاجي.

يروي الصالحي كيف تم تسجيل أولى الأسطوانات الكويتية المعروفة في الفترة ما بين 1912 و1915، عندما جاء رجل من الزبير بالعراق ومعه كباية إديسون/جهاز تسجيل أسطوانات ووضعه في مقهى افتتحه حديثًا لجذب الزبائن. لكن ولي العهد المتدين سليم الصباح تخوف من تلك التكنولوجيا الحديثة وقام بنفي الرجل إلى البحرين، حيث يزعم بعض رجال الدولة القدامى أنهم قد استمعوا إلى الاسطوانات المفقودة الآن مع الأسف.

ويقول الصالحي إن فترة التسجيل التجاري في الكويت بدأت عندما كان حسن درسة، ممثل شركة “بيضافون” في جنوب مدينة البصرة العراقية، يبحث عن أصوات جديدة في المنطقة عام 1927. وبعد ما أجرى مسحًا للمواهب في جنوب العراق واكتشف مطربين عراقيين ذوي أهمية تاريخية كبيرة، مثل حضيري بو عزيز وناصر حكيم وداخل حسان ومسعود عمارتلي، اتجه إلى الكويت.

ويقال إنه قابل في الكويت العديد من المطربين الشباب، لكن أغلبهم رفض التسجيل لأسباب دينية، ولأنهم لم يشعروا بالراحة لفكرة عزل صوتهم عن جسدهم. كما قابل درسة أيضًا الموسيقي يوسف البكر، الذي رفض بسبب إصرار بيضافون على أن يصاحبه عازف على العود، في حين أنه كان يفضل أن يعزف بنفسه، وكذلك صالح عبد الرازق النقي، وهو لم يسجل مع الشركة سوى مجموعة واحدة وتوقف بعدها، على الأرجح لأنه كان تاجرًا ولا يرغب في الاستمرار في تسجيل الموسيقى. أما الذين وافقوا على التسجيل فقد أصبح لهم مستقبل مديد في موسيقى التسجيلات، مثل عبد اللطيف الكويتي وصالح عزرا الكويتي وداوود الكويتي وسعود المخايطة، ولقد شكلوا سوية مجموعة مكونة من مغنٍ وعازف كمان وعازف عود وعازف مرواس، والمرواس آلة إيقاعية صغيرة تمسك باليد معروفة بالخليج.

في عام 1928 قام عبد اللطيف الكويتي بتسجيل سلسلة من الأسطوانات مع شركة أوديون في بغداد، حيث تمت إضافة آلة القانون إلى المجموعة الأصلية ليعزف عليها الموسيقي العراقي صيون كوهين. ونظرًا لما لاقته المجموعة من شعبية عرض على عبد اللطيف تسجيل المزيد من الأسطوانات. وافق عبد اللطيف وذهب هذه المرة إلى القاهرة في عام 1929، حيث قامت شركة أوديون بنقل جهاز التسجيل الخاص بها إلى هناك بعد جلسات بغداد. سجل عبد اللطيف في القاهرة سلسلة من التسجيلات، كان معظمها يندرج تحت فن الصوت وفنون كويتية أخرى، وصاحبه على العود العازف محمود الكويتي وعازف الكمان الماهر الأسطوري سامي الشوا، وقد تبنى الأخير في تأويله لموسيقى الصوت أسلوبًا مختلفًا مع احتفاظه بسمات عزفه الشخصية المميزة.

في تلك الفترة كانت شركة “بيضافون” تبحث عن المواهب في البحرين، حيث قاموا بمقابلة مطربي فن الصوت محمد فارس ومحمد زويد. كان من المفترض أن يسافر الاثنان إلى برلين للتسجيل، لكن فارس رفض ولم يبق مع الشركة سوى زويد، الذي أخذوه إلى بغداد ليقابل داوود وصالح الكويتي، وهناك سجل سلسلة من الأسطوانات.أنصح أي شخص يرغب في معرفة المزيد عن التسجيلات في تلك الفترة في بغداد بالاطلاع على هذه المجموعة الرائعة لشركة الأسطوانات البريطانية أونست جون التي تجمع مواد من تلك الفترة تمت معالجتها بشكل مذهل: “أعطني حبًا: أغاني القلوب الجريحة”، وتحتوي على العديد من الفنانين الذين يتطرق إليهم صالح. تضم الأسطوانة 20 أغنية من أرشيف شركة “جرامافون”، ويقال إن ذلك الأرشيف يحتوي على ما يقرب من 1000 تسجيل من هذه الفترة من الخليج والعراق.

وكما يشير الصالحي في النصف الثاني من الحوار، تأثرت الموسيقى بشدة في كل من مصر والكويت بسبب الأسطوانات الواردة حديثًا، لأن جلسة الموسيقى التقليدية عادة ما كانت تستمر لساعات، بينما لم تستطع الأسطوانة تسجيل أكثر من 20 دقيقة. وهكذا تم تفكيك الفصل في أغاني البحر الكويتية وكذلك الوصلة في مصر والشام إلى أغانٍ قائمة بذاتها بدلًا من عزفها بالترتيب الصحيح. يشتغل الصالحي في المجال الموسيقي كفنان صوت وفن (وما زال هذا التراث حيًا ومزدهرًا بالكويت)، كما يعمل مع فرقته “أوكسفورد مقام” على إحياء الموسيقى العربية من مطلع القرن الماضي وعزفها دون التوزيع الموسيقي الثابت والتقسيم اللذين ميزا شكلها.

لا يفي هذا الملخص القصير حق ما يقدمه الصالحي من معلومات ثرية في حديثه بالحلقتين. وخلالهما يقوم أيضًا بتشغيل بعض من الأسطوانات التي يتحدث عنها، وجميعها يتميز بأداء عذب نقي يحافظ على سحرها. ولكم أتمنى لو كان لدي نفس قدر معرفة الصالحي الموسيقية (ومجموعة أسطواناته)، وهو أقدر مني بكثير على كتابة هذا الرد، لكن تناولي للأسطوانات ينبع من اهتمامي بالحداثة العربية، خصوصًا كيف شهدت تلك الفترة تعاونًا بين الدول العربية على الصعيدين الرسمي والتجاري. فقد تميزت تلك الفترة حسب وصف إدوارد سعيد بمحاولة من قبل الكتاب العرب لخلق العرب ثقافيًا كأمة، وأرى أن هذا الوصف ينعكس أيضًا على شامل أطياف الإنتاج الثقافي، مع الأخذ في الاعتبار أن ممارسي فنون الموسيقى والمسرح قد بذلوا مجهودًا هائلًا لتضمين الأشكال الشعبية في الهوية العربية الأشمل. سوف أسرد هنا الصلات ما بين مصر والكويت تحديدًا لهذا الغرض، حيث تتضمن بعض علامات شهيرة من شأنها تبديد القوالب النمطية الموجودة في مقال خفاجي.

تأسست مجلة البعثة، أول مجلة كويتية حديثة، على يد أول مجموعة من الطلبة الكويتيين جاؤوا للدراسة في مصر عام 1946. وفي الستينيات كان المخرج الكويتي صقر الرشود حريصًا على معالجة المسرحيات المكتوبة بالعربية القياسية بالإضافة إلى العروض القائمة على مادة الكويتية، وكان أشهرها مسرحية ألفريد فرج “على جناح التبريزي وتابعه قفة” (1969). واعترف فرج أن معالجة رشود كانت نسخته المفضلة لتلك المسرحية التاريخية، لأنها نجحت في دمج التراث الشعبي بالثقافة، حيث قدمت الموسيقى الكويتية الشعبية بشكل طبيعي في مشاهد المقدمة والخاتمة.

كما نجد أيضًا موسيقيين وملحنين كويتيين مثل عبد الحميد السيد وسعود الراشد وعوض الدوخي قد أسسوا مشروعًا لتحديث الموسيقى الكويتية من خلال مزج الأشكال الشعبية التراثية بالتوزيعات الموسيقية من عصر عبد الوهاب، ما أثار حنق المتمسكين بالتراث وإعجاب الجمهور، حيث كان الأخير يستمع إلى أم كلثوم وإلى الموسيقى الشعبية دون الشعور بأي تناقض. في عام 1958 قام الراشد بزيارة القاهرة حيث سجل سلسلة من خمس أسطوانات. وأثناء رحلته هذه عمل مع موسيقيين مصريين ودعا العديد منهم إلى الكويت ليشكل الأوركسترا الكويتية المصرية بقيادة نجيب رزق الله.

قام السيد بتلحين أغنية “يا هلي”، التي كتبت بالتزامن مع زيارة عبد الحليم حافظ للكويت عام 1965. ولقد غناها عبد الحليم حافظ في أدائه الشهير على التلفزيون الكويتي. كما قام محمد منير في وقت قريب بغناء نسخة من الأغنية في أداء متجاوز.

أكثر ما يوضح المفارقة ويثير الاهتمام في تلك الفترة (الخمسينيات والستينيات والسبعينيات) أنها كانت بداية رسم معالم الطريق إلى الشكل التجاري الحداثي للإنتاج الموسيقي الذي ترسخ بعدها، ومع ذلك صارت الأسطوانات من اختصاص تجار الأنتيكات في العالم العربي. فنجد الآن الأسطوانات التي كانت علامة على الحداثة مكسوة بالأتربة إلى جوار النسخ المقلدة الرخصية وصور الأبيض والأسود. يحدث ذلك في وقت تعود فيه الأسطوانات كوسيط على مستوى العالم، مع انتشار فرص الشراء على الإنترنت ومواقع البيع مثل إيباي وdiscogs.com، بالإضافة إلى مبادرات غربية مثل يوم بيع الأسطوانات السنوي.

تعد فترة الحداثة مثيرة للاهتمام أيضًا بسبب عدد شركات الأسطوانات التي ظهرت في ذلك الحين لتصدر بعض الأسطوانات وتختفي بعدها، حيث كانت تتنافس مع أشكال الاحتكار التجارية وغير التجارية لتوزيع الموسيقى، وكذلك تأسيس كبرى دور النشر والتسجيل، مثل “صوت القاهرة” في مصر، و”أعمال بارلوفون” في لبنان، و”بو زيد فون” في الكويت.

أشتري بعض الأسطوانات كلما سافرت، ولقد حصلت أثناء رحلتي إلى مصر في الصيف الماضي على مجموعة من الأسطوانات التي أثمنها وأستمع إليها بانتظام. لقد كانت أغنية “قارئة الفنجان” لعبد الحليم من الأغاني التي يعزفها والدي على العود عندما كنت طفلًا، وعندما شغلت له أسطوانة الأغنية أضاء وجهه من الفرحة. رغم أن مجموعة الأدوار والموشحات التي تؤديها فرقة الموسيقى العربية تجسد شكل التوزيع الموسيقي الذي تسبب في القضاء على تلك الأشكال في مسامع العديد من الناس، إلا أنها تؤدى بمهارة وصرامة شبه ميكانيكية- وهذا ما جعلها وسيلة جيدة لتقديم تلك الأنواع الفنية إلى الناس. من الأسطوانات المفضلة لدي الأعمال التي قام زكريا الحجاوي بتوزيعها، وهو أحد القائمين على إحياء الأشكال الشعبية المصرية وقد انتقل ليعيش في قطر، كما قام أيضًا بالعمل على الموسيقى الشعبية الخليجية- وفيها نجد موسيقى شعبية من النوبة بتوزيع طبول موسيقى الروك آند رول، وأغانٍ شعبية من المنصورة تصاحبها إيقاعات ضخمة مربكة وأصوات ترومبيت متلوية.

وأكثر ما أثار اهتمامي كانت أسطوانة وجدتها في صندوق يعلوه الغبار في “صوت القاهرة” لسعود الراشد وعبد الحميد السيد- تحتوي على تسجيل عظيم لكورال كويتي قد تأثر بشكل واضح بالموسيقى المصرية، ويقال إنها سجلت في الكويت وقامت شركة “موريفون” المصرية بتوزيعها في مصر، وهي شركة أسسها في بداية الستينيات المنتج موريس إسكندر. أما إذا كان شرائي لتلك الأسطوانات يجعلني نسخة من الدرجة الثالثة من الوليد بن طلال فهذا ما لا أستطيع التعليق عليه.

اعلان