بين “عبثية” كامو.. و”عزلة” سالينجر ومحمد حافظ رجب

 ثمة فارق يكمن أحيانًا بين ما يقدمه الفنان من أفكار وما هو عليه حقًّا، قد تكون الصورة التي يرسمها المبدع لنفسه هي الصورة التي يريد أن يكون عليها أو ما يظن أن الناس تريده أن يكونها، (الأيمدج) الواجب توافرها له كفنان مؤثر، أو كرمز مفكر. ليس كل الفنانين قادرين على الاتساق مع ذواتهم، ليسوا جميعًا قادرين على فعل ما فعله “صنع الله إبراهيم” في عام 2003، عندما وقف على المنصة أمام جموع من الكتاب والمسؤولين- على رأسهم وزير الثقافة آنذاك، ليعلن رفضه تسلم جائزة ذات قيمة مالية كبيرة؛ لأنه يرفض التعامل مع تلك الدولة المتهالكة وذلك النظام العميل، ليس كل المبدعين على هذا القدر من التوافق مع أفكارهم؛ فليس “محمد منير” بثورية أغانيه، ولا “عبدالحليم” بعاطفية أفلامه، ولا “الأبنودي” بمبادئ أشعاره، ولا “وحيد حامد” بنقاء أبطاله، ولا “ألبير كامو” بعبثية غريبة.

كان التناقض بين حياة “كامو” وروايته يشغلني دائمًا، فـ”كامو” نفسه لم يكن عبثيًا، كان عمليًا إلى حد بعيد، ينخرط في معارك سياسية وفلسفية، ويخوضها دون كلل، ويدخل في صراعات أشهرها صراعه مع “سارتر”، يكتب بكثافة ويراعي توضيح وجهات نظره باستمرار، يفعل كل ذلك بما لا يليق بكاتب عبّر في روايته الأهم (الغريب)، عن عبثية الحياة وافتقادها للمعنى وللأهمية. ما كان يشغلني حقًا هو إدراكي أنني أيضًا أقع في المربع ذاته، في ذلك المكان الذي أدرك فيه افتقاد الحياة للقيمة دون أن أهملها أو أستغني عنها، دون القدرة على الابتعاد عن معاركها؛ حيث تسيطر عليّ- وعلى كامو أيضًا- تلك الغريزة الإنسانية التي تدفعنا للصراع والبحث والاستمرار دون توقف.

 يجيب “كامو” عن بعض تساؤلاتي تلك في كتابه (أسطورة سيزيف)، الصادر في عام 1942، العام ذاته الذي صدرت فيه (الغريب)؛ حيث يطرح أسئلته الوجودية حول الحياة والموت والانتحار؛ فيسأل: لماذا لا ننتحر إذا كنا فعلًا نعتقد أن الحياة بلا معنى؟؟ وهل للحياة أنماط قد تصنع لها قيمة؟؟ وهل يُقنع الإنسان ذاته بوجود معنى لحياته كي يسستطيع الاستمرار فيها؟ هل يختلق ذلك؟

 انتهت حياة “كامو”، ثاني أصغر من فازوا بـ “نوبل” للآداب، بشكل يليق بأحد أبرز من نظّروا للعبث؛ حيث مات في السادسة والأربعين من عمره بحادث سيارة على الطريق السريع. كان قد خطط لأن يسافر بالقطار، أشترى تذاكر السفر، وقبل انطلاق القطار بدقائق قليلة، استجاب لدعوة صديقه الناشر؛ لأن يصطحبه بالسيارة بدلًا من القطار؛ فانقلبت بهما السيارة ومات “كامو” وتذكرة القطار لا تزال بجيب بنطاله.

 لم يكن ذلك الفصل بين الروائي والحياتي موجودًا عند آخرين، لم يكن الوضع مماثلًا مع “جنون” نيتشه، أو مع “سوداوية” كافكا، أو مع “حياة” جي دي سالينجر المثيرة للجدل.

 فـ”سالينجر”، الذي حقق نجاحًا مدويًا، وهو في أوائل الثلاثينيات من عمره بعد صدور روايته الأولى والوحيدة (الحارس بحقل الشوفان)، بدت رؤيته للحياة مماثلة لرؤية “هولدن كولفيلد” بطل الرواية، الذي ينظر إلى البشر كمخلوقات زائفة مدعية؛ فهولدن لا يجد في كل من يقابلهم بالرواية من مدرسين، فتيات، أهل، أصدقاء وزملاء، إلا نماذج متباينة للادعاء، ولذلك كانت أكثر كلمة يستخدمها ويكررها في وصف الشخوص هي كلمة (مزيف). ظل “هولدن” بالرواية يكيل السباب والشتائم لكل من يقابلهم ويهرب من صحبتهم إلى المجهول، لا يطيق “هولدن” البقاء مع هؤلاء المزيفين ولا يجد نفسه وسعادته إلا مع أخته الطفلة الصغيرة. يتمنى “هولدن” أن يترك الدراسة ويعمل حارسًا بحقل شوفان؛ حيث يلعب فيه الأطفال كرة القدم ويقف هو ليراقبهم، يتلقفهم وينقذهم قبل أن يسقطوا في القنوات والحفر المحيطة بالحقل. يرى “هولدن”، وكذلك “سالينجر”، تناقضًا صارخًا بين زيف البشر الناضجين وبراءة الأطفال وتلقائيتهم.

لم ينته الأمر بـ “سالينجر” في التعبير عن غضبه وحنقه من هذا العالم عبر روايته التي حققت مبيعات مهولة، ووضعت صورته على غلاف مجلة (تايم)، ولكن الأمر امتد لحياته الشخصية؛ حيث توارى “سالينجر” لحظة تلو الأخرى، اعتزل العالم، ابتعد عن البشر، انقطع عن نشر القصص أو الروايات، امتنع عن الحوارات والتواجد الإعلامي، واختفي تمامًا مثلما أراد أن يفعل “هولدن” بالرواية.

 قام “سالينجر” بحوار قصير غير متوقع بعد انقطاعه عن الظهور لمدة تزيد على العشرين عامًا، حدث ذلك في 1974، واستطاعت صورة “سالينجر” العائد للظهور في حوار مقتضب في إزاحة صور نيكسون والسادات ورابين، أزاح حواره أخبار الحرب في فيتنام والشرق الأوسط، أزاح كل شيء على جانبيه، واستطاع أن يحتل الصفحة الأولى لمجلة (النيويورك تايمز)، كان الحوار مع “سالينجر”، ذلك الحوار الذي امتد لنصف ساعة فقط قبل أن يعود لعزلته، حدثًا يستحق الاحتفاء. قال “سالينجر” في حواره الاستثنائي: “هناك سلام نفسي رائع في عدم النشر، النشر اختراق حاد للخصوصية. أنا أحب أن أكتب، أحب جدًا أن أكتب، ولكني أكتب لنفسي، لمتعتي الخاصة”.

  عاش “سالينجر” في عزلته الاختيارية منذ خمسينيات القرن الماضي، وحتى وفاته بعام 2009، استمر قراؤه وجماهيره في التردد على القرية التي قطنها بحثًا عن منزله المنزوي، آملين في الحديث مع الكاتب الذي ألهمهم، أثر بأفكارهم ورؤيتهم للحياة. وهنا أذكر ما كتبه “سالينجر” في (الحارس في حقل الشوفان)، قائلا على لسان “هولدن”: “ما يثيرني حقًا هو كتاب عندما تنتهي من قراءته، تتمنى أن يكون كاتبه صديقًا قريبًا لك، وتستطيع أن تتصل وتهاتفه وقتما تحب”.

 يروي أحد مقتحمي عزلة “سالينجر” أنه استطاع أن يقابله ذات مرة في السبعينيات، انتظره حتى خرج من منزله، وقال له إنه يكتب القصص ويريد أن يتحدث إليه بسبب روايته التي كان لها بالغ الأثر على شخصيته. صرخ فيه “سالينجر” بعصبية: “أنا كاتب روائي، أنا لست مدرسًا، في كل عام يأتي أشخاص مثلك ليروني، يأتون من أمريكا، كندا وأوروبا، وعليّ أن أهرب من هؤلاء الأشخاص في الشوارع، ليس لدىّ ما أقوله لأساعد هؤلاء في حل مشكلاتهم، أنا قد أمثل أسئلة في كتاباتي بشكل ما، ولكنني لا أدعي أنني أملك الإجابة”.

كذلك يبدو لي القاص السكندري “محمد حافظ رجب”، معادلًا مصريًا لظاهرة “سالينجر” الأمريكية؛ فرجب أيضًا كان ابنًا للجيل ذاته؛ فهو بائع اللب والسوداني واليانصيب الذي اقتحم الحياة الثقافية المصرية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وحجز لنفسه مكانًا مميزًا بين أبناء ذلك الوسط بقصصه المُجددة، لغته المختلفة، تصريحاته المثيرة وصيحاته المدوية، والتي بات أشهرها قوله: “نحن جيل بلا أساتذة”. ولكن “محمد حافظ رجب” قرر أن يقاطع كل ذلك عائدًا إلى مدينته الأم، الإسكندرية، في عام 1972. عاد ليعمل موظفًا بسيطًا في المتحف الروماني ويعيش في بيت ضيق صغير، ويبتعد عن صخب القاهرة والأسماء الكبيرة. لم يكتب “رجب” منذ ذلك الحين ولمدة عشرين عامًا. في التسعينيات حاول “رجب” العودة بمجموعة من القصص الجديدة، ولكنه سرعان ما انسحب مجددًا بعدما قوبل بفتور وقليل من الاهتمام لا يليقان بمن وضع اسمه في مواجهة اسم “يوسف إدريس” ذات يوم.

 هجر “محمد حافظ رجب” الحياة مرة أخرى، قائلًا في أحد تصريحاته القليلة إنه أدرك أن الحقيقة المسيطرة على مكاننا المحدود من ذلك العالم هي حقيقة اللا جدوى واللا معنى واللا أمل.

تفرغ “محمد حافظ رجب” للعبادة والتصوف، وقال:نعم، إن اللا جدوى واللا معنى واللا أمل هي مقصلتي التي فصلت رأسي عن جسدي، لكني سأعود إلى الحياة لو عاد الغوغاء إلى جحورهم، إلى جحور الفئران السود”.

اعلان
 
 
أحمد عبد المنعم رمضان 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن