Define your generation here. Generation What

المنسيون في الأعياد – الجزء الأول

كلما أتت مناسبة ما كالأعياد سواء للمسيحيين أو المسلمين، إلا وأتذكر العائلات التي حرمت من وجود أحد أفرادها سواء بسبب السجن أو الاستشهاد، كما أتذكر وبشدة العمال الذين فصلوا تعسفيًا وحرموا من أجورهم. ولا أستطيع أن أعرف كيف تعيش هذه العائلات من دون أي دخل ليس لمدة أشهر، بل لمدة سنوات؟ وفي الكثير من الأحيان لا أجرؤ على سؤالهم هذا السؤال، وأنا لا أستطيع مساعدتهم. خصوصًا أن هؤلاء قيادات عمالية مناضلة كلما ذهبوا للتقدم إلى عمل في إحدى الشركات قيل لهم: ألستم عمال شركة كذا؟.. أنتم مشاغبون وقد قمتم باعتصامات وإضرابات لذا لن نشغلكم.

طبعًا أثناء الطريق الطويل لنضال هؤلاء القادة الحقيقيين للعمال- خصوصًا عندما لا يجدون أية استجابة لا من الحكومة ولا أصحاب الأعمال، حتي القوي السياسية لا تهتم بهم تقريبًا، اللهم إلا القوي صغيرة الحجم والتي لا يمثل فضحها لما يحدث لهم، وتعرية انحياز الحكومة والنقابات الصفراء- بتاع الحكومة- الفج لأصحاب الأعمال ضد العمال وقياداتهم الحقيقية المناضلة، ضغط يستطيع أن يوقف هذه السياسات القمعية- الكثير منهم يحبط ويكف عن المطالبة بحقه، حتي إن منهم من يقدم على الانتحار من شدة يأسه. ولكن هناك أيضًا الكثير من هذه القيادات الذين يستمرون في تحديهم لهذا النظام بحكومته ورجال أعماله وبيروقراطيته المتعفنة، وكذلك بمعارضته الشكلية المزيفة. يظلون يناضلون سنوات يقوي من عزيمتهم إيمانهم بحقهم في العمل والأجر العادل، وبحقهم في الدفاع عن زملائهم، وكذلك بحق أبنائهم في مستقبل أفضل.

لهؤلاء أقول ما أضعفنا بجانب قوة عزيمتكم، وصلابتكم رغم أن ما تتعرضون له لا يتحمله أحد، لذا سوف أكتب هذا المقال عن هؤلاء الأبطال، لأقول لهم لو لم أستطع من خلال مؤازرتي الضعيفة لكم كلما أمكنني ذلك، فعلى الأقل أعطيكم حقكم في أن يعرف بعض الناس قدركم، وكيف أنكم الأبطال الحقيقيون الذين بفضلكم سيكتمل طريق الحرية والتحرر  واسترداد الحقوق، طريق الثورة.

سوف أبدأ قصص هؤلاء العظماء بـ محمد زكي، زميلنا في شركة “بتروتريد”، والذي تم القبض عليه ليلًا من بيته يوم 26 فبراير 2015، ولا يزال محبوسًا حتي الآن بتهم باطلة أبرزها حيازة منشورات والانتماء لجماعة إرهابية. علما بأن محمد زكي كان بيننا من ضمن المحتجين ضد كل السلطات في كل العهود بما فيها عهد الإخوان المسلمين، بعد أن اكتشف كذبهم وخذلانهم للعمال الذين ذهبوا إليهم في مجلس الشعب وقتها لتقديم مطالبهم بالعودة إلى أعمالهم هم وزملاؤهم من “بتروجت” وبقية المفصولين، ولم يقوموا بواجبهم تجاههم. ثم ذهبوا محتجين سواء أمام مجلس الشعب أو أمام وزارة البترول أو أمام الاتحادية رافعين المطالب نفسها.

محمد زكي كان يعمل في شركة “بتروتريد” منذ نهاية عام 2002، وفي عام 2009، اكتشف أن هناك تمييزًا بينهم وبين من يملكون الوسائط بالشركة؛ حيث وجد من تم تعيينهم بعده، وهم يتقاضون رواتب وحوافز وبدلات ضعف ما يتقاضي، وذلك من خلال وجود أكثر من لائحة بالشركة، تعطي مميزات لجزء من العمال، وتحرم بقية العمالة من المميزات نفسها.

لذا قرر محمد زكي والكثير من زملائه مقاومة هذا الظلم، فقاموا برفع قضية يطالبون فيها بالمساواة بين جميع العاملين، فما كان من إدارة الشركة- التي كانت تتعدي على حقوق العاملين فيها، وتفصلهم دون وجه حق، فمن يذهب لأداء الخدمة العسكرية يفصل؛ لأنهم يعتبرونه متغيبًا عن العمل ويطبقون عليه القانون في هذه الحالة، ومن يمرض ويتقدم بإجازة مرضية لا تُعتمد ويعتبر غائبًا ويفصل، حتى من حدثت له إصابة في العمل، أو من يدخلون لعمل عملية قلب مفتوح، تمارس معه السياسة نفسها، حتي وصل عدد من انتهت علاقة عملهم بالشركة في أقل من عشر سنوات أكثر من 2000 عامل- إلا أن قامت بفصل كل من رفع قضية أو قدم طلب تسويته بزملاء له على الدرجة نفسها أو المؤهل نفسه.

بدأت موجة من الاحتجاجات في كل مواقع العمل من طنطا للمحلة للقليوبية لأمام وزارة البترول.. واستمرت هذه الموجة حتي نهاية عام 2014، للمطالبة بالمساواة وتوحيد اللوائح، وأضيف مطلب عودة العمال المفصولين.

وبدأت المساومات من قبل إدارة الشركة للعمال؛ فطلبت منهم التنازل عن القضايا التي رفعوها، وعدم المطالبة بحقهم في المساواة مقابل عودتهم للعمل، وطبعًا مع الضغوط انسحب عدد كبير من رفاق محمد زكي في المعركة وتركوه وعددًا قليلًا من زملائه، وأثناء استكمالهم للمعركة انضم إليه في السنوات التالية عدد من المفصولين لأسباب أخري مثل من فُصل بسبب أدائه الخدمة العسكرية، أو المرض أو أي سبب آخر.

في السنوات الأولى بعد إزاحة مبارك حيث الزخم الثوري وزخم الحركة العمالية، وصل عمال “بتروتريد” مثل عمال “بتروجت” وعمال كُثر، إلى موافقات وتأشيرات وزراء للبترول ورئيس مجلس الوزراء وغيرهم على إعادتهم إلى أعمالهم، ولكنها ظلت حبرًا على ورق (فيما عدا عودة 25 ممن فصلوا بسبب ذهابهم إلى أداء الخدمة العسكرية بعد أحد الاحتجاجات)، وفي هذه الرحلة كان محمد زكي كقيادة يقابل العديد من المسئولين، وعرض عليه أن يعود إلى عمله ولا يتمسك بعودة زملائه إلى العمل.. ولكنه رفض.

عبر رحلة الست سنوات الماضية، كشف محمد زكي كل الوشوش الكاذبة؛ فكشف كذب النقابة العامة للبترول والاتحاد الأصفر التابعة له، وكيف أنهم بعدما كسب زميل لهم قضيته، وحكمت المحكمة له بالعودة إلى العمل، تدخل الاتحاد بالاتفاق مع إدارة الشركة بإرسال مخاطبة إلى المحكمة بأنه ليس نقابيًا- على الرغم من أنه لديه مخاطبة سابقة وقّع عليها الأشخاص أنفسهم أثناء حكم الإخوان تقول بأنه نقابي-، وذلك حتي تستطيع الإدارة كسب القضية في الاستئناف. وكشف النقابة المستقلة التي تسيطر عليها وجوه صفراء- من أعضاء الحزب الوطني أب عن جد-، لم يستطيعوا قبل الثورة الوصول إلى مقاعد النقابة التابعة للاتحاد الأصفر؛ فقفزوا في قارب النقابة المستقلة، لكي يأخذوها بعد ذلك ويعودوا في حضن الاتحاد، وقد أخذوا ثمن خيانتهم للعمال وعدم دفاعهم عن حقوقهم من قبل الإدارة؛ فهم لا يذهبون إلى العمل وتُحسب لهم مأموريات نقابية، غير المميزات، والحوافز.. وغيرها. كما كشف العمال من كانوا يقفون معهم في الخندق نفسه ويهتفون معهم للمطالبة بعودة العمال المفصولين عندما أصبحوا أعضاء مجلس شعب أو وزراء، كيف أنهم كانوا في البداية يقابلونهم ويعدونهم بوعود لم تتحقق قط، ثم أصبحوا بعد ذلك لا يستقبلونهم أصلاً.

المهم أن عم محمد لم يفقد إيمانه رغم كل ذلك لا بحقه، ولا بالنضال من أجل العيش والحرية والعدالة الاجتماعية. ففي كل جبهة مقاومة كنا نجده رغم ظرفه القاسي الذي أدي به إلى أن يخرج ابنه من المدرسة؛ لأنه ليس لديه من النقود ما يدفعها له لكي يتعلم (هو قط لم يقل لنا هذه المعلومة، قالها لنا زميله المفصول كريم رضا). آخر هذه الجبهات كان معنا في حملة “نحو قانون عادل للعمل”، ومنذ ثلاثة أشهر، عندما كنا نجهز لمؤتمر الحملة للإعلان عن أهم ملامح مسودة القانون البديل للعمل الذي أعدته الحملة، وطرحنا المهام ضمنها عمل لافتات باسم الحملة بها ملامح القانون، فقال إنه سوف يقوم بعملها، وعندما طالبناه أن يذكر تكلفتها حتي نعطيها له (من أموال الحملة القليلة نتيجة اشتراكات وتبرعات أعضائها) رفض بشدة، وقال أنا لا أستطيع أن أقدم شيئًا، ولا أن أدفع تبرعًا، فهذا تبرعي للحملة!!

الآن.. محمد زكي منذ الشهر ونصف الشهر، وعائلته بلا دخل، بل عليها أن تدبر من النقود ما تستطيع به زيارته، ومحاولة توفير القليل من الأموال من أجل إعاشته داخل السجن، ولا نعرف متى يخرج من محبسه، وإذا خرج إذا قضت النيابة بدفع كفالة، فمن أين له بها؟

محمد زكي مناضل حقيقي، استطاع حتي الآن الصمود أمام فساد وتعسف إدارة شركة “بتروتريد”، بل شركات البترول كلها التي يتصرفون فيها كأنها عزبة يفعلون بها ما يشاءون. كما أن اكتشافه زيف الكثير من الوجوه لم يفقده إيمانه بأهمية النضال واستكمال الطريق مع زملائه الثوريين حتي تتحقق مطالب الثورة. محمد زكي لم يكسره تجويعه وأسرته، أو اضطراره أن يأخذ قرارًا صعبًا على أي أب اتخاذه وهو أن يحرم ابنه من حقه في التعليم.. فهل نتركه بتخاذلنا للانكسار؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يمكنكم الدخول على هذا الرابط للتوقيع على عريضة للإفراج عن المعتقل محمد زكي، القيادي العمالي بشركة بتروتريد.

اعلان
 
 
فاطمة رمضان