Define your generation here. Generation What

مارس شهر النساء.. ثوري يا بهية

“ما زلت أعاني استعادة مشاهد اغتصابي. أتذكر الكلمات التي استخدمها ليكسر روحي، ورغم مرور عام؛ فإن يومًا لم يمر علي دون أن أشعر بالانتهاك. لقد أثر ذلك على حياتي وعلاقاتي، فلا أمل لدي في القصاص أو الوصول إلى خاتمة. من المتوقع مني أن أشفى وأستمر في صراعي ضد الدولة التي هزمت الثورة كما هزمت أجسادنا وأرواحنا. ما زلت أرى نفسي مصلوبة عارية في ميدان التحرير، وما زال الناس يمرون بي وهم يدقون طبولهم ويهللون لمن قام بصلبي. أخذت مؤخرًا قرارًا واعيًا بألا أسمح لهم بهزيمتي. سوف أقاوم. فأنا كامراة ولدت لأقاوم المجتمع الأبوي، ولقد قطعت شوطًا طويلًا بالفعل حتى صرت أطالب بمكان في وطني. وسوف أستمر في المقاومة ضد الصدمة والأشخاص الذين أصابوني بها. كانت أفعالهم مدمرة، لكني من الآن فصاعدًا سوف أباشر دوري بالبناء. سوف أحوّل كل الحطام والأنقاض إلى حياة وحرية”.

بسبب أشخاص مثلها أُفَضِّل استخدام مصطلح “ناجيات” من العنف بدلًا من “ضحايا” لوصف من تعرضن إلى انتهاكات جسدية وروحية كتلك، ورغم أنها لن ترفع قضية بسبب عدم ثقتها في منظومة القضاء وخوفها من الاغتيال الاجتماعي؛ فإنها عاقدة العزم على أن تكون من نساء هذه الثورة. وهي ما زالت على إيمانها بأننا سوف ننتصر، وهي في انتظار العدالة والحرية الجماعية، مثل العديد من النساء والرجال الذين تم انتهاكهم.

لقد انتشر استخدام اغتصاب النساء كسلاح حرب عند نشوب أي اشتباكات مسلحة بين الأطراف المختلفة، وسواء في النزاعات المحلية أم الدولية؛ فالنساء والفتيات كثيرًا ما يقعن ضحايا الاغتصاب الجماعي على يد رجال من جميع أطراف النزاع، وتكون أجسادهن في كثير من الأحيان أرضًا للمعركة.. تلك الجرائم تستخدم بشكل أساسي لسحق كرامة الضحايا، لكنها ترمز أيضًا إلى اغتصاب المجتمع، والإهانة الكبرى للعدو الذكر.

في عام 1944، قام رجال سوفييت من الجيش الأحمر باحتلال ألمانيا بعد سقوط برلين، وكانوا مسؤولين عن اغتصاب النساء الألمانيات بشكل جماعي، ويقدر عدد النساء اللاتي تم اغتصابهن في المناطق الشرقية فقط بمليون سيدة تقريبًا، كما قام جنود الجيش الأحمر باغتصاب 182 راهبة كاثوليكية في سيليزيا، وتسببوا في حمل 66 راهبة في كاتوفيتز.

“لقد لقي الألمان جزاءهم، لكنه ليس كافيًا! بعضهم لقي جزاءه، لكن ليس كلهم بعد”.. هكذا تحدث إليا إيرينبورج– الكاتب السوفييتي، والقائم على الدعاية المناهضة لألمانيا إلى جنوده-، وبعد سنوات من القتال في الحرب صدق الجنود ما يقوله إيرينبورج بأن لهم مطلق الحرية لأخذ “حقهم من غنائم الحرب”: النساء الألمانيات.

في مذكرات كتبتها سيدة ألمانية مجهولة بعنوان “امرأة في برلين” (1959)، وصفت الكاتبة انتشار حالات اغتصاب النساء من قبل الجنود السوفييت، وجاءت روايتها لواقعة اغتصابها، وما لجأت إليه من أساليب محل تساؤل أخلاقي للبقاء على قيد الحياة، لتواجه العالم بالإشكالية الأخلاقية العالمية التي تهيمن على كل الحروب سواء أكانت “عادلة” أم “غير عادلة”؛ فهؤلاء الجنود الذين اغتصبوا وهم سكارى حتى النساء المسنات وأطفال يصرخون من الذعر، من المحتمل أن يكونوا الرجال أنفسهم الذين حرروا معسكرات “أوشفيتز” للإبادة في العام نفسه.

يبدو أن النساء يتم إقصاؤهن معنويًا من الحق في الكرامة أثناء الحروب، وهن يدفعن أجسادهن وأرواحهن ثمنًا لتحرير أبناء وطنهن. لم تكتفِ مؤلفة كتاب “امرأة في برلين” المجهولة بمهاجمة المغتصبين السوفييت فحسب، بل هاجمت أيضًا أبناء وطنها في الفترة النازية. كتبت قائلة: “العالم النازي الذي يحكمه الرجال، ويمجد الرجل القوي- بدأ ينهار، لتنهار معه أسطورة ’الرجل‘، لقد جعلنا ذلك نتحوَّل ونتشجَّع. من بين الهزائم التي حلت مع نهاية تلك الحرب كانت هزيمة جنس الرجال”، ورغم أن تفاؤلها كان للأسف سابقًا لأوانه؛ فإن كلماتها وقصتها تنطبق على جميع النساء في المناطق المحتلة أو مناطق النزاع، وحتى في بلاد مثل مصر بها صراعات داخلية واستقطاب.

تميز الذكورية المهيمنة الممارسات التي ترسخ سيطرة الرجال اجتماعيًا وإخضاع النساء، وهي تقدم تفسيرًا لكيفية وسبب احتفاظ الرجال بتلك السيطرة واستمرارهم في انتهاك النساء.. الذكورية المسيطرة تطرح عددًا من الصفات الشخصية التي يتم تشجيع الرجال على استبطانها في نظامهم الشفري؛ فنجد لغة برمجة السلوك الذكوري تتضمن العنف والعداء والشجاعة وكبح العاطفة والمخاطرة والسعي وراء الإثارة.   

إن الذكورية المهيمنة، طريقة يمكن من خلالها معرفة لماذا النساء هن أكثر من يعاني أثناء النزاعات والاضطرابات، بالإضافة إلى كون النساء هدفًا للعنف من قبل أي طرف يسيطر على المجتمع، قد يتم إخضاعهن من قبل أفراد جماعتهن أيضًا، وبخاصة إذا كان الرجال يشعرون أنهم مقهورون من الطبقة الحاكمة أو الغزاة، لكن هوية المرء لا تقتصر على النوع الاجتماعي فحسب، بل تتضمن العديد من الصفات الأخرى التي تتقاطع لتؤثر على تجربة المرء مع القمع. وحسب مفهوم التقاطع في الماركسية الجديدة تتشكل أشكال “عدم المساواة والقمع والامتياز” من خلال محاور الهوية المتصلة، وترسخها بشكل متبادل التفاعلات الاجتماعية والهياكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، مثل الرأسمالية والنظام الأبوي والهيمنة المؤسسية. ويعمل كل من العرق والطبقة الاجتماعية والحياة الجنسية على تعزيز بعضهم للبعض الآخر بشكل متبادل، لتتشكل منظومة متداخلة من القمع يمكن رؤيتها من خلال ما يعرف باسم “مصفوفة الهيمنة والقمع”.

ترى “باتريشا كولنز”، صاحبة نظرية “القمع المتداخل” في كتابها “الفكر النسوي الأسود”(1990)، أنه يجب فهم تجربة المرأة السوداء من منظور التفاعل بين كونها امرأة وكونها سوداء، وأن هذا التفاعل يؤدي إلى أن يرسخ هذان المتغيران المستقلان أحدهما الآخر. رغم أن تركيزها كان على النساء الأمريكيات من أصل أفريقي، إلا أن هناك العديد من الأمثلة الأخرى يمكن استخدامها للاستدلال على هذه النظرية، مثل النساء الألمانيات بعد سقوط برلين وما يحدث للنساء في مجتمع تم إخضاعه كالمجتمع المصري. إذا طبقنا هذه المصفوفة على المثال الأخير، في حالة امرأة من صعيد مصر غير مسلمة سنية وغير متعلمة ومن الطبقة الفقيرة، نجدها الأكثر عرضة للقمع والعنف في مصر.

يجعل التفاعل بين منظومات عدم المساواة والقمع مجموعات بعينها عرضة للعنف بشكل خاص، يحدث العنف الجنسي داخل ديناميكيات السلطة المتشكلة اجتماعيًا، والتي تقوم فيها الذكورية المهيمنة بخلق ثقافة من الاستحقاق والصمت والحماية، تؤدي بشكل فعال إلى تطبيع العنف ضد المرأة وإسكات ضحايا العنف. في مصر نجد أن أشكال العنف الواضحة ضد المرأة في المجتمع المصري، مثل العنف الأسري والتحرش الجنسي وختان الإناث، تسمح بحدوث العنف المدعوم من الدولة ضدها وترسخه.

إن ضميرنا المصري الجمعي مثقل بخزي “فحوص العذرية“. في يوم 9 مارس عام 2011، اقتحم الجيش ميدان التحرير واعتدي على الرجال بالصواعق الكهربائية وأجرى فحوص عذرية على 17 سيدة من المتظاهرين.. لم تتم محاسبة أي شخص على هذا الانتهاك الجسيم، ما يضيف ملحًا على الجرح العميق ليستحيل أي احتمال في الشفاء، وطبقًا لمنظمات حقوق الإنسان وما تم توثيقه من خلال ويكي ثورة، هناك أكثر من 235 سيدة ألقت الشرطة القبض عليهن وأخضعتهن إلى أشكال عدة من التعذيب والمهانة، بما في ذلك الاغتصاب. كما تم الاعتداء جنسيًا على مئات النساء أو اغتصابهن على مدار الاحتجاجات منذ عام 2013.

تقول “آيات حمادة”، الطالبة التي تعرضت للاعتداء الجنسي، لموقع “بي بي سي” إن الغرض من الاعتداء كان تحطيمها معنويًا، وتحدثت عن مدى صعوبة تصريحها بما حدث من الناحية الثقافية، قائلة إنها لم تستطع الكشف عن تفاصيل الاعتداء. كما تحدثت “ندى أشرف” عن واقعة اغتصابها داخل سيارة شرطة أمام جامعة الأزهر، ووصفت كيف تم اغتصابها بشكل وحشي على يد ضابط شرطة في حضور أحد المجندين، وكان موقع «مدى مصر» قد نشر شهادة ناشطة علمانية تم اغتصابها على يد قوات أمن الدولة، لكنها لم تتمكن من الإفصاح عن الواقعة بشكل علني خوفًا من تعرضها إلى حملة تشويه.

إن لكل تجربة من تجارب النساء في مناطق أحداث العنف المعبأة بـ “التستوستيرون”، سواء في أرمينيا عام 1915، أم في ألمانيا في عام 1945، أم في البوسنة أو رواندا في التسعينيات، أم في مناطق اليزيديين والمسيحيين بالعراق اليوم، رواية خاصة لا تنطبق مع رواية الذكور “القاهرين” ولا “المقهورين”. ما زالت المرأة تشعر بتجريدها من الصفة الإنسانية، وهذا ما يحدث لها بالفعل، كما تقول الكاتبة المجهولة في “امرأة في برلين”: “لسنا سوى حطام نساء ونفايات بالنسبة لبقية العالم”- مع أن ألمانيا قد أعيد بناؤها على يد “نساء الحطام” هؤلاء، اللاتي تمكن رغم ما تعرضن له من انتهاكات ومهانة من إزالة أثر ما أحدثه الرجال من دمار وبناء ألمانيا جديدة.

نساء الحطام، أو كما يطلق عليهن بالألمانية Trümmerfrauen، أمرن بإزالة الحطام المتبقية من قصف ألمانيا في عامي 1944 و1945. تم هدم المباني غير الآمنة وقامت هؤلاء النساء بنقل قوالب الطوب لتنظيفها وإعادة تشكيلها لتكون جاهزة للاستخدام مرة أخرى. واستخدم الحطام غير الصالح للاستعمال لملء الحفر، وما زال موجودًا حتى اليوم في برلين؛ حيث خلف عدة تلال صناعية، كنصب تذكاري للنساء اللاتي نظفن آثار الدماء وأعدن الحياة إلى البلد مرة أخرى.

رغم أن ما فعلته النساء من أجل ألمانيا كثيرًا ما ينسى؛ فإن الأنصاب التذكارية وعلامات التقدير ما زالت موجودة في العديد من المدن الألمانية- من بينها برلين. لم تكن ألمانيا كما نعرفها اليوم لتكون لولا نساء الحطام، اللاتي نظفن البلد بأدوات مستهلكة من أجسادهن وأرواحهن المتضررة والمغتصبة.. كانت ألمانيا حطامًا وأعادت النساء بناءها من الأنقاض.

تقول “ديان ماريتشايلد”: “المرأة دائرة مكتملة، بداخلها قوة للخلق والتنشئة والتحويل”.. ونحن نحتفل بعيد الأم المصري في يوم مولد الربيع، يوم 21 مارس. ولقد لقيت الأم والمقاتلة من أجل الحرية “شيماء الصباغ” مصرعها عندما أطلق عليها الرصاص، وهي تحمل الزهور في مسيرة للتحرير لإحياء ذكرى أبطال 25 يناير الراحلين. بعد أقل من أسبوع وقفت مظاهرة نسائية في تحدٍ في المكان نفسه الذي سقطت فيه الوردة غارقة في دمائها، لإرسال رسالة مفادها: الثورة مستمرة داخل كل واحد منا، وسوف نستكمل مقاومتنا بأدواتنا المستهلكة، بكرامتنا وأجسادنا المنتهكة.

في عام 1977، شن الجيش الأرجنتيني ما يعرف بـ “الحرب القذرة” على المناضلين اليساريين ومعارضي النظام السياسيين، وكان معظم من تعرضوا إلى الاختطاف والتعذيب والقتل من الشباب الذين يحاولون التعبير عن عدم رضائهم عن النظام. تخلصت الحكومة من كل السجلات التي قد تساعد العائلات في العثور على المخطوفين، وكانوا يطلقون عليهم وصف “المختفين”. وهكذا تأسست منظمة “أمهات ميدان مايو” لمحاولة معرفة ما حدث للمختفين. بدأت النساء مسيرتهن في عام 1977 أمام القصر الرئاسي، في تحدٍ علني لإرهاب الحكومة الرسمي.

مع الوقت بدأ تعبير الأمهات السلمي عن الحقيقة أمام السلطة في جذب الاهتمام الدولي.. وجاءت مجموعات حقوق الإنسان لمساعدتهن في فتح مكتب وإصدار جريدة خاصة بهن والتأكيد على وجودهن، رغم ما تعرضن إليه من مضايقات مستمرة على يد الشرطة (حتى إن السيدات اللاتي أسسن المنظمة في البداية “اختفين” بالفعل). وهكذا أصبح من الصعب على الحكومة تجاهل الوجود المعنوي للأمهات اللاتي شهدن على ممارسات النظام الوحشية وغير القانونية.. وكونهن أمهات قدم رمزًا معنويًا قويًا حولهن مع الوقت من نساء تسعين إلى حماية أطفالهن إلى نساء تحاربن من أجل تغيير الدولة، بحيث تعكس القيم الأمومية.. اتخذت رسالتهن صفة ثورية وأصبحن خصمًا قويًا أمام الجيش حتى سقط.

عندما وقفت في مكان موت “شيماء” استحوذ عليّ تصور إمكانية وجود حركة لأمهات الثورة المصرية، حركة مبنية على قوة النساء الواقفات أمام المحاكم، وقد تعهدن بالدفاع عن حقوق أولادهن في الحرية والكرامة، وعلى فخر من فقدن أولادهن في الثورة، وتفاني من يبحثن عن المفقودين، قد يكون هذا التفاني والمكانة الاجتماعية المقدسة ما تحتاجه الثورة لتولد من جديد؛ فقد نجحت الأمهات الأرجنتينيات في هزيمة نظام عسكري مماثل على قدر شبيه من الوحشية.

يوجد وشم على ظهري يقول: “ثوري يا بهية”.. “بهية” هي الأنثى ومصر الحاضنة.. بهية هي كل امرأة وأم تمثل ربيع الحرية والسبيل إليها. شهر مارس شهر كل بهية مصرية مستمرة في مسيرتها نحو التحرير، وقد ولدت لتقاوم هذا العالم الذكوري المسيطر دفاعًا عن حقوقها، متحملة تجريدها من إنسانيتها لتنتصر في يوم ما، وهي مستمرة بمنتهى البهاء والكرامة والجسارة في الدفاع عن الحق في وجه الطغاة، بينما تؤسس قواعد المجد من الأنقاض والحطام.

اعلان