Define your generation here. Generation What

مشكلة الدير ومعضلة الكنيسة

تطورت في الأسابيع الأخيرة مشكلة دير القديس مكاريوس السكندري والمعروف بإسم دير وادي الريان،  إثر محاولة الدولة، المتمثلة في هيئة الطرق والكباري، شق طريق الواحات واعترضهم مجموعة من رهبان الدير. تفاقمت المشكلة حتى أثار البعض الشكوك عن كنه الدير والمغائر التعبدية والتي يرجع بعضها إلى القرن الرابع الميلادي. وانتهى المشهد بتدخل الكنيسة ومباركة إنشاء الطريق وتجريد ستة رهبان من رتبتهم، كما قررت إقالة الأب الروحي للدير ومؤسسه الحديث الأب إليشع المقاري، بحسب بيان المجمع في الحادي عشر من الشهر الجاري.

قرار الكنيسة سلم مجمع الرهبان لرحمة الدولة، التي يبدو أنها ستذعن لاحترام تاريخية المكان والذي يعد لتسجيله بهيئة الآثار وتجنب مرور الطريق في حرم االدير. وبغض النظر عن القرار الذي ستتخذه أو تتجنبه الدولة، علينا التدقيق في ثلاثة أمور لفهم الأزمة.

حرص الكنيسة على الظهور بمظهر مؤيد للدولة، تاريخ الدير قديمًاً وحديثًاً، وأخيرًاً، مشكلة الكنيسة الإدارية بشأن الدير.

إدارة الكنيسة علقت آمالها على مشروع الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، وقد دفعت منذ تطور أحداث ما بعد 30 يونيو ثمنًا باهظًا في معركة ربما لم تخترها. فقد شهدت الأعوام 2011 و2012 تطورًا متسارعًا في معاناة الأقباط، تخلله العديد من حالات هدم الكنائس والتهجير الجماعي ومذبحة ماسبيرو- والتي كانت الآلة العسكرية هي أداتها- والتهديد من قبل جماعات الإسلام السياسي، مما أسفر عن هجرة عشرات الآلاف من الأقباط (لا يوجد إحصائات دقيقة بعدد الأقباط المهاجرين، لكن الكنيسة القبطية كانت قد أعلنت عن انضمام قرابة المئة ألف قبطي إلى فروعها بالولايات المتحدة في عام 2012 فقط). كانت أزمة الكنيسة في هذه الفترة التاريخية كثيفة الأحداث أزمة وجود في ظل شرق أوسط بات طاردًا للأقليات ولا سيما الأقلية المسيحية.

نجح السيسي في فترة قصيرة في التأكيد بأن الدولة- أو قيادتها العليا- تنتهج نهجًاً واضحًاً يعتبر الأقباط فيه مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات والكرامة أسوة بذويهم من المسلمين. وقد لاقت زيارته للكنيسة القبطية عشية عيد الميلاد ترحيبًا كبيرًا لدى الأوساط المسيحية في مصر والعالم. وبعدها جاء رد الدولة في الضربات الجوية على معسكرات تنظيم الدولة الإسلامية بليبيا برهانًا على التزام الدولة بمواطنيها دون مواربة. تلقت الكنيسة تلك الإشارات بارتياح حفزها على فتح صفحة جديدة مع الدولة وتبني خطاب إيجابي جديد ينادي بالتسامح مع الدولة حتى عن أحداث ماسبيرو- التي راح ضحيتها حوالي خمسة وعشرون قبطيًا. لذلك شدد تصريح المجمع  الأخير على “مصلحة الوطن”.

يعلم البابا تواضروس وهو على رأس الكنيسة أن المجتمع بات أكثر تشددًا، وأن على الكنيسة حديثًا أن تتعامل مع واقع يفرض فيه أهالي متعصبين إملاءاتهم على الكنائس- خاصة في الريف- فأقل الإيمان أن تتمسك الكنيسة بتصاريح الدولة الرسمية في وجه هذه الظاهرة.

(رغم ذلك فشلت القنوات الإدارية في إقناع أهالي قرية الجلاء بالمنيا بقبول بناء كنيسة كان المحافظ قد صرح ببنائها).

الأمر الثاني هو تاريخ هذا الدير والذي لم تدقق الكنيسة في تناوله في تصريحها.

الدير هو مجموعة من المغاير القديمة المحفورة في صخور تلال وادي الريان وقد انتسب لمكاريوس السكندري أحد آباء الرهبنة في القرن الرابع الميلادي. به مغاير منحوتة من القرن الرابع تصل إلى الثلاثين مغارة. شهد الدير قديمًا على وجود أجيال من الرهبان، وبه جدارية نادرة ونقوش لراهب من القرن الثاني عشر الميلادي. هُجِر الدير فترة طويلة ولكن ظل دائماً مكان اعتكاف لرهبان الصعيد. يسجل الأب متى المسكين أن المكان كان مقصدًا لاختلاء رهبان دير الأنبا صموئيل بالمنيا (مطلع ومنتصف القرن العشرين). وقد شهدت ستينيات القرن الماضي نزوح مجموعة من الرهبان تحت قيادة الأب متى المسكين لدير الريان وإعادة إعماره. تؤكد تسجيلات ومراسلات الأب متى المسكين وتأريخه لتلك الفترة على علم الكنيسة تحت إدارة البابا كيرلس السادس بالمكان. حين تمت المصالحة بين المسكين والبابا كيرلس السادس انتقلت تلك الجماعة الرهبانية إلى دير أبو مقار بوادي النطرون على طريق القاهرة الأسكندرية الصحراوي. هنا تأتي المرحلة الأخيرة من تاريخ الدير بوضعه الحالي حين قام الأب إليشع المقاري، الذي كان قد ارتبط بالمكان مع مجموعة متى المسكين بتأسيس دير للرهبان في بداية التسعينيات.

فالدير هو تراث يقوم بحفظه جماعة رهبانية أسوة بالعشرات من الأديرة، وبغض النظر عن الأوراق الرسمية التي تعلم الكنيسة قبل غيرها صعوبة الحصول عليها، فمن حق الرهبان المطالبة بحفظ حرمة ديرهم واقتراح طرق بديلة.

وهنا نأتي للنقطة الأخيرة: أن الدير، الذي تطور ليضم قرابة المائة وخمسين راهبًا كان قد تأسس مستقلًا عن دير الأب متى المسكين كما عن إدارة الكنيسة، والتي ظهر من تصريحاتها تجاهلها لتلك الحقيقة أو المعضلة. والمعضلة هنا تكمن في أن هؤلاء الرهبان قصدوا هذا الدير وترهبنوا فيه وقدموا نذورهم، ومنها الطاعة، التي أشارت إليها الكنيسة، للأب الروحي الذي كان يقود ديرًا مستقل إداريًا عن الكنيسة. وهنا نجد أن قرار الكنيسة بإعفاء الأب الروحي للدير غير واقعي، إلا إذا كان قرارًا سياسيًا بالدرجة الأولى لحفظ هيبة الدولة وحفظ الأمور على ما هي عليه!

اعلان