Define your generation here. Generation What

بلِّغ عن جارك.. مصر البوليسية في عهد السيسي

خلال زيارته الأخيرة للقاهرة في شهر نوفمبر 2014، قام آلان جريش- مدير التحرير السابق لجريدة “لوموند ديبلوماتيك”- بمقابلة بعض معارفه المصريين- صحفيين وطلبة- في مقهى بمنطقة جاردن سيتي.

وأثناء حديثهم الذي تطرق بطبيعة الحال إلى السياسة في مصر، كانت هناك سيدة من الطبقة المتوسطة تجلس على الطاولة المجاورة، وقد انزعجت بشدة عند سماعها حديثهم. لكنها لم تكتفِ بالصراخ في الصحفيين واتهامهم بالتآمر لتدمير مصر، بل وصل بها الانزعاج إلى استدعاء أفراد الأمن الذين يقومون بحراسة السفارة البريطانية بالقرب من المكان للتحقيق في المؤامرة المزعومة. وبعد بضع ساعات انتهت هذه القصة المؤسفة بوضع السلطات المصرية في موقف محرج وتقديم اعتذار للصحفي الفرنسي.

وبرغم النزعة الكافكاوية بالواقعة؛ فإن تصرف “المواطنة القلقة” كان الشيء المنطقي الوحيد المتوقع بعد الحملة التي شنها النظام وكبرى وسائل الإعلام الموالية له بلا هوادة على مدار عام كامل لخلق حالة من الهيستريا الجماعية في ما يتعلق بأمن مصر.

لقد تطور الخطاب العام منذ تولي الجيش السلطة في 2013، ليدر بلا توقف عددًا لا حصر له من الروايات التي يتآمر فيها أعداء الدولة المصرية وشعبها- الأعداء بالخارج والداخل، المعروفون وغير المعروفين، من البشر وغير البشر- بشكل مستمر على البلد مستهدفين أمنها وسلامة اقتصادها.

وفي مقابل هذا الكم الهائل من المكائد التي تم نسجها والخطاب الإرهابي، ظهر الجهاز الأمني في هذه الرواية في صورة المنقذ الوحيد القادر على حماية البلد من الفوضى التامة. والحقيقة أن شرعية إدارة الرئيس عبدالفتاح السيسي ما زالت مستمدة بشكل كبير من وعده بتخليص البلد من الإرهاب واستعادة الأمن والنظام. وهو في هذا الصدد يحسن استخدام الهجمات العنيفة التي تحدث بالفعل ضد الجيش وغيره من الجهات المستهدفة، وبخاصة في سيناء.

لكن تظل عودة الثقة في الشرطة بعد انتفاضة عام 2011، أمرًا يستحيل تصوره في الوقت الراهن؛ فقد كانت انتفاضة 25 يناير من العديد من النواحي ثورة على وحشية الشرطة، وعلى الدور الذي لعبته المؤسسات الأمنية في إعادة إنتاج نظام الرئيس السابق حسني مبارك السلطوي ذي الميول الليبرالية الجديدة وفي حماية نخبته.

وعلى عكس الروايات السائدة عن كون انتفاضة 25 يناير حدث سلمي، تصدرته الطبقة المتوسطة والشباب الملم بوسائل التكنولوجيا؛ فقد كان هناك في الثمانية عشر يومًا قدرًا كبيرًا من العنف من قبل المتظاهرين موجهًا ضد الشرطة. خلال الأيام الأولى من الانتفاضة تم إشعال النيران في ما يقرب من 100 قسم شرطة، كما تم فتح العديد من مقار الحبس لإطلاق سراح المحتجزين وحرق عربات الشرطة. وفي سبيل تحسين صورة الشرطة وسمعتها المشوهة لدى غالبية المواطنين كانت الاستراتيجية المتبعة هي خلق حالة عامة من الذعر تقدم فيها الشرطة على أنها الضمان الوحيد لتجنب الفوضى التامة.

وفي جميع الأحوال لم يكن نجاح هذه الاستراتيجية أمرًا هينًا، وبخاصة في ظل مسلسل البراءات الصادم لجميع ضباط الشرطة من كل تهم قتل آلاف المتظاهرين منذ انتفاضة يناير. ولكي يحقق النظام هدفه من إعلاء صورة الشرطة لتصبح الحامي الوطني اقتضى الأمر نسج شبكة من القوانين، وتعميق مدى المراقبة لتتوغل في حياة المواطنين اليومية، وعلى نحوٍ أهم تجنيد المواطنين ليصبحوا مشاركين في النظام البوليسي المنتشر في كل مكان.

تجريم الحياة اليومية

على مدار عام 2014، وفي غياب مجلس تشريعي مفعل قام رئيسان متتاليان، وهما عدلي منصور والسيسي، بإصدار 140 قانونًا جديدًا في المجمل. وكانت هذه القوانين، إما لتجريم أفعال جديدة أو لتغليظ العقوبات على أفعال كانت مجرمة بالفعل. وترتب على تلك الترسانة القانونية تجريم العديد من الأنشطة اليومية وتحويل الأفعال الاعتيادية إلى أفعال معادية في أذهان الشعب.

يشمل المئة وأربعون قانونًا نواحٍ متعددة مثل: تلقي منظمات المجتمع المدني تمويلًا أجنبيًا، وممارسة النشاط السياسي في الحرم الجامعي، وإهانة العلم الوطني. وفي هذا المثال الأخير، المتمثل في القانون الرئاسي رقم 41 لسنة 2014، تم تجريم أي شكل من أشكال الإهانة للعلم الوطني أو النشيد الوطني، لتكون عقوبتها الحبس لمدة لا تقل عن عام وغرامة قدرها 30 ألف جنيه.

وعلى سبيل المزايدة في الالتزام بالقانون، قررت وزارة التربية والتعليم أن العقوبة نفسها سوف تسري على تلاميذ المدارس الذين قد يصدر عنهم تصرف في الطابور الصباحي يدل على “إهانة” العلم المصري. وهذا التصرف قد يكون مجرد الحركة أو المرور أمام العلم أثناء تحية الصباح. وتترك مسؤولية مراقبة التلاميذ الآثمين والتبليغ عنهم لزملائهم والمدرسين وإدارة المدرسة.

كان دفع المواطنين إلى الانقلاب بعضهم على بعض، وإشعال المزيد من التوتر بين المجموعات المتنافسة لخلق “ثقافة تبليغ المواطن عن المواطنين أمثاله”، قد بلغ درجات عالية في عام 2014. وهناك مثال لافت للنظر بشكلٍ خاص.. بعد الفشل المتكرر في إخلاء منطقة وسط البلد بالقاهرة من الباعة الجائلين- رغم استخدام العنف وزيادة الغرامات والعقوبات بالحبس، خصوصًا منذ عام 2012- أصدر محافظ القاهرة قرارًا شديد الدهاء. فالقرار ذهب إلى ما هو أبعد من ملاحقة الباعة الجائلين ليستهدف المواطنين الذين أصبح من الجائز معاقبتهم إذا لم يبلغوا عن الباعة المتجاوزين. وينص القرار على معاقبة أصحاب المحال التجارية الذين يسمحون للباعة الجائلين بنصب أكشاكهم بالقرب من محالهم، وذلك بغلق المحال ومصادرة ترخيصها.

ولقد أثار ذلك القرار الجديد كما هو متوقع موجة من الاشتباكات بين الباعة الجائلين وأصحاب المحال الذين طالما امتعضوا من وجودهم، ويعتبرونهم منافسًا غير مرغوب فيه. وقد رحب العديد من أصحاب المحال التجارية بالتبليغ عن الباعة الجائلين، وبخاصة لأنهم مهددون بسحب ترخيصهم.

وبدافع نفس روح التبليغ عن الآخرين، أطلقت وزارة النقل مؤخرًا حملة “تحيا مصر- الأمن مسؤوليتنا جميعًا” لتشجيع المواطنين اليقظين على التبليغ عن أي سلوك مريب يصدر عن أي راكب عن طريق عدد من الخطوط الساخنة. ومكافأة من يقوم بالإبلاغ بمنحه اشتراكًا مجانيًا لمدة عام في وسائل النقل.

طبقات التوغل البوليسي

من أجل تطبيق هذا العدد الهائل من القوانين الجديدة وفرض المراقبة على الأفعال التي تم تجريمها حديثًا كان الأمر يقتضي حتمًا زيادة قوات الشرطة وميزانيتها وصلاحياتها. كانت وزارة الداخلية في عهد مبارك تضم 1.7 مليون موظف في عام 2009، من بينهم 850 ألف فرد شرطة وإداري، و450 ألف فرد بقوات الأمن المركزي، و400 ألف فرد في مباحث أمن الدولة. ولكي تتمكن وزارة الداخلية من تلبية حاجات النظام الإرهابي دائم التوسع، بدأت “إسناد” أعمالها “القذرة” إلى بلطجية، بالإضافة إلى قواتها الرسمية. والبلطجية مجرمون معروفون لدى الشرطة، وعادة ما يكون لهم سجل من العنف، ويتلقون المال “لتأديب” أفراد الشعب مقابل أن تغض الشرطة الطرف عن نشاطهم الإجرامي.

توسعت مهام وظيفة البلطجية لتشمل ترهيب الناخبين، وضرب المشتبه بهم جنائيًا والنشطاء السياسيين واغتصابهم والاعتداء عليهم جنسيًا، وفض المظاهرات واعتصامات العمال، وطرد المزارعين من أراضيهم، وأشياء أخرى عدة. ففي ظل إفقار المزيد من القطاعات بالمجتمع وتجريدها من الملكية بسبب تكثيف التوجه نحو اقتصاد السوق، أصبح نظام مبارك يعتمد بشكل كبير على الشرطة. ولذلك ظلت حصة ميزانية وزارة الداخلية من الإنفاق العام في ازدياد مطرد منذ التسعينيات، لتتعدى مجموع ميزانية التعليم والصحة. واستمر هذا التوجه حتى بعد انتفاضة 25 يناير لتتضخم ميزانية الوزارة أكثر.

ولسد العجز المتزايد في أفراد الأمن، قامت أكاديمية الشرطة في مصر بقبول 1850 طالبًا في العام الدراسي الجديد في شهر يوليو 2014. وكان عدد المتقدمين الذين تم قبولهم بناءً على معايير أكاديمية منخفضة مقارنةً بالسنوات الماضية أكبر دفعة في تاريخ الأكاديمية. وفي مؤتمر صحفي أقامته وزارة الداخلية احتفالًا بالحدث، أشار أحمد جاد- مساعد وزير الداخلية لأكاديمية الشرطة- إلى أن دور قوات الشرطة الملهم خلال “ثورة 30 يونيو”، كان الدافع الرئيسي لتهافت الشباب على الانضمام إلى الأكاديمية.

وأعلن في الاحتفالية نفسها عن إجراءات الفحص الجديدة التي تم تطبيقها لمنع قبول أي طالب ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين. وفي تلك الفترة نفسها تقريبًا، كانت هناك تحقيقات جارية مع 75 طالبًا مهددين بالفصل في إطار الجهود المبذولة لتطهير الأكاديمية وقوات الشرطة من عناصر الإخوان.

وهكذا سوف تكون هناك مجموعة تم التدقيق فيها بعناية شديدة من خريجي أكاديمية الشرطة، للمساعدة في انتشار وحدات الشرطة الجديدة. كما قامت وزارة الداخلية في شهر يوليو 2014، بإعادة طرح نظام “الدرك القديم”، والذي تم إلغاؤه في عام 1952 لتحل محله أشكال أمنية أكثر حداثة. وكان نظام “الدرك القديم” يتكون من ضابط شرطة واحد ذي رتبة منخفضة يعس بالشوارع لمراقبة الأوضاع.

أما النسخة الجديدة من هذا النظام؛ فتتكون من وحدات متنقلة تضم ثلاثة ضباط أمن يعملون سويًا. وتتكون الوحدة من ضابط مسلح ببندقية ومجندين مسلحين بعصي. ويتضمن دور الدرك المراقبة والإبلاغ؛ حيث تجوب الوحدة في الشوارع للإبلاغ عن أي سلوك مريب في أقرب قسم شرطة، وبهذا تصبح هناك شبكة أفضل من الإبلاغ والمراقبة. ومن المخطط أن يطرح هذا النظام الجديد في منطقتين من مناطق الطبقة المتوسطة، وهما: الزمالك وشارع قصر النيل في وسط البلد.. كخطوة أولى من الخطة القومية الأشمل.

وعلاوة على ذلك، سعت وزارة الداخلية إلى الاستعانة بأشخاص من غير خريجي الأكاديمية؛ ففي شهر أكتوبر عام 2014، قام قسم التشريع بمجلس الدولة بالموافقة على مشروع قانون لاستحداث الشرطة المجتمعية، وهو فرع جديد من المفترض أن يضم قطاعًا أعرض من المواطنين إلى المجتمع الشرطي. وسوف يقوم هذا الفرع بتعيين الرجال والنساء من سن 18 وحتى 22 من حملة الشهادة الإعدادية وما فوقها. وسوف يحظى أفراد هذا الفرع بالضبطية القضائية، كما سوف تعمل وحدات الشرطة المجتمعية الجديدة على “مساعدة الشرطة في مواجهة الجريمة، وزيادة شعور المواطنين بالأمان و[الأهم]… خلق ثقافة أمنية”.

إن ظاهرة تضخم قوات الشرطة ليست حكرًا على مصر فقط؛ ففي ظل صعود الرأسمالية الليبرالية الجديدة واستراتيجياتها المنطوية على “تراكم نزع الملكية” قام العديد من النظم، من بينها النظم “الديمقراطية” الغربية، بزيادة الاستثمار في الوجود الأمني والمراقبة، مستهدفة مناطق وتجمعات سكانية بعينها- أي الفقراء والعاطلين والمهاجرين والسود. وهناك سياسات مختلفة نتجت عنها ثقافة الإبلاغ مثل ممارسة الإيقاف والتفتيش سيئة السمعة، وتعليمات منع المضايقات والإزعاج في المملكة المتحدة، ونظام السلوكيات المحظورة في ولاية أستراليا الغربية، وفي كثير من الأحيان تعطي هذه السياسات الشرطة قوة متزايدة يكون مداها متروكًا لتقديرها.

لكن ما يميز وضع مصر، هو الشعور بالحصانة التامة التي تمتعت بها الشرطة لفترة طويلة.. وسوف تستمر هذه الحصانة، بالإضافة إلى ما سبق ذكره من زيادة الموارد ومد الصلاحيات، في المستقبل القريب لشدة أهمية الخدمات التي تقدمها الشرطة للنظام الحالي؛ فالنظام المجرد من جميع مصادر الشرعية، عدا وعده بضمان أمن الوطن، لا يتوانى عن تضخيم خطاب الأمن الوطني ليلتف حوله المواطنون، وإلا سخطوا عليه. وأهم خطوات ترسيخ هذا الخطاب الأمني تجنيد قطاعات كبيرة من الشعب ليكون لها دور فعال في مراقبة المجتمع والإبلاغ عن أفراده. وقد تكون الدعوة التي أطلقها نقيب الصحفيين (السابق) مؤخرًا مطالبًا فيها الصحفيين بالإبلاغ عن أي زميل “يثبت تورطه في التحريض ضد الجيش والشرطة” مجرد قطرة من السيل الذي سوف نشهده في الفترة المقبلة.

*نُشر هذا المقال للمرة الأولى على موقع openDemocracy.

اعلان