Define your generation here. Generation What
“إعلان المبادئ” مع إثيوبيا.. بين آمال سياسة خارجية جديدة ومخاوف ضياع الحقوق التاريخية

 

التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي نظيره الإثيوبي مولاتو تشومي الثلاثاء بعد توقيع إعلان المبادئ بين مصر وأثيوبيا والسودان بخصوص سد النهضة الإثيوبي في السودان. وتباحث الرئيسان حول كيفية تطبيق المبادئ العشرة الواردة في الإعلان والذي يراه كثيرون خطوة هامة في مسار علاقة مصر بدول حوض النيل، بينما عبر آخرون عن مخاوفهم من تهديد حصة مصر من مياه النيل حال اكتمال بناء السد.

 

وأكد المتحدث باسم الرئاسة السفير علاء يوسف في مؤتمر صحفي عُقد مساء الإثنين أن الإعلان يحافظ على حق مصر التاريخي في مياه النيل بالاستناد إلى نصوص القانون الدولي.

 

وتضمن الإعلان عشرة مبادئ أساسية من ضمنها التعاون على أساس المنفعة المشتركة، والتنمية والتكامل الإقليمي والاستدامة، ومبدأ عدم التسبب في ضرر ذي شأن، والاستخدام المنصف والمناسب للموارد المائية، وإعطاء دول المصب الأولوية في شراء الطاقة المولدة من سد النهضة، وتبادل المعلومات والبيانات، وضمان معايير الأمان أثناء بناء السد، بالإضافة إلى تساوي السيادة بين الدول والتسوية السلمية للنزاعات.

 

وأشار الكثير من المتابعين إلى غياب أي تفاصيل فنية في نصوص الإعلان تضمن حق مصر في مياه النيل، مما دفع البعض للاعتقاد أن الأمر يحمل دلالات سياسية عن تغير واضح في السياسة الخارجية المصرية أكثر من أي شيء آخر.

 

تركز الخطاب السياسي المصري دومًا حول ضرورة حماية حق مصر التاريخي في مياه النيل بأي شكل، وهو الحق الذي أكدته اتفاقية 1939 التي وقعها الاحتلال الانجليزي آنذاك وألزمت بمقتضاه دول حوض النيل بعدم بناء أي مشاريع تنموية حول النيل دون الحصول على موافقة مصر. عارضت إثيوبيا هذه الاتفاقية ورفضت الاعتراف بها نظرًا لكونها غير واقعة تحت سلطة الاحتلال الإنجليزي، على العكس من مغظم دول حوض النيل حينها. ودعمت مصر حقها التاريخي بتوقيع اتفاقية ثنائية مع السودان لتقسيم مياه النيل فيما بينهما عام 1959 بدون استشارة إثيوبيا والتي اعتبرت الاتفاقية تجاهلاً شديداً لوضعها كدولة المنبع.

 

وعبر وائل رشدي سليمان، المدير السابق للمكتب الوطني لمبادرة حوض النيل في مصر، عن مخاوفه من غياب أي نصوص واضحة تلزم إثيوبيا باتفاقيات 1939 و1959، وهي علامة في غاية الخطورة على حد قوله. وأضاف سليمان في تعليق له على موقع فيسبوك أن إعلان المبادئ جاء “خالي الدسم”، إذ لم يأتي ذكر أي أرقام أو مشروعات مستقبلية، مع التركيز بشكل كبير على سد النهضة عبر عبارات مبهمة وعامة ومرسلة يمكن أن يفسرها كل طرف على هواه.

 

وخلا إعلان النوايا بالإضافة إلى ذلك من أي تفاصيل حول آليات محددة لفض النزاع، مما حدا بسليمان لوصف هذا الغياب بـ”مسألة في غاية الخطورة لأنها تعيدنا للمربع صفر وتنذر بتكرار سيناريو سد الألفية مرات اخري. لا نعلم ما اتُفق عليه في الغرف المغلقة وأعلم أنه كثير. ومشكلة تلك الاتفاقات السرية هي أن احتمالات التملص منها سهلة جدا.” وأضاف: “هذه قراءتي لإعلان النوايا. لم نأخذ شيئاً من إثيوبيا ونبدو أننا تنازلنا عن شيء للسودان وإثيوبيا”.

 

 

الماضي يؤثر على الحاضر

 

وفي المقابل، يرى آخرون أن الإعلان هو تغير في سياسة مصر الخارجية من الاستعلاء إلى التعاون والتفاهم المشترك، خاصةً بعد أن فرضت مصر على إثيوبيا حقها التاريخي في مياه النيل من منظور قوة ظهر بشكل واضح في اتفاقيتي 1939 و1959. وطبقاً لدراسة نشرها أحمد أبو زيد، مدير قسم البحوث بالمعهد الدولي للديبلوماسية الشعبية بدبي، فإن التعامل المصري مع قضية مياه النيل في إثيوبيا هو ما أوصلنا للوضع الحالي، حيث تعاملت الأنظمة المصرية المتعاقبة مع الأزمة بمنطق القوة والفوقية. وكان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قد دعم الحركات الانفصالية في إريتريا والصومال ضد إيثوبيا، بينما تجاهل الرئيس الراحل أنور السادات القضية الإثيوبية كليةً في مقابل التركيز على قضية السلام مع إسرائيل. ولم تتغير سياسة الرئيس الأسبق حسني مبارك كثيراً عن سابقيه.

 

 

تحول جديد

 

وربما تمثل وثيقة المبادئ تغيراً في السياسة الخارجية المصرية. فبعد الثورة المصرية في 2011، سافر وفد من الشخصيات العامة والسياسية أُطلق عليه وقتها وفد الدبلوماسية الشعبية لإثيوبيا كإشارة لتغير موقف مصر من إثيوبيا وأفريقيا بشكل عام. وازدادت التوقعات بتغير إيجابي في السياسة الخارجية المصرية خاصة بعد انتخاب الرئيس الأسبق محمد مرسي، إلا أن اجتماعاً عقده مرسي نفسه مع القوى السياسية المصرية لبحث أزمة سد النهضة تحدث فيه الحاضرون عن إمكانية اللجوء لحل عسكري لإنهاء الأزمة أدى لأوضاع أكثر سوءًا.

 

وعبر السيسي بشكل واضح عن هذا التغيير في خطابه بعد توقيع الإعلان، حينما قال: “احنا ممكن نتعاون ونعمل حاجات عظيمة جدا، وممكن نأذي بعض سنين طويلة جداً جداً، احنا اخترنا التعاون والبناء والتنمية”.

 

وصرح أبو زيد في حوار هاتفي مع مدى مصر أن توقيع وثيقة المبادئ اليوم هو بمثابة إعادة فهم واقعية لحقائق الأمور منذ يونيو 2013 وحتى الآن. فعلى حد قوله، تواجه مصر تحديات سياسية واقتصادية وأمنية تحتم عليها التخلي عن أحلام “المهاترات العسكرية” وإدراك وضع مصر الحقيقي في المنطقة مقارنةً بالنمو الاقتصادي والسياسي المطرد الحادث في إثيوبيا. وأضاف: “مصر تتفاوض على ما تملك وليس على ما تريد. لا يمكن لمصر أن ترغم أثيوبيا على عدم بناء السد، فمن مصلحة مصر إدارة المفاوضات بطريقة سلمية خاصة وهي تواجه القوة الإقليمية الأولى في شرق أفريقيا”.

 
اعلان