Define your generation here. Generation What
المُستعرِب – الجزء الأول
 
 

في مقال سابق كتبته تحت عنوان “كيف وصل المعلم كرشة إلى حصة الإنجليزي في ثانوية ميشيجان“، تناولت قيام مُدرِّسة لغة إنجليزية في ولاية ميشيجان باختيار رواية “زقاق المدق” لنجيب محفوظ لتقرأها مع طلبة الصف الثانوي ضمن المنهج الذي تُدَرسه كل عام، وكيف دارت مناقشاتهم حول شخصيات الرواية وأحداثها التي جرت في القاهرة في فترة الأربعينيات.

ويصادف أن مترجم “زقاق المدق”، بروفيسور تريفور لوجاسيك، ما زال يقوم بالتدريس في جامعة ميشيجان منذ عام  ١٩٦٦، وقد تكرم بالموافقة على إجراء هذا الحوار الذي بدأ بمحاولة معرفة رأيه في سبب نجاح تلك الرواية تحديدًا لنجيب محفوظ بين قراء ودارسي الأدب العالمي المترجم في أوروبا وأمريكا. وتعتبر “زقاق المدق” أول رواية تترجم لنجيب محفوظ (صدرت  بالإنجليزية عام ١٩٦٦)، وهي الرواية الأكثر ترجمةً إلى لغات مختلفة من بين أعماله، إذ ترجمت إلى خمسة عشر لغة مختلفة، وصدرت في أكثر من ثلاثين طبعة أجنبية. كما ذكرها المؤرخ والناقد الأدبي هارولد بلوم في مرجعه الذي صدر عام ١٩٩٤ عن أهم كتب ومدارس التراث الأدبي الغربي.

وقد وجدت من الصعب أن يقتصر الحوار على مناقشة مسألة نجاح ترجمة “زقاق المدق” فقط، وهذا لأن تريفور لوجاسيك قام بترجمة أعمال أخرى، ليس فقط لنجيب محفوظ ولكن أيضًا ليوسف إدريس وإحسان عبد القدوس ويحيى حقي، وقد قابلهم جميعًا وله آراء عن إسهاماتهم، كما جمعته بهم حكايات طريفة، وهذا كله أعرضه في الجزء الثاني من هذا الحوار، الذي نتعرف فيه أيضًا على خلفية لوجاسيك وتكوينه، وكيف أصبح “مستعربًا”- كما يصف نفسه.

دَرَس لوجاسيك اللغة العربية في لندن في الخمسينيات في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية، وكان من بين أساتذته المستشرق الشهير برنارد لويس، الذي يقول لوجاسيك إنه أُعجب بحذقه وسرعة بديهته؛ لدرجة أنه قرر حضور محاضراته في المادة نفسها في العام اللاحق على التوالي، ولكنه وجد الأمر أقل إمتاعًا في المرة الثانية؛ لأن “لويس أخذ يكرر ملحوظاته عن الثقافة العربية بالعبارات نفسها، وبشيء من السخرية، وبنبرة الإعجاب نفسها بالذات”. وبعد ذلك بحوالي ثلاثين عامًا كتب لوجاسيك عرضًا نقديًا لكتاب أستاذه القديم “الرق والعبودية في الشرق الأوسط” في دورية “ميدل إيست جورنال”، انتقد فيه ما جاء في كتاب لويس من عبارات يبدو منها التعصب العرقي ضد العرب. كانت هذه آخر مرة ينشر فيها لوجاسيك في هذه الدورية الأكاديمية الشهيرة التي لم تجدد له الدعوة للكتابة بها بعد ذلك أبدًا.

وبرغم قيام تريفور لوجاسيك بترجمة العديد من الأعمال العربية؛ مثل “السيرة النبوية” لابن كثير، وبيان دفاع أحمد عرابي، وقصصًا كثيرة، وروايات لنجيب محفوظ وإيميل حبيبي، وسحر خليفة، وحليم بركات؛ فإننا تقريبًا نكاد لا نعرفه في البلاد العربية. ربما يرجع ذلك إلى قنوعه بالانزواء داخل إطار التدريس الجامعي والأسرة وهواية جمع التحف (مواظب هو على ارتياد بيوت المزادات المحلية). لكن على الأرجح أننا لم نسمع عنه الكثير لعدم صدور ترجمات جديدة له في العشرين سنة الماضية (رغم قيامه مؤخرًا بترجمة رواية لواسيني الأعرج تقاضى أجرها كاملًا، لكن لأسباب غير معروفة لم تفرج عنها إلى الآن المؤسسة القطرية التي كلفته بترجمتها)، وبخاصة أن الجوائز التي أصبحت تُمنح للترجمة والمترجمين تعد ظاهرة حديثة نسبيًا عندنا. كما يجب أن نعترف أننا في العالم العربي أحيانًا ما ننظر بارتياب للأجانب الذين يقومون بترجمة الأدب العربي متشككين في دوافعهم واختياراتهم.

وفي حين اتخذ تريفور لوجاسيك موقفًا مساندًا للفلسطينيين في صراعهم مع الصهيونية الإسرائيلية، إلا أن انتقاده الصريح لنظام حكم جمال عبد الناصر قد يكون سببًا آخر في ضعف شعبيته بين بعض الأوساط الأدبية العربية. وبالطبع فإن كل هذا لا يقلل أبدًا من قيمة وحجم مساهمته الرائدة في ترجمة الأدب العربي والتعريف به بصورة جيدة.

أجريت معه حوارين في بيته الواقع على ربوة والمكون من طابق واحد ممتلئ بالتحف والكتب، وهو أحد بيوته التي يملكها في “آن اربور”، بالإضافة إلى بيتين للعطلة، أحدهما في ولاية فيرجينيا والآخر في مسقط رأسه في دوفر بانجلترا. حضرت كذلك حواره مع طلبة الثانوية في فصل المعلمة “كيتي جلوبكر”. وفي السطور التالية محاولة لترتيب نصوص تلك المقابلات، وهي مهمة ربما كانت أسهل لو لم أستطرد وأتفرع كثيرًا أثناء الحديث.

حول زقاق المدق

هديل غنيم: ما الظروف التي قادتك لترجمة رواية “زقاق المدق”؟

تريفور لوجاسيك: كنت مستاءً من نفسي بعض الشيء حين وجدت- بعد ثلاث سنوات من دراسة اللغة العربية الفصحى، تلتها سنوات إعداد الدكتوراه في القومية العربية- أنني لم أكوّن صداقات قوية مع عرب. أقلقني أن أكون لم أصل بعد لفهم جيد عن ثقافة العرب، وضايقني ذلك لأنني عادة أحب الناس. سألت نفسي: ما الخطأ الذي وقع في تطوري؟ لماذا لم تتحقق الدرجة نفسها من الألفة والإعجاب التي كنت أصل إليها من خلال قراءة الآداب الأخرى؟  لذلك فكرت في البحث عن الرواية العربية، وسألت أصدقاء لي في بيروت عام ١٩٦٢ إن كان هناك كُتاب رواية عرب، وقيل لي حينها إن نجيب محفوظ قد أصبح مهمًا.

كنت قد توجهت إلى الكويت بعد تخرجي للعمل في شركة “يونيليفر” البريطانية، ولكن العمل التجاري كان مملًا للغاية بالنسبة لي ولم أدر ماذا أفعل بنفسي؛ فقررت القيام بالتدريس في جامعة “وسكونسن” بالولايات المتحدة، وغادرت الكويت بالسيارة مرورًا بالأردن ولبنان، التي عرفتها منذ درست فيها لمدة عام في الجامعة الأمريكية ببيروت. كان لا يزال لي أصدقاء هناك وفرصة استعمال المكتبة بل ومكتب أيضًا. وبمجرد أن بدأت في قراءة عمل واحد لنجيب محفوظ استمريت في قراءة كل أعماله بما فيها “الثلاثية”. قرأت تقريبًا كل شيء في الأشهر التي قضيتها فى بيروت. كان عمري وقتها ٢٨ عامًا.

وقررت ترجمة “زقاق المدق”، كما نشرت مقالًا عام ١٩٦٣ أمدح فيه محفوظ و”الثلاثية” على وجه الخصوص. وأستطيع أن أقول إن ذلك المقال قام بتسليط الضوء على محفوظ، وولَّد اهتمامًا لدى الأوساط الأكاديمية المستشرقة التي لم تكن على دراية بوجود روايات باللغة العربية. ولم أتوقف عند تقديم نجيب محفوظ، بل كتبت بعد ذلك عن يوسف إدريس وإحسان عبد القدوس أيضًا.

هديل: ومع هذا اخترت “زقاق المدق” من بين ما قرأته؟

لوجاسيك: تلك الرواية فتحت عينيّ؛ لأنها كانت المرة الأولى التي أجد فيها كاتبًا عربيًا يمكنني التواصل الشخصي مع كتابته. كنت متفهمًا لمنطلقاته، واستطعت من خلال ما يكتب أن أجد نفسي حاضرًا في مناقشة حميمة للمشكلات العربية، مقدمة بطريقة شيقة وبروح من الدعابة والسخرية. وهذا أكثر ما أمتعني في الرواية؛ لأنها ذكرتني بالشاعر الإنجليزي “تشوسر” الذي أحبه لسخريته، والبريطانيون بشكل عام يحبون السخرية، وكل هذا وجد صدىً لدي.

هديل: ما الأجزاء المفضلة لديك في “زقاق المدق”؟

لوجاسيك: لم أعاود قراءة الرواية منذ زمن، ولكن شخصيتي المفضلة هي بالطبع الشيخ درويش؛ من أجل حسه الساخر، ولأنه ينظر إلى كل الجنون الذي يحدث من حوله بشيء من التهكم. وهو تجسيد رائع لطريقة نجيب محفوظ في إبعاد نفسه عن تفاصيل وتعقيدات المجتمع الذي يناقشه والنظر إليه من مسافة مشابهة لموقع شخص مثلي- أجنبي- ينظر من الخارج إلى تلك المستويات من المجتمع المصري أو العربي. فنحن لسنا جزءًا منه، ولكننا نجده شيقًا ومسليًا. نحن لا نفهمه، ولكننا من ناحية أخرى نحبه بشكل من الأشكال.

هديل: وهل ساعدتك قراءة محفوظ على الوصول إلى تلك الألفة تجاه العرب التي كنت تنشدها؟

لوجاسيك: طبعًا، والسبب هى كل تلك الشخصيات غير العادية التي تقرأ عنها في “زقاق المدق”. فجميعها، بشكل أو آخر، أناس عاديون ولكن ينتمون إلى بيئة اجتماعية مختلفة تمامًا عن بيئتك الثقافية. لكن إذا تخيل المرء نفسه في بيئتهم، فسوف يرى كيف أنه قد يتصرف بشكل مماثل لتصرفاتهم.هم أشخاص عاديون مثلهم مثل جميع الناس. صحيح أن لهم نزعات وخلفيات ثقافية مختلفة- وبعضها صادم، لكن بمقدورك التعاطف أو التفاعل مع كل شخصية من شخصيات الزقاق بسهولة بالغة.

هديل: يرى بعض النقاد أن “زقاق المدق” تنتمي لمرحلة الواقعية الاجتماعية في أدب محفوظ، بينما يرى بعضهم أن فيها شيئًا من الرمزية. فكيف تراها أنت؟

لوجاسيك: الواضح أن قيم المجتمع موضوع رئيسي في الرواية، وما إذا كان المصريون أو الشرق أوسطيون يمكنهم تحقيق الرضا عن حياتهم بترك تراثهم وتبني ثقافات أخرى دخيلة عليهم. وهذه رسالة يدفعها محفوظ بقوة في الكتاب، ومن الواضح أنه ينتقد أو يدين هؤلاء الأشخاص غير الراضين عن حياتهم والذين يريدون الابتعاد عن تقاليد مجتمعهم وقيمه.

هديل: بماذا تفسر نجاح تلك الرواية بالتحديد في الولايات المتحدة مقارنة بأعمال محفوظ الأخرى حتى من قبل حصوله على جائزة نوبل؟

لوجاسيك: لأنه كتاب رائع؛ رواية مثالية الصنع، في الكيفية التي تفتتح بها، تلك الصفحات الأولى الرائعة التي تؤسس بيئتها وتخلق جوًا دافئًا؛ كما يراه شخص من هذا العالم ولكنه منفصل عنه، ينظر من مسافة نقدية ولكنه محب له في جميع الأحوال. هذه النقطة تحديدًا من مصادر البهجة في ذلك الكتاب. وأحد الأسباب التي جعلت له صدى كبيرًا هنا هو أن محفوظ يكتب وكأنه يطل من الخارج مما يسهل على القارئ الغربي النظر إلى هذا المجتمع العجيب، ولهذا يبدو أقل غرابة لأنه مقدم بشكل فيه تفهُّم وتعاطف، وهذا يغير كل شيء في نظرتنا إليه.

وبالمناسبة لقد سألت محفوظ يومًا ما، أي كتاب يعتقد أنه أفضل كتبه؛ ففكر قليلًا، وكان من الواضح أنه يفكر لأنه كف عن الابتسام لدقائق عدة، ثم قال: “ربما زقاق المدق”.

هديل: ألم يكن فقط دبلوماسيًا معك؟

لوجاسيك: بصراحة، أنا أعتقد أن “زقاق المدق” هو أفضل كتبه. وبشكل ما أكثرها اكتمالًا؛ بسبب الطريقة التي تبدأ بها الأحداث وتطورها والطريقة التي تتطور فيها حياة كل واحد من شخصياتها، ثم انتهائها بشكل مناسب تمامًا، بالطريقة نفسها التي بدأت بها، كدائرة مكتملة. وهي لا تترك لديك حاجة لمعرفة المزيد عن أي شيء بها؛ فقد تم تعريفك جيدًا ببيئتها، وقابلت كل هؤلاء الشخصيات العظيمة والغريبة والرائعة. وقد رأيت ما حدث لهم، وتنتهي من القراءة وقد استمتعت بها ولم تبق لديك تساؤلات معلقة؛ فأنت تعرف ما سيحدث، وعلى الأرجح ما سيحدث هو أن الزمن سيمر وسوف تتجدد المشكلات نفسها التي بدأت بها الرواية، المعضلات البشرية نفسها. الرواية عن الزمن؛ فهي تبدأ بالإشارة إلى الزمن، وتنتهي بالإشارة إليه. ولهذا فمن منطلق دراسة أدب محفوظ، هذا كتاب مهم جدًا؛ لأن محفوظ كان مهووسًا بقضية الزمن، في كل أعماله تقريبًا.

هديل: هل تقصد الزمن بمعنى التاريخ، أم بمعنى التغيير؟

لوجاسيك: الزمن. هكذا يعمل محفوظ؛ فهو يبدأ رواياته من نقطة ما في الماضي ودائمًا ما ينتهي في الحاضر. وليس بالضرورة أن تكون نقطة الماضي بعيدة، كما فعل في “الثلاثية” مثلًا. ولكن في العديد من أعماله، يزاح الستار عن الأحداث في الماضي، ثم تمضي الأحداث قدمًا لتصل إلى اللحظة الحاضرة.

هديل: وما السبب وراء ذلك في اعتقادك؟

لوجاسيك: أعتقد أنه كان مهتمًا بإعطاء شهادته عما عاصره ورآه. كما أنه كان شديد الوعي بفناء حياته شخصيًا؛ فقد كان مصابًا بداء السكري، ولكنه استطاع أن يعيش عمرًا مديدًا بفضل التزامه. فقد كان يواظب على المشي يوميًا كما تعلمين، وكان منتبهًا لنظامه الغذائي بحرص شديد.

لقد كان يدرك تمامًا خطر الموت الوشيك؛ حيث إنه ترعرع في بيئة عاصر فيها موت جميع أفراد عائلته وكان هو الأصغر سنًا بينهم. جميع أشقائه ماتوا، وبالتأكيد كونه مصريًا يجعله منشغلًا بالموت في أي حال من الأحوال. لذا أعتقد أن إحساسه بتهديد الزمن كان عاليًا، وكان يعلم أن لديه ما يقال وكان يؤمن أن عليه أن يقوم بدور ضمير مصر؛ أن يروي شهادته وما رآه وما فكر فيه من أجل فائدة المجتمع؛ فقد كان يعتبر نفسه شخصًا جادًا وصاحب رسالة، وهذا ما كان يحاول تحقيقه بكامل الوعي.

هديل: في رأيك، ماذا كانت القضايا الجوهرية بالنسبة له؟ ما الذي أراده للمجتمع؟ الحداثة، أم الرجوع إلى القيم القديمة، أم المزاوجة الصحيحة بين الاثنين؟ أم كان أكثر اهتمامًا بقضايا الحرية الإنسانية والسياسية؟

تريفور لوجاسيك: أعتقد أنه كان مهتمًا جدًا بالسعادة الإنسانية، وأنا مثله في ذلك. لقد أراد للناس أن يكونوا سعداء، وأراد أن يكون هو أيضًا سعيدًا. أعتقد أن الهدف من الحياة هو إيجاد الوسائل التي تمكنك من أن تكون منسجمًا ومرتاحًا مع نفسك ومع الآخرين.

هديل: اخترت “زقاق المدق” وترجمتها من دون تعاقد مع أي ناشر!

لوجاسيك: قرأتها فعرفت فورًا أنها لي. أحببت سخريتها، وأحببت الشخصيات، أحببت حميدة. يا لها من لعينة! كنت قد مررت بقصة حب تعيسة في ذلك الوقت، وكنت متشوقًا لمعرفة دوافعها.

هديل: محفوظ أيضًا لم يحبها (حميدة) كثيرًا. بدا لي أثناء القراءة أنه لا يريدنا أن نحبها، ولذلك أعجبني دفاع “ميس كيتي” عن طموح حميدة.

لوجاسيك: بالتأكيد، هذا مفهوم تمامًا، ولكن ليس من وجهة نظر”عباس”!

هديل: وهل قمت بترجمة “اللص والكلاب” بعد ذلك لاعتقادك أنها ثاني أفضل أعمال محفوظ؟

لوجاسيك: ظروف اشتراكي في ترجمة “اللص والكلاب” كانت غريبة بعض الشيء. كنت في القاهرة، وكنت قد عُرِفت بعد قيامي بترجمة “زقاق المدق” كواحد من المترجمين القلائل الموجودين على الساحة. كان دينيس جونسون دايفيز معروفًا كأهم مترجم للرواية المصرية ولم أكن أمثل تحديًا له. هو لديه قدرات عظيمة طبعًا، كما أنه كان مقيمًا في العالم العربي بشكل دائم ولا يحتاج إلى القيام بالتدريس مثلي. على أية حال، قابلت مصطفى بدوي في القاهرة في السبعينيات، وكنت أعرفه من قبل، فهو يقوم بتدريس الأدب الانجليزي في جامعة “أوكسفورد”، وأخذ يشتكي لي بُخل الجامعة الأمريكية بالقاهرة ومن ضآلة المبلغ المالي الذي عرضوه عليه مقابل المجهود الكبير الذي يبذله في ترجمة تلك الرواية. قال لي إن الكيل فاض به، ثم سألني إذا كنت أرغب في تولي المهمة عنه. كنت أعي تمامًا أهمية الكتاب وبما أن الناشر كان متوفرًا بالفعل، قبلت بأجر يساوي مائتي جنيه مصري وعلى وجهي ابتسامة متهكمة. ولكني كنت أعلم أنني أقوم بعمل مهم. ومؤخرًا، في عام ٢٠٠٦، اختيرت “اللص والكلاب” ضمن ٣٧ عملًا من الأدب الأمريكي والعالمي في إطار البرنامج الأمريكي القومي “بيج رييد“.

هديل: قمت كذلك بترجمة السيرة النبوية (حياة محمد، القرن الرابع عشر) لابن كثير.. فلماذا؟

لوجاسيك: وجدته عملًا رائعًا. لم أكن قد تعرضت بأي شكل من الأشكال لقصة انتشار الإسلام خلال فترة دراستي التي اقتصرت على مقتطفات من القرآن مثل سورة “مريم” مثلًا، ولم تثر الاهتمام لدي. كان راجي راموني، هو الذي اقترح عليّ القيام بتلك الترجمة حين كان يعمل مستشارًا لدار نشر مقرها “قطر” تصدر سلسلة مترجمة بعنوان “كتب عظيمة من الحضارة الإسلامية”. دعتني اللجنة؛ فقمت بترجمة “حياة محمد” لابن كثير.. أربعة أجزاء استغرقت عشر سنوات من العمل، ولكني استمتعت به جدًا، بل واستشهد بأجزاء منه أثناء التدريس؛ فهو مليء بالأحاديث والمرويات الرائعة التي تنقل إلينا صورة حية عن البيئة التي نشأ فيها الإسلام في الجزيرة العربية في ذلك الوقت، وبخاصة أن جميعها روايات مباشرة عن النبي “ص”.

هديل: حتى وإن كان بعضها مختلقًا؟

لوجاسيك: وما الذي يهمني في هذا؟ ليس من شأني تقرير مثل هذه الأمور. هناك طبعًا احتمال كبير أن يكون بعضها مختلقًا، ولكن من الواضح أن النبي محمد “ص” كان من القوة والأهمية والكاريزما، بحيث إن كل من قابله باستطاعته أن يتذكر أي شيء سمعه منه، ولذلك هناك احتمال كبير يرجح موثوقية صحيحَي البخاري ومسلم.

هديل: إذن؛ فمن يقرأ ابن كثير سيجد ما يصف ملامح المجتمع في ذلك الوقت؟ أم معلومات عن حياة النبي نفسه، أم تعاليم الإسلام المجردة؟

لوجاسيك: سيجد كل هذه الجوانب مختلطة ببعضها. الكتاب به أيضًا مادة تقديمية عن التاريخ القديم السابق على الإسلام، وعن أسلاف محمد الذين نادوا بالمبادئ نفسها التي دعا هو إليها لاحقًا. ولهذا فإن الجزء الأول مثير جدًا لتناوله الخلفية التاريخية في غرب الجزيرة العربية قبل ميلاد النبي “ص”.

هديل: لقد اهتم أحمد أمين في “فجر الإسلام” وكذلك طه حسين بالكتابة عن تلك الفترة أيضًا، لكن بالطريقة الحديثة في دراسة وكتابة التاريخ.

لوجاسيك: نعم، بالطبع، وهل تعلمين كيف بدأت تلك الكتابات؟ بدايتها كانت عندما عثر محمد حسين هيكل باشا، الذي كان محاميًا وروائيًا ونائبًا في البرلمان، أثناء عطلة في الأقصر على نسخة من كتاب “واشنطن إرفينج” عن حياة النبي محمد وانبهر به تمامًا. ذلك لأنه في تلك الفترة من ثلاثينيات القرن العشرين في القاهرة وفي العالم العربي كله، لم يكن من السهل العثور على كتب عن النبي “ص”. كان الجميع يعرف القرآن، والدارسون الجادون يعرفون الكلاسيكيات والمخطوطات من الكتب التراثية مثل ابن كثير، لكن هذه الكتب بلغتها القديمة لم تكن متاحة للقارئ العادي ولم تكن سهلة الفهم. ولذلك قرر هيكل أن يكتب هو “حياة محمد”. إنها صدفة غريبة إذن أن تتسبب كتابات “إيرفينج” (الكاتب الأمريكي الذي شغل منصب سفير أمريكا في إسبانيا وكتب عن غرناطة) في إلهام كل هؤلاء الكتاب في القاهرة في الثلاثينيات. لولاه لاستغرقت عملية إنتاج كتب مفهومة عن حياة النبي “ص” عقودًا كثيرة؛ فمن منا لديه الوقت لقراءة أربعة مجلدات لابن كثير؟

عن طريقة الترجمة وكسر الحواجز الثقافية

هديل: ذكرت أنك قمت بمراجعة ما ترجمه مصطفى بدوي في “اللص والكلاب” جاعلًا النص “أكثر بهجةً”- على حد تعبيرك.. هل الترجمة التي يقوم بها من يترجم إلى لغة ليست لغته الأصلية عادةً ما تفتقر إلى البهجة؟

لوجاسيك: إن ما يهمني في أي نص مترجم هو الحيوية. عليه أن يكتسب لنفسه حياة مستقلة وأن يبدو وكأنه مكتوبًا أصلًا باللغة التي يتلقاها القارئ. إذا بدا النص مترجمًا فلن تنجح هذه الترجمة بين القراء، ولذلك فإن ما حاولت القيام به دائمًا هو توخي الدقة في الترجمة بشكل من الأشكال، ولكن أيضًا جذب انتباه القارئ والحفاظ على انتباهه من خلال اللغة. إذا لم تنبعث الحياة في النص بالإنجليزية أعتبر الترجمة فاشلة. وللأسف طبعًا، كما تعلمين، أغلب الترجمات من العربية إلى الانجليزية لا تنجح.

هديل: لماذا؟

لوجاسيك: إليك السبب؛ لأن معظم من يحاولون الترجمة من العربية يمضون وقتًا طويلًا في محاولة تعلم اللغة العربية ويعرفون تمام المعرفة أنهم إذا قاموا بأخطاء فهناك من سيأتي ويقارن الترجمة بالأصل العربي، ويقول مجلجلًا: “آها! لقد أخطأ المترجم! لقد ابتعد كثيرًا عن الأصل”. هكذا يصبح المترجم دائم الشعور بتواجد عين مترصدة لناقد يتقن العربية، بالإضافة إلى شعوره بالواجب تجاه المؤلف والذي يقتضي عدم الابتعاد عن النص الأصلي.

لقد تكبدت الكثير من العناء في ترجمتي لـ”زقاق المدق” لكي أجعل الحوار سلسًا؛ لأن الحوار مسألة في غاية الأهمية؛ فإذا جاءت قراءة الحوار سيئة- وهناك الكثير من الجمل الحوارية في ذلك الكتاب- بحيث لا يستطيع القارئ أن يتخيل شخصًا ينطق بالفعل تلك الكلمات المكتوبة على الورق المطبوع، فلن تنجح الترجمة. وحين كنت أقوم بهذه الترجمة كنت غير متزوج، وكنت أعيش في مدينة ماديسون في ولاية ويسكونسن في سكن مخصص لأعضاء هيئة التدريس العزاب، وكان لي صديق متخصص في اللغة الإنجليزية وآدابها يعيش أيضًا في هذا السكن؛ فكنا نلتقي يوميًا أثناء تناول وجبة الغداء أو العشاء. كان مهتمًا جدًا بما أقوم به، وكنت أقرأ له يوميًا ما قمت بترجمته في اليوم السابق أولًا بأول. كنت أقرأ عليه الترجمة وكان يهمني بالطبع أن يحب الرواية كما أحببتها. كنت تقريبًا أترجمها من أجله، أردتها حية من أجله. كنت أعلم أنني سأقرأ عليه ما أترجمه بصوت عالٍ، ولذلك أردت أن يكون النص جذابًا وممتعًا. أعتقد أنني كنت محظوظًا جدًا بهذا الوضع.

هديل: هل تنصح طلابك بهذا المنهج، القراءة بصوت عال؟ وهل انتهجته ثانيةً؟

لوجاسيك: مع مرور الوقت لم أشعر بالحاجة لذلك، ولكن كان من المفيد جدًا أن يكون لي صديق خبير باللغة الإنجليزية، ويقدر الحكايات المروية جيدًا.

أحد الطلاب: أثناء ترجمتك لـ “زقاق المدق”، هل ضاعت في عملية الترجمة بعض الكلمات أو العبارات التي تدل على أشياء لها خصوصية ثقافية نتيجة عدم وجود نظير لها في اللغة الإنجليزية؟

لوجاسيك: الكثير، فهناك أشياء لا يمكن ترجمتها ولا تريد أن تترجمها؛ لأنك لا تريد أن تعطي سياقًا يفوق قدرة جمهور القراء على الفهم. لقد كتبت هذه الترجمة ساعيًا للغرض الذي حققته، وهو أن تكون لها شعبية باللغة الإنجليزية، وقد حاولت أن أجعلها كذلك بالاستغناء عن الهوامش على سبيل المثال. العديد من المترجمين تصادفهم أحيانًا بعض العبارات شديدة الصلة بأحد جوانب الثقافة العربية أو الإسلامية؛ فيشعرون أن عليهم واجب شرح تلك العبارة، وربما يقومون بترجمتها أو نقلها حرفيًا في النص ثم تقديم شرح لها في الهامش. ولو كنت اتبعت هذا المنهج لكان هذا النص ملطخًا بالهوامش. ولم أشأ أن أفعل هذا؛ بل أردت تقليص المسافة بين القارئ المحتمل والعمل نفسه بتقديمه وكأنه لا يحتوي على تلك الإشكاليات المرتبطة باختلاف الثقافة.

أحد الطلاب: وماذا وضعت إذن محل تلك العبارات؟

لوجاسيك: أحيانًا أحاول التغلب على تلك المشكلة بوضع عبارة أو كلمة بين قوسين، أو بكتابة الكلمة الأصلية بحروف إنجليزية، إلا أنني حتى لم أفعل أيًا من هذا في “زقاق المدق”. ربما وضعت بعض الكلمات لشرح كلمة معينة في العربية، ولكنني لم أستخدم الهوامش على الإطلاق؛ فقد أردت أن ينغمس القارئ في الزقاق مثلما قد يحدث للقارئ المصري. الحقيقة أنني مؤمن بأن أهم ما في الأدب هو صفته العالمية، وبأننا يجب أن نتذكر دائمًا أننا جميعا من الجنس البشري نفسه وأن نسعى دائمًا لمد الجسور بيننا جميعًا، بدلًا من التأكيد على نقاط الاختلاف. تلك هي طريقتي المختارة في الترجمة. هناك آخرون يعملون بالترجمة لا يسعون لهذا الغرض، ولا يحاولون كسر الحاجز.

هديل: يبدو لي من كلامك أن محاولة توخي الدقة الشديدة في الترجمة في النهاية قد لا تكون خدمة للمؤلف أو الكتاب، بل قد تكون مضرة، بينما محاولة إكساب النص المترجم صفة الإمتاع هي تقريبًا مشاركة للمؤلف في همّ اجتذاب القارئ. لكن ألا يزعج المؤلف أن يعطي المترجم لنفسه مثل هذه الحرية في النص؟ كيف كان رد فعل نجيب محفوظ إزاء ترجمتك لـ “زقاق المدق”؟

لوجاسيك: بعد أن فرغت من المسودة الأولى من ترجمتي، تلقيت بعض المساعدة التحريرية من محررة أمريكية متمكنة جدًا كانت تعيش في بيروت في ذلك الوقت اسمها السيدة فرنش، وكانت تعمل في مجلة “تايم”. أخذت جُملي المطوّلة المترجمة عن الأصل وقامت بتقصيرها وضبطها. لكن التدخل الكبير الوحيد الذي حدث للنص كان في منتصف الكتاب تقريبًا في جزء متعلق بدوافع “حميدة”؛ حيث تحفظت السيدة فرنش على قيام محفوظ بالتكرار في سرد دوافع الشخصيات، ووجدت في ذلك ما يبعث على الملل، وكانت محقة، ولذلك وافقت على اقتراحها بحذف التكرار.

كانت النتيجة أن الترجمة الإنجليزية أصبحت أكثر ملاءمة للقارئ الحديث الذي لا يحب التكرار، ولكن العرب لا يكترثون بالتكرار. ولديّ نظرية بخصوص ذلك؛ ألا وهي أن المؤلفين العرب أحيانًا لا يثقون فيما إذا كان القارئ يعي ما يجري في الرواية بشكل جيد لضعف في اللغة الفصحى لديهم (القراء) مثلًا، ولذلك يلجأ بعض الكتّاب لتكرار أنفسهم لضمان أن القارئ ما زال متابعًا. ولكننا لا نحب ذلك في اللغة الانجليزية؛ بل يصيبنا الضيق إذا قرأنا مقطعًا باللغة الإنجليزية ثم يقوم الكاتب بعد خمس عشرة صفحة بتذكيرنا بما قرأناه، بل نعتبرها إهانة ولسان حالنا يقول: “أنا القارئ، هل تظنني بلا ذاكرة؟”.

وعندما قابلت “نجيب محفوظ” عام ١٩٦٤، لكي أطلب منه توقيع العقد مع دار “الخياط” في بيروت التي اتفقت معها على نشر الترجمة الإنجليزية للرواية اعتذرت له عن قراري، بالتخلي عن بعض الجمل نظرًا لأنها مكررة، بعد الاتفاق مع المحرر الخاص بدار النشر. كان الأمر بالطبع حساسًا جدًا، بل ومحفوف بالخطورة، ولذلك شعرت بالارتياح حين أجابني محفوظ بواحدة من ضحكاته العظيمة، وقال مبتسمًا إنه يفهم المشكلة جيدًا. وكان واقفًا حينها بجوار شباك مكتبه في مبنى التليفزيون المُطل على النيل، الذي كان في آخر فيضان كامل له، وأشار بإصبعه ناحية النهر قائلًا: “نحن المصريون متأثرون كثيرًا في موسيقانا وثقافتنا الأدبية بالإيقاع المنتظم الدائم والمتكرر لتدفق النيل، وبإمكاني أن أرى لماذا لن ينعكس ذلك بصورة جيدة في الإنجليزية!”.

وهكذا لم يحدث إشكال؛ فقد عبر محفوظ بوضوح عن احترامه لوجهة نظرنا وأراد للعمل أن يكون سائغًا لمن يقرأ باللغة الإنجليزية. وبالمناسبة، لم تكن كتابة محفوظ في الأربعينيات مقتصدة ومقتضبة كما أصبحت فيما بعد، وربما كان يريد في تلك المرحلة التأكد من أن قارئه “يفهم ما يقصده” في وجود بعض المفردات اللغوية الصعبة التي كان يستعملها أحيانًا، ولذلك كان يكرر نفسه في بعض الأحيان. وعلى أية حال، ما قمنا به من حذوفات بسيطة حسّن من مستوى العمل، وأعتقد أنه بالتأكيد عزز من استقبال القارئ له بالإنجليزية. لقد كان محفوظ على قدر كبير من التعقل. لقد أراد لكتابه أن يخرج بأسلوب جيد.

أحد الطلاب: هل أنت متمكن من اللغة العربية؟

لوجاسيك: لا، وأي شخص يدعي أنه يعرف العربية لا يعرفها؛ قد نلم فقط ببعض العربية. ومعظم العرب لا يمتلكون قواميس في بيوتهم، رغم أنها لغة معقدة جدًا بحيث إنك بالفعل تحتاج إلى معجم أو قاموس، وبخاصةً إذا كنت تريد أن تفهم الأدب العربي في نطاقاته الأقدم.

أحد الطلاب: هل فاتتك أشياء أثناء ترجمة الفكاهة والمزاح العربي؟

لوجاسيك: أنا متأكد من ذلك. أحد متع أن تكون مستعربًا هو أن يتاح لك من آن لآخر أن تراجع ترجمة قام بها شخص آخر؛ فإذا تصادف أنك في مزاج سيئ تستطيع دائمًا أن تجد خطأ ما تشير إليه في عرضك. كل الناس تحب أن تعثر على الأخطاء التي اقترفها آخرون. لذلك لكي تصبح مترجمًا عليك التحلي بجلد سميك.

أحد الأخطاء التي قمت بها في الطبعة الأولى يتعلق بالمقطع الذي ترشح فيه الخاطبة أم حميدة عريسًا لـ”سنية عفيفي” يكبرها في السن، وهي نفسها كانت في الخمسين من العمر. وأثناء المحاورة البديعة التي تدور بينهما، قالت العروس للخاطبة: “أفطر على بصلة؟”. حينها لم يكن لدي صديق مصري أسأله عن معنى تلك العبارة، ولم يكن لدي أدنى فكرة عن مدى شيوعها ولذلك ترجمتها وكأن سنية تقول: “سآكل القليل جدًا لكي أصبح أكثر رشاقة”؛ فقد فهمت أنها ستهتم بصحتها وتكتفي ببصلة واحدة على الإفطار، بينما هي تعني كما تعلمين، وكما تم تنبيهي بقدر عظيم من السرور، أن ما تقصده هو رغبتها في الزواج من شاب قوي عفي.

مؤكد أني وقعت في أخطاء أثناء ترجمتي. اللغة العربية صعبة حتى بالنسبة للمتعلمين من العرب. إنها لغة شبه مستحيلة، ولا شك أنها من أعقد اللغات في مفرداتها. بل وتفوق الروسية في الصعوبة.

اعلان
 
 
هديل غنيم