Define your generation here. Generation What
لماذا شاركت مصر في «عاصفة الحزم»؟
 
 

أثارت مشاركة مصر في العملية العسكرية، “عاصفة الحزم”، ضد الحوثيين في اليمن ردود أفعال متباينة. فانقسمت الآراء بين مؤيد للمشاركة المصرية والعملية العسكرية برمتها بصفتها دفاعا ضروريا عن الأمن الوطني العربي الخليجي في مواجهة تمدد النفوذ الإيراني في شبه الجزيرة العربية، ومعارض لها يراها من ناحية استكمالا لسياسات الاستقطاب الإيراني الشيعي والسعودي السني، ومن ناحية أخرى زج لمصر في صراع غير مُلزم ولا ضروري لأمنها القومي.

وفي محاولة لبلورة السبب وراء التدخل المصري في اليمن٬ جاء الحديث عن سيطرة الحوثيين قبل بضعة أيام على ميناء “مخا” اليمني، الذي يبعد كيلومترات عن مضيق باب المندب الذي يتحكم في الملاحة الدولية في البحر الأحمر وقناة السويس.

وكانت مصر قد أرسلت أربعة قطع بحرية أمس، الخميس، لتأمين خليج عدن.

يتفق اللواء المتقاعد جمال مظلوم مع الخطاب الرسمي المصري الذي يرى أن مشاركة مصر في “عاصفة الحزم” كانت أمرا واجبا، فيقول لـ«مدى مصر»: “مصر ساندت دولا عربية كبيرة في مواقف عديدة، كما أن تهديد الأمن القومي لدول مجلس التعاون الخليجي يُعد تهديدا للأمن القومي المصري”، ويضيف “لا يجب، أيضا، أن ننسى موقف الدول الخليجة ومساندتها مصر عقب ٣٠ يونيو”، وهو ما يُلزم مصر أخلاقيا وقوميا بمساندة هذه الدول عندما يتعرض أمنها لتهديد، على حد قوله.

وقدمت دول من مجلس التعاون الخليجي مساعدات مالية ونفطية، مستمرة، للحكومة المصرية عقب الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في ٣ يوليو ٢٠١٣؛ كان آخرها حزمة مساعدات واستثمارات تقدر بـ١٢ مليار دولار، تعهدت دول الخليج، خلال المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ، تقديمها لمصر.

يتفق ما قاله مظلوم مع بيانيّ وزارة الخارجية ورئاسة الجمهورية المصرية بخصوص المشاركة في العملية العسكرية التي بدأت أمس، الخميس، فجاء في بيان الخارجية أن مصر تؤكد دعمها السياسي والعسكري للخطوة التى اتخذها “ائتلاف الدول الداعمة للحكومة الشرعية” في اليمن استجابة لطلبها، وأضاف البيان إن هذا الإعلان يأتي “انطلاقا من مسؤولياتها (مصر) التاريخية تجاه الأمن القومى العربى وأمن منطقة الخليج العربى”.

وقال البيان إنه جارى التنسيق حالياً مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج “بشأن ترتيبات المشاركة بقوة جوية وبحرية مصرية، وقوة برية إذا ما لزم الأمر، فى إطار عمل الائتلاف، وذلك دفاعاً عن أمن واستقرار اليمن وحفاظاً على وحدة أراضيه وصيانةً لأمن الدول العربية الشقيقة”.

ولكن يرى السفير المتقاعد حسين هريدي، مساعد وزير الخارجية الأسبق٬ أن هناك مبالغة في الحديث عن تهديد الحوثيين للأمن القومي المصري عن طريق سيطرتهم على مضيق باب المندب. فيمضي قائلا: “لا يمكن لأحد إغلاق المضيق، أو تحمل تبعات ذلك دوليا”.

ويضيف: “حتى خلال سنوات الحرب بين العراق وإيران لم يُغلق مضيق هرمز في الخليج العربي، لما قد يسببه ذلك من رد فعل دولي غير مُحتمل لأي دولة أو قوة سياسية، والأمر نفسه يسري على مضيق باب المندب”.

وبينما يتفق اللواء مظلوم أن الحوثيين لا يمتلكون القوة الكافية لإغلاق المضيق أو تهديد الملاحة فيه، إلا أنه لم يكن ممكنا لمصر أن تترك الأمر للمصادفة، على حد قوله.

يقول مظلوم “إمكانيات الحوثيين لا تكفي للسيطرة على المضيق، فقوتهم العسكرية لا تتعدى ٣٠ أو ٤٠ ألف مقاتل، بالإضافة إلى أن باب المندب مُؤمّن بشكل جيد بوجود قطع بحرية أمريكية وبريطانية وفرنسية وألمانية ومن دول أخرى بالإضافة لقوة عربية بحرية أمام السواحل الصومالية، بالقرب من المضيق”.

ويرجع مظلوم هذا الوجود العسكري المكثف إلى عامي ٢٠٠٨ و٢٠٠٩ عندما بدأت عمليات القرصنة أمام سواحل الصومال، مما استدعى تأمين الملاحة البحرية في هذه المنطقة المحورية في خطوط التجارة الدولية، إلا أن مظلوم يعود ليؤكد أنه لم يكن ممكنا للسلطات المصرية ترك الأمر للمصادفة.

يرى عمرو عبد الرحمن، الباحث المصري والكاتب السياسي المهتم بشؤون التحول الديمقراطي في المنطقة العربية٬ أن تأمين مصالح مصر الاستراتيجية، المرتبطة باستمرار الملاحة في مضيق باب المندب، كان من الممكن ضمانها بطرق أخرى.

فيقول على صفحته الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك “الخطر الرئيسي على الملاحة في مضيق باب المندب هو الفوضى التي ستتمخض عنها هذه الحرب، ولا أستوعب كيف يمكن لعاقل أن يتصور أن الحوثيين مثلاً أخطر من تنظيم القاعدة المتمركز على بعد عشرات الكيلومترات فقط من المضيق والذي وفد عليه حديثًا تنظيم داعش. وبالمناسبة كذلك، لو لم تكن سياستنا الخارجية والدفاعية مرتهنة بشكل شبه كامل بالرغبات الخليجية لكنا توصلنا لتفاهمات معقولة مع الإيرانيين بهذا الشأن دون استبعاد أي خيارات عسكرية محسوبة في المستقبل”.

كان وفدا حوثيا قد زار القاهرة مطلع الشهر الجاري بغرض مقابلة مسؤولين مصريين ولدى الجامعة العربية. وضم الوفد، بالإضافة لممثلي الحوثيين، أعضاًء من من حزب المؤتمر الشعبي العام، وهو حزب الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح، وأيضا عن حزب اتحاد القوى الشعبية. وجاءت زيارة الوفد عقب عودته من زيارتين لطهران وموسكو. وأصدرت الخارجية المصرية بيانا نفت فيه مقابلة أي من أفراد الوفد الحوثي، والتزام مصر بموقفها الداعم لمؤسسات ورموز الدولة الشرعية في اليمن.

ويعلق مظلوم على تلك الزيارة قائلا أنها لم تكن زيارة رسمية، ولم يكن ممكنا لمصر الاعتماد عليها أو الالتزام بها كدولة في رسم سياساتها الخارجية بشأن أمنها القومي.

وإجمالا٬ ينظر عبد الرحمن الى التدخل المصري العسكري بعيدا عن مسالة أمن مصر القومي. فقد واصل “هذه الحرب هي المحصلة الطبيعية لمسار بدأ الإعداد والتجهيز له منذ سبتمبر الماضي والدفع بقوة باتجاهه منذ يناير. مسار يستهدف تعبئة تحالف إسلامي/سني رجعي بالمعنى الكلاسيكي للكلمة لمواجهة تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة بكل تداعياته المعروفة على مشيخات وممالك الخليج. “.

ويضيف “هي حالة كلاسيكية للسياسة الخارجية والدفاعية الرجعية التي تتبناها السعودية والخليج برضا وتواطؤ أمريكي. حالة من فرط كلاسيكيتها لا تذكرنا إلا بأحلاف بغداد و(الحلف الإسلامي) سيئى الذكر في الخمسينيات والتي لم تتشكل إلا لضرب حركات التحرر العربية، وقتها، بالرغم من محدودية أفق هذه الأخيرة”.

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا قد أعلنتا دعمهما للعمل العسكري ضد الحوثيين في اليمن. فبينما أدانت الولايات المتحدة الأمريكية، في بيان مجلس الأمن القومي الأمريكي، العمليات العسكرية التي يشنها الحوثيون ضد الحكومة اليمنية المنتخبة، وأعلنت تأييدها للعمل العسكري الذي تقوده المملكة السعودية وشركائها في المنطقة ودعمها اللوجيستي الاستخباراتي لـ”عاصفة الحزم”، وصفت بريطانيا، في بيان وزارة خارجيتها، تصرفات الحوثيين الأخيرة بأنها “علامة على عدم اكتراثهم بالعملية السياسية”.

يتفق هريدي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، في رفض العمل العسكري ضد الحوثيين في اليمن، فيقول لـ«مدى مصر» أنه يتمنى أن تتوقف  العملية العسكرية في أقرب فرصة ممكنة، وأعرب عن شكه أن يؤدي العمل العسكري إلى حل دائم للأزمة السياسية في اليمن، ويرى أن ما يحدث الآن هو امتداد للنزعة الطائفية التي تحكم التحالفات السياسية في المنطقة.

ويضيف أنه ليس متأكدا أن عملية “عاصفة الحزم” تمثل رد الفعل المناسب، ويرى أنه من الأفضل الاستمرار في بذل الجهود السياسية لجمع القوى المحلية في اليمن والاستناد للمبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني اليمني.

يعود عبد الرحمن ليوضح السبب الذي يراه رئيسيا لمعارضته مشاركة مصر في العملية العسكرية قائلا: “معارضة المشاركة المصرية، والحال كذلك، ليست فقط معارضة للزج بالجيش المصري في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل حرفيًا، ولكنها بالأساس معارضة لرهن إرادة هذا الجيش في المستقبل لحسابات حكام السعودية وحلفائهم. طبعًا السيسي قد يتحصل على بعض المكاسب الاستراتيجية، مثل غض الطرف عن تدخله المباشر وغير المباشر في ليبيا. لكن حتى هذا التدخل لا يبدو موجهًا برؤية استراتيجية يقدر الرجل على تنفيذها هناك ولا يبدو أن الأمر سيتجاوز انتزاعنا لحق الرد على أي تهديد لأرواح المصريين كما حدث على يد داعش”.

اعلان