Define your generation here. Generation What

نظرات في تغريبة القرن

تفيد أرقام الأمم المتحدة بزيادة عدد اللاجئين السوريين بما لا يقل عن مليون شخص عن العام الماضي، مما يعكس صعوبة الأوضاع وتدهورها بعد أربع سنوات من اندلاع الصراع في سوريا. ليصل عدد اللاجئين المسجلين رسميًا إلى ثلاثة ملايين لاجئ سوري أو يزيد.. هم ليسوا مجرد أرقام، ولكن لكل منهم تجربة صعبة أجبرته على مغادرة وطنه إلى المجهول في ظل أوضاع مروعة على الأرض السورية أدت إلى نزوح ستة ملايين وخمسمائة ألف شخص داخل سوريا (طبقًا لتقديرات الأمم المتحدة).

ملايين السوريين عاشوا تجارب أليمة خلال نزوحهم وهروبهم من جحيم الصراع ليمثلوا أكبر عدد لاجئين في العالم تحت رعاية المفوضية السامية لشئون اللاجئين، ولا يتفوق عليهم عددًا سوى لاجئي فلسطين الذين تتولى وكالة “الأونروا” في دول الشرق الأدنى الأمور المتعلقة بمساعدتهم ودعمهم. ومع ارتفاع عدد اللاجئين السوريين تزيد الأعباء على الدول المستضيفة والوكالات الإنسانية العاملة في الميدان.

“سجّلنا المليون الثالث لـلاجئين السوريين بالمنطقة، وهذا الموضوع يعكس كارثة إنسانية على الأرض للمفوضية وكل المنظمات الإنسانية التي تشهد على المأساة التي يعيشها النازحون إن كان ذلك في لبنان؛ حيث وجد، أو في الدول المجاورة. خلال العام الماضي زاد عدد النازحين في المنطقة مليون شخص في عام واحد فقط، مقارنة بمليونين تم تسجيلهم في ثلاث سنوات تقريبا”.. طبقًا لحديث دانا سليمان المتحدثة باسم المفوضية السامية لشئون اللاجئين UNHCR في لبنان عام 2014.

كما أجبر الصراع نحو نصف عدد السوريين على مغادرة ديارهم لينجوا بحياتهم. واحد من بين كل ثمانية سوريين عبروا الحدود الدولية بحثًا عن الأمان. ويمثل الأطفال أكثر من نصف عدد النازحين. الكثير منهم في حالة فرار منذ عام أو أكثر، يهربون من قرية إلى أخرى قبل اتخاذ قرارهم النهائي بمغادرة سوريا.

وطبقًا لتقرير “هيومان رايتس ووتش” عن مصر لسنة 2014، ورد عن اللاجئين وطالبي اللجوء السوريين في الفقرة الخاصة بحقوق اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين أن “تزايد عدد اللاجئين الوافدين من سوريا إلى مصر لحوالي 300 ألف لاجئ بنهاية العام. سجل أكثر من 155 ألف سوري أنفسهم لدى مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين. لكن مصر منعت المفوضية من تسجيل الفلسطينيين الوافدين من سوريا. وأعاد مسؤولو المطارات ثلاثة رجال سوريين، أحدهم في أكتوبر 2013، والاثنان الباقيان في يناير 2014، إلى سوريا ضد رغبتهم، في خرق لمبدأ عدم الإعادة القسرية”.

بعد عزل مرسي، لجأ الأمن إلى تنفيذ سياسة التأشيرة وإخلاء الطرف أمنيًا بالنسبة للسوريين. ونتيجة لذلك منع مسؤولو المطار دخول ما لا يقل عن 276 سوريًا، وأعادوهم إلى سوريا في خرق للحظر الدولي على الإعادة القسرية. في يوليو 2013، قبضت الشرطة والجيش على 72 رجلاً و9 صبية سوريين على الأقل عند نقاط تفتيش على الطرق الرئيسية بالقاهرة، في عملية أعقبت حملة إعلامية انتشرت كالنار في الهشيم اتهمت السوريين بدعم الإخوان المسلمين..
ونتيجة لهذه السياسات اضطر الكثير من طالبي اللجوء المسجلين بمفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين UNHCR لاستخدام “ركوب البحر” للعبور إلى سواحل أوروبا بطرق غير نظامية، في ظل ازدهار نشاط الهجرة غير الشرعية عبر البحر اﻷبيض المتوسط، وطبقًا لحركة التضامن مع اللاجئين في الإسكندرية RSM؛ ففي أغسطس 2013، ازدادت عمليات القبض على المهاجرين غير الشرعيين من النازحين السوريين والفلسطينيين حاملي الوثائق السورية، وتم احتجاز ما لا يقل عن 426 نازحًا من سوريا دون سند قانوني مُعلن، ومنذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا تم إلقاء القبض واحتجاز أكثر من 5230 نازحًا من سوريا – حسب إحصاءات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية EIPR-، منهم ما لا يقل عن 290 طفلاً، وأُكره أكثر من 1200 شخص على مغادرة مصر تحت التهديد بالاحتجاز لأجل غير مسمى إلى بلدان مثل: تركيا وماليزيا أو لبنان.. لفترات لا تتجاوز الأسبوع. ونسبة لحركة التضامن مع اللاجئين RSM؛ فهناك 75 نازحًا من سوريا رهن الاحتجاز على خلفية الهجرة غير الشرعية في مقار الاحتجاز بأقسام الشرطة في مدينة الإسكندرية، منهم 70 نازحًا جاءوا بطريقة غير شرعية عبر البحر من تركيا بطريق الخطأ؛ حيث كانوا ينتوون الذهاب لأوروبا من سواحل تركيا، إلا أن عصابة التهريب تلاعبت بهم، وأنزلتهم على جزيرة نيلسون- وهي جزيرة صخرية قريبة من سواحل أبو قير بشرق مدينة الإسكندرية؛ حيث ألقت قوات خفر السواحل المصرية القبض عليهم في أول يوم من شهر نوفمبر العام 2014.

لكن دعنا نتساءل: هل الأوضاع المعيشية الصعبة وغياب دور المنظمات العاملة على تحسين أوضاع اللاجئين، وعدم فعاليتها في تحقيق رفاهة العيش التي يحلم بها النازح هي فقط التي تجبرهم على الهروب من البقاء في بلد عربي شقيق؟ أم أن تجارب السابقين وأحلام مجتمع الرفاه في أوروبا هي من تحثهم على الهرب إلى الشمال عبر طريق محفوف بالمخاطر؟

فعبدالرحمن، شاب سوري، سافر من اللاذقية بسوريا إلى مصر ليحيا حياة كريمة، لكنه لم يجد فرصة لهذه الحياة، حاول الهجرة من خلال قوارب التهريب وفشل فتم القبض عليه، وتم احتجازه لشهرين في أوائل عام 2014، ثم تم إبعاده لبيروت ومنها استطاع الهرب إلى أوروبا منتصف مايو الماضي، وهو الآن يعيش رغدًا في النرويج، يستعد لدراسة الماجستير في الصيدلة بعد انتهائه من دراسة اللغة النرويجية واجتياز اختبارها بإحدى أعرق الكليات هناك، تجربة مثل تلك تجعل الكثير يحاولون عشرات المرات الهروب لأوروبا حتى تتحقق أحلامهم في ظل واقع كابوسي يحيط بهم في المنطقة، وبخاصةً إن كانوا فلسطينيين نازحين من سوريا، لا وطن لهم أو بلد يستقبلهم. محاولاتهم تلك تعد الطريق الوحيد للنجاة.

يقول رائف الفلسطيني- النازح من مخيم اليرموك، وهو أحد أقدم النازحين المحتجزين على خلفية الهجرة غير الشرعية-: “جئنا إلى مصر أنا وأختي بعد أن خلفنا وراءنا الأهل بسوريا نتيجة رفض السلطات المصرية إعطائهم تأشيرات، ورأينا ازدهار الهجرة عبر البحر، وكيف وصل العديد والعديد من المهاجرين إلى دول أوروبا؛ فحاولنا الهجرة على أمل لم شمل أهلنا بعد الوصول إلى أوروبا، إلا أنه تم إلقاء القبض علينا، وتم احتجازنا إلى أن أطلقوا سراح أختي التي تعيش اﻵن مع خالتي في مصر، ولا أزال أنا قيد الاحتجاز أواجه الترحيل إلى سوريا؛ حيث لم يعد لنا هناك حياة”.

أما عبدالوهاب- فلسطيني الجنسية سوري المولد-؛ فقد هرب من نيران الصراع في سوريا مع أخيه عمار بعد مصرع أسرتهما كاملة بعد تفجير منزلهما بريف دمشق، وجاءا إلى مصر لتكون مجرد محطة للانتقال إلى السواحل الجنوبية لأوروبا، ومنها إلى شمال القارة مرتحلين بطرق غير نظامية– أخبرهم إياها قريب لهما سبقت له التجربة ويقيم الآن بالسويد- إلا أن حظهما العثر أوقعهما في أيدي السلطات المصرية التي احتجزتهما وصدر قرار بإبعادهما خارج البلاد، ويصف عبدالوهاب تجربته قائلًا: “جئنا إلى مصر لنرحل منها إلى أي بلد أوروبي يحترم آدميتنا وإنسانيتنا، نحن تركنا بيتنا وأرضنا بعد أن مات أهلنا، وقررنا السفر أنا وأخي سويًا عبر البحر المتوسط من مصر، ركبنا القارب الذي سار بنا حوالي 200 كم داخل المياه، ثم تعطل وباءت كل محاولات إصلاحه بالفشل، ظللنا 4 أيام في البحر، في آخر يومين نفد منّا الطعام، وأتت عاصفة شديدة جعلتنا نفقد اﻷمل في الحياة، وبعد مرور 6 أيام من خروجنا في البحر، عثرت علينا سفينة حربية مصرية تابعة لخفر السواحل المصرية، وتم نقلنا للشاطئ واستمر احتجازنا من وقتها متنقلين من مكان لآخر، لقد تجاوزت فترة احتجازنا حتى الآن أربعة أشهر ونيف.. ضاعت منا اﻷحلام وما زلنا نقاوم للبقاء أحياء في هذه الظروف القاسية التي تلاحقنا..”.

وفي يوم الاثنين الموافق 9 فبراير 2015، قرر أكثر من 50 لاجئًا سوريًا وفلسطينيًا، محتجزين في قسم كرموز بالإسكندرية الإضراب عن الطعام، معلنين احتجاجهم على ما يلاقونه من معاملة سلبية من قبل مفوضية الأمم المتحدة السامية لشئون اللاجئين، وعدم الاهتمام بحالاتهم ولا العمل على إتاحة فرص سفر نظامية لهم في ظل صدور قرار بترحيلهم خارج الأراضي المصرية، يقول نائل- أحد المضربين عن الطعام-: “منذ أكثر من شهرين ونصف الشهر، ونحن نتفاوض مع المفوضية بعد صدور أوامر بترحيلنا، وهم وعَدُونا بالتدخل والتحدث مع السفارات، وتقدمنا بطلبات عدة “استرحام”، لكنها كلها رفضت، ولذلك قررنا الدخول في إضراب عن الطعام حتى يتم الالتفات لمطالبنا والنظر لما نريد”، وبهذا يسجل المضربون عن الطعام فصلًا جديدًا في فصول نضال اللاجئين والنازحين ومقاومتهم، فهم لا يستحقون إلا حياة كالحياة التي ينعم بها كل إنسان حر أراد العيش بكرامة. فمطالبهم تتلخص في التنسيق بين الجهات والمنظمات لإعادة توطينهم في إحدى الدول الأوروبية، ومن وجهة نظرهم من السهل لم شملهم وأقاربهم ممن سبقوهم إلى هناك، حتى إن لم يكونوا من أقارب الدرجة الأولى كما تقتضي القوانين الدولية. فهم يبحثون عن إعادة بناء مجتمعهم الذي كان يومًا ما موجودًا حقًا في سوريا.

بنهاية شهر فبرايرالماضي، بدأ موسم جديد للهجرة غير الشرعية وتزداد أعداد المهاجرين غير الشرعيين عبر البحر اﻷبيض المتوسط، وبالتالي زيادة أعداد المحتجزين، وكأن شيئًا لم يكن وكأن الحلم لم يمت باقٍ في صدورهم لا يبرح مكانه؛ ففي مارس الجاري يدخل الصراع السوري عامه الخامس على التوالي دون أن تلوح في اﻷفق بادرة حل ما توقف نزيف الدم والخراب في أرض سوريا.. ونحن ننتظر ما تأتي به الرياح وأمواج البحر؛ فهل تتحسن أوضاع اللاجئين في مصر وغيرها من البلاد العربية مما يقلل من أعداد المهاجرين المخاطرين بحياتهم وكل ما يملكونه من أجل الوصول إلى الحلم والحياة؟!

اعلان
 
 
محمد حنفي الكاشف