Define your generation here. Generation What
الداخلية تطالب بالإبلاغ عن تجاوزات أفرادها.. مناورة إعلامية أم إصلاح؟
 
 

صباح اليوم نشرت المواقع الإخبارية ثلاثة أخبار- مقتضبة- تبدو منفصلة، أولها كان “إحالة 9 عناصر شرطة إلى محكمة الجنايات بتهمة قتل 4 مواطنين”، والثاني “القبض على رئيس مرور عين شمس لطلبه الرشوة”، وأخيرًا كان خبر “مطالبة وزارة الداخلية للمواطنين بالإبلاغ عن تجاوزات الشرطة”.

وَضْع الأخبار الثلاثة في سياق واحد- خاصة إن ضم هذا السياق الكثير من الحوادث التي شهدت انتهاكات من أفراد الداخلية في الفترة الأخيرة- يطرح ثلاثة احتمالات، إما أن لوزارة الداخلية توجهًا حقيقيًا لمواجهة تجاوزات موظفيها، أو أنها مناورة إعلامية لاستيعاب الرأي العام، أو أنها تأتي في سياق إعادة هيكلة كاملة لوزارة الداخلية.

وزارة الداخلية قالت في مطالبتها للمواطنين إنه “في إطار حرصها على دعم العلاقة بين الشرطة والمواطنين، ورفضها لأي تجاوز أو قصور في الأداء، قد يصدر من بعض رجال الشرطة كسلوك فردي، ولا يعبر عن استراتيجية الوزارة، ومنهج العمل الذي يعتمد على المساواة بين المواطنين والحفاظ على كرامتهم واحترام حقوقهم وحرياتهم، وتطبيق القانون دون استثناء، فإنها تهيب بالمواطنين، التواصل معها بشأن أي واقعة أو تجاوز يمثل انتهاكا لحقوقهم”.

المحامي الحقوقي مالك عدلي، يقول لـ«مدى مصر»: إن وزارة الداخلية تسعى فعليًا لحصر التجاوزات التي يرتكبها الضباط، في محاولة لاستيعاب تصاعد الغضب ضدهم في الشارع المصري.

ويستطرد: “من المعروف أن إدارة الأمن الوطني- أمن الدولة سابقًا- هي من تجمع التحريات عن العاملين في باقي الأجهزة والإدارات الأمنية. في الفترة الأخيرة، بات واضحًا لدى النظام السياسي أن ثمّة حالة غضب تتنامى بين الناس تجاه عناصر الشرطة، وكان هذا واحدًا من أسباب اختيار الوزير الحالي لمكانه، بعد إدارته لجهاز الأمن الوطني”.

كان وزير الداخلية الحالي، اللواء مجدي عبد الغفار، قد تم تعيينه في 5 مارس الماضي وزيرًا للداخلية، خلفًا للواء محمد إبراهيم، وكان عبد الغفار قد عُين نائبًا لرئيس جهاز الأمن الوطني إبان تشكيله في مارس 2011 قبل تعيينه رئيسا للجهاز في يوليو من العام نفسه، قبل انتهاء ولايته في أكتوبر 2012 مع بلوغه سن المعاش. ورأى كثير من المتابعين أن أحد أسباب إقالة إبراهيم كان عدم رغبته في تقديم أي من أفراد الشرطة للمساءلة في عدد من الانتهاكات التي قام بها منتمون للجهاز.

ويرجح عدلي، أن وزارة الداخلية تتعامل مع القضايا المتعلقة بالضباط الصغار على أنهم كبش فداء، وبديل عن إعادة الهيكلة والتطهير الكامل للوزارة. ويشير إلى أن الجهاز، على الرغم أنه قادر على جمع التحريات المتعلقة بباقي الإدارات، لكنه بالتأكيد لن يستطيع مراقبة نفسه.

وفي الفترة الماضية، رُصدت العديد من التجاوزات من جانب العاملين في وزارة الداخلية، وأشار مركز “النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب”، في تقريره عن التعذيب في شهر مارس الماضي، إلى وجود أكثر من 147 حالة تعذيب، و42 حالة وفاة داخل الأقسام والسجون، ومحاولة انتحار واحدة، لطالب بلغ من العمر 17 عامًا، داخل قسم سيدي جابر، هربًا من الاعتداء الجنسي والانتهاكات المتكررة التي تعرض لها داخل الزنزانة. بالإضافة إلى أكثر من 10 حالات اختفاء قسري خلال الشهر نفسه.

مساعد وزير الداخلية السابق وأستاذ إدارة الأزمات عبداللطيف البدّيني، يقول لـ«مدى مصر» إنه “بحكم علاقتي ومعرفتي الشخصية بوزير الداخلية الجديد؛ فهذا هو أسلوبه وتوجهه المعتاد. أعتقد أن تطهير الداخلية من العناصر الفاسدة فيها سيكون أكبر خدمة يقدمها الوزير، ليس فقط للداخلية نفسها- وهي المضارة الأولى من هذا الفساد- وإنما للمجتمع كله”.

ويضيف: “أثق في هذه الخطة، لكن أتمنى ألا تقف عند الضباط وتمتد لمراقبة ومحاسبة الأفراد وأمناء الشرطة، الذين يشكلون أخطر العناصر الواجب تطهيرها”.

المحامية الحقوقية ياسمين حسام الدين، توافق عدلي في تحليله. وتقول لـ«مدى مصر» إن “هناك بالفعل تقارير أمنية تفيد بتصاعد التذمر من أداء قوات الشرطة في الشارع، وبخاصة مع تعدد الانتهاكات من القتل والتعذيب والرشوة والتعدي على المواطنين في الأكمنة وتشكيلات عصابية للسرقة، لذلك خصص الوزير الجديد مستوى إداريًا خاصًا بتلقي الشكاوى من تعديات الشرطة، لكن مصير هذه الشكاوى ليس معروفًا”.

وتفسّر حسام الدين: “هناك 3 إدارات مسؤولة عن التحريات داخل وزارة الداخلية، هي: المباحث العامة والبحث الجنائي والأمن الوطني، ومن المفهوم أن البحث الجنائي هو الإدارة الأكثر جدية التي تقدم تحريات أقرب للحيادية، لكن عندما يتعلق الأمر بأن المتهم هو ضابط من داخل الوزارة؛ فنرى أن التحريات تتكيف لصالح المتهم، وبالتالي في الكثير من القضايا تكون الأحكام بين البراءة أو الغرامة أو الحبس مع إيقاف التنفيذ”.

وفي خلال الأشهر الماضية، ذاعت قضيتان تم اتهام ضباط شرطة فيهما بالقتل العمد. وهما قضية تعذيب المحامي كريم حمدي حتى الموت في قسم المطرية، والتي تم إخلاء سبيل ضابطي الأمن الوطني المتهمين فيها بكفالة 10 آلاف جنيه. والثانية هي قضية الناشطة في حزب التحالف الشعبي الاشتراكي شيماء الصباغ المتهم فيها ضابط الأمن المركزي ياسين الإمام. وكان المحامون اتهموا النيابة في القضية الأخيرة بالتمهيد للبراءة الإجرائية للمتهم؛ إذ اعتبرت النيابة أن التهمة هي “الضرب المفضي إلى الموت”، بينما يتحدث تقرير الطب الشرعي وأقوال الشهود وأدلة الثبوت عن “القتل العمد”، وزاد الجدل حولها خاصة بعد تصريحات مثيرة للمتحدث باسم مصلحة الطب الشرعي، الذي أقيل على إثرها، وأيضًا بعد قرار النائب العام بحظر النشر في القضيتين.

إعلان وزارة الداخلية الأخير، مع تأكيده المُلح على كون الانتهاكات “حالات فردية”، ليس كافيًا للحكم إذا ما تعدى كونه دعايا إيجابية أو تلافٍ للغضب الظاهر بين المواطنين. فهناك العديد من الإجراءات التي يجب أن تتخذ بشكل حاسم لتتحول هذه الدعايا لآليات حقيقية.

يقول عدلي: “نحن بحاجة لثلاثة إجراءات حاسمة. أولًا، وجود دوائر قضائية مخصصة لنظر انتهاكات الشرطة، وبالطبع لا يجب أن يكون القاضي فيها من رجال الشرطة سابقًا. ثانيًا، تحقيق الشفافية في القضايا، يجب ألا تقتصر الأخبار عن انتهاكات الشرطة على القبض على فلان أو التحقيق معه، يجب إعلام الرأي العام عن مصير هذا الانتهاك والحكم عليه. أخيرًا، نحتاج للتعامل المجتمعي الصارم مع المنتهكين من الداخلية، إذا كان ضابط الشرطة يعلم أنه إن تجاوز في تصرفاته فسوف يحجز في أكاديمية الشرطة أو معسكر الأمن المركزي مع الجنود، ليخدموه، فهذا بالطبع لن يكون عقابًا رادعًا”.

من جهتها، تقول حسام الدين: إن مشكلة التعارض الناشئة بين اتهام عناصر الشرطة بتجاوزات، وكون زملائهم هم المسؤولون عن التحري في هذه الاتهامات، تتطلب وجود قانون آخر، غير قانون العقوبات، مخصص لجرائم العاملين في وزارة الداخلية.

اعلان