Define your generation here. Generation What
“حفنة من الجليتر”.. تحفة كوميكس جديدة من “توك توك”
 
 

بعد مرور ما يزيد على عامين من انطلاقها للمرة الأولى في يناير ٢٠١١ كافأت مطبوعة “توك توك” للكوميكس جمهورها الوفي بعدد آخر ملوّن علي غير العادة، وهو عددها الثالث عشر، الذي احتفلت بإطلاقه في ١٤ فبراير الماضي.

منذ بدأت “توك توك” والسمة الأوضح علي انتاجها هي التحايل الذكي علي معوقات الإنتاج والتنفيذ، صدور المطبوعة بالأبيض والأسود منذ العدد الأول لم يؤثر إطلاقًا على الجودة الكلية للمنتج النهائي ومستوى الطباعة والتنفيذ، كما يلاحظ الكثير من متابعي المجلة.

وكما خاضت المطبوعة رحلة لاستكشاف تحديات الطباعة والتنفيذ في سوق النشر المصري المضطرب بالرغم من حجمه العملاق مقارنة بأسواق مشابهة في المنطقة العربية، خاضت أيضًا رحلة لاستكشاف الآفاق المتاحة للمواهب المهتمة بفن الكوميكس في مجتمع لديه علاقة شديدة الخصوصية والكثافة بالفنون البصرية عمومًا مثل المجتمع المصري.

عندما بدأت المطبوعة في ٢٠١١ بجهود إنتاجية ذاتية، في خضم المشروعات الفنية المستقلة وقتها، كان محتواها الفني يتمحور حول الأذواق والأساليب الفنية الخاصة بالمجموعة المؤسسة (شناوي، ومخلوف، وهشام رحمة، وتوفيق، وأنديل). كان بين تلك المجموعة تناغم تلقائي بحكم عمل معظمهم معًا كرسامين كاريكاتير في مطبوعات مثل “المصري اليوم” أو “الدستور”، وربما لتشابه مصادر التأثير الفني المحسوسة من أعمالهم. محاولات الاستلهام والصياغة الحديثة لتجارب الستينات في الرسم الكارتوني كانت واضحة في الخطوط ونوعيات القصص والاهتمامات، مثلاً: نشر العدد الأول معالجة كوميكسية لقصة لإبراهيم أصلان في تأكيد واضح على ارتباط هذا الجيل من الرسامين بمشهد ثقافي أقدم ورؤيتهم له بعيون تتطلع للتحديث.

بالرغم من ذلك كان هناك اهتمام واضح بمزج هذا اللب الداخلي بتجارب فنية مختلفة ومتنوعة تبدو أحيانًا غريبة عن المجموعة وأحيانًا غير متسقة وتخلق معها في أحيان أكثر تباينًا مثيرًا للاهتمام.

وقتها كان التحدي الأكبر هو الموهبة والبحث عن شباب مهتمين بالتجريب في فن مثل الكوميكس لا يُعتبر من الفنون المجدية ماديًاً في مصر ولا حتى الفنون المتأصلة ذات التراث الممتد بقوة عبر الأجيال. وكان الأفق في البداية يبدو مظلمًاً، ولكن منذ هذا الوقت، وبعد مرور فترة لا تعتبر طويلة نجد الساحة الفنية حاليًا تمتلئ في كل يوم بالمزيد من الشباب المهووسين بهذا الفن والذين يضخون فيه رؤىً جديدة، وأذواق جديدة، ومصادر تأثر ووسائل تأثير جديدة.

هذه المرة، يخرج عدد ملّون مميز من “توك توك” وبين دفتيه رسوم لفنّانين مثل هجرسي، ميجو، محمد علي، أحمد سعد ومحمد صلاح. إضافات كلها طازجة للغاية وتُحرّك “توك توك” في اتجاهات جديدة جدًا، وتقرّبها وتقرب منها نوعيات مختلفة تمامًا من الجمهور المستعد لالتهام وجبة الكوميكس التي تشق لنفسها- ببطء- طريقًا ثابتًا على مائدة القراءة المصرية.

يُفتتح عدد “توك توك” الأخير، الذي اتخذ من الحب تيمة تتمحور حولها قصصه، بقصة بديعة كتبها ورسمها محمد صلاح بعنوان “حفنة من الجليتر”. شارك محمد صلاح على صفحات “توك توك” من قبل بسلسلة “عشرات هذا القرن” التي يعلّق من خلالها على جوانب من أسلوب حياة الشباب المصري في عشرات القرن الحادي والعشرين، كما هو واضح من العنوان. في صفحة واحدة قبل نهاية المطبوعة يسرد في كل حلقة مشهدًا من حياة شابين يعافران للحياة كما ينبغي بالمفهوم الجمعي السائد. السلسلة تسخر من محاولاتهم البائسة للحاق بركب الحضارة المقبولة كونيًا من خلال مظاهر مسطحة للغاية للتواصل الاجتماعي أو البحث عن التقدير أو الانتباه. روح الدعابة في السلسلة مظلمة وألوانها القاتمة تتخللها بالتّة مشرقة بشكل غير مريح ولا مصدّق، في اتساق كبير مع رحاب المثالية الزائفة التي تصنعها عوالم مثل تلك وسط كآبة مدينة كالقاهرة. 

في “حفنة من الجليتر” يستكشف صلاح هذه العلاقة البائسة بين مرح مصطنع وتحايل كسول على الغم الراكد عبر حبكة كلاسيكية مفرطة في الابتذال القصصي. نتابع عبر القصة ضابط مباحث متجهم يلاحق خيوط جريمة غريبة تحيّر المجتمع المصري. يحلّق صلاح عبر المدينة ناقلًا صورة بانورامية أسطورية لمجتمع ملول يمارس ردود أفعال هستيرية جماعية على اللا حدث. يسخر صلاح من ابتذال وتظاهر فقير بكل شئ. الضابط الموضوعة جديته الهشة على المحك بينما يحقق في أمر هو بالنسبة له أضحوكة، وردود الفعل الفقاعية من المجتمع تجاه إحساسه بالقمع أو التهديد.

لم يسقط النص في فخ الإعجاب الساذج بالذات والاستغراق في المستوى المسطح من الطرافة والإضحاك، وبذل صلاح مجهودًاً واضحًا في ضبط بناء القصة، متحكمَاً في إيقاعها وتصاعدها الدرامي الكلاسيكي المتوقع حتى نقطة الذروة. ما جعل النكات أكثر إضحاكًا في الحقيقة وأكثر ثباتًا وارتباطًا بالقصة. عندما يدلى المجند الريفي البسيط بدلوه في حل المشكلة بجملة ريفية مضحكة سيتم توظيف هذه الجملة في خدمة مستقبل الأحداث بأناقة واضحة. في رأيي هذا مثال واضح على الفرق بين الكوميديا والتهريج، مع كامل احترامي للإثنين.

على مستوى الرسم، يحكي صلاح القصة بوضوح شديد من خلال أسلوب سردي مظبوط، يتحكم في أحجام الكادرات ورؤيتها السينمائية بدقة واتزان، محافظًا على الحالة الكلاسيكية الأسطورية المبتذلة المألوفة مع قصص “نوار” من هذا النوع. تتحرر الخطوط وتنساب في ثقة داخل الكادرات بضربات فرشاة اقتصادية حرّة، بشكل يتناسب مع هزلية الأمر برمته ويعكس استتفاه صلاح الشخصي للقصة بأكملها ومحاولات بطلها أخذ نفسه بجدية.

استخدام الألوان أيضًا جاء اقتصاديًا ورمزيًا جدًا، بشكل متناسب مع طبيعة القصة ومع طبيعة المطبوعة ذاتها، يتوقع المرء من فنان يرسم لمطبوعة تنشر عادة بالأبيض والأسود أن يغمس صفحاتها في كل الألوان عندما يتسنى له، إلا أن صلاح ترك معظم الرسوم مظللة بالقلم الرصاص كحالتها في مراحل التنفيذ المبكرة وأدخل الألوان بهدوء. جعل هذا من التحول من الأبيض والأسود إلي الألوان في هذا العدد تجربة ناضجة وذات بعد أكبر.

بالنسبة لي- كفرد من المجموعة المشاركة في تأسيس المشروع لا يخجل من كتابة مقال احتفائي كهذا!- وجود قصة مثل تلك بين صفحات “توك توك”، يعبر عن تقدّم ونضج يبشر بمستقبل أفضل لفن الكوميكس في مصر.

اعلان