Define your generation here. Generation What

إعادة اختراع المدارس.. نحو مجتمع قائم على المعرفة

تعاني منظومة صنع القرار في مصر خللًا كبيرًا. برغم التصريحات المتكررة الصادرة عن صناع القرار والتي تؤكد أهمية التعليم؛ فإن هناك فجوة هائلة بين الطموحات والوعود المقدمة من الحكومات المتتالية والتحسينات التي تنفذ فعليًا.

ويحاول هذا المقال طرح وصف وتحليل للمشكلات المتأصلة في ما يخص التعليم في مصر، مع توصيات لكيفية تشكيل السياسات وتحديد أولوياتها لإحداث تغيير حقيقي في طريقة التعليم والتدريس وإدارة المؤسسات التعليمية. ولن نكتفي بوصف الملامح الظاهرة فحسب في ما يتعلق بمشكلات التعليم، بل سوف نتعمق لاستكشاف أسباب تدهور حالته وكيفية إصلاحه.

إن أولياء الأمور والمدرسين والطلاب وصنّاع القرار على دراية بالأعراض التالية:

  • أسلوب التلقين: ما زال أغلب المدرسين في المدارس يتبعون طريقة التعليم من خلال التحفيظ كأسلوب أساسي في التدريس؛ حيث يتم إجبار الطلاب على حفظ المعلومات بدلًا من تطوير المهارات واكتساب المعرفة من خلال حب الاستطلاع.

  • الدروس الخصوصية: تصل قيمة المبالغ المدفوعة في الدروس الخصوصية إلى نحو 9 مليارات جنيه على أقل تقدير، وقد تحولت إلى ظاهرة اجتماعية في المنظومة التعليمية؛ فهي نظام موازٍ يحصل من خلاله المدرسون على دخل أعلى بكثير من دخلهم بالمدارس. وتنفق العائلات المصرية جزءًا كبيرًا من دخلها على الدروس الخصوصية لتعويض سوء التعليم في المدارس؛ ولتحضير أولادها لامتحانات نهاية العام، وهى أهم أداة لتقييم الطلاب في المنظومة.

  • قلة استخدام البنية الأساسية: لقد نجحت مجهودات الحكومة في زيادة معدل التسجيل بالمدارس ـ خاصة المرحلة الابتدائيةـ في التسعينيات، لكن ذلك النجاح لم تصحبه زيادة متناسبة طرديًا في الاستثمار في البنية الأساسية، ما أدى إلى تكدس المدارس. وقد جاء في بعض التقارير أن عدد الطلاب في بعض الصفوف بالمناطق المتكدسة، مثل منطقة الجيزة، قد يصل  في الصف الواحد إلى مئة وعشرين طالبًا.

  • تدني رواتب المدرسين: أشارت دراسة أجرتها نقابة المعلمين المستقلة إلى أن متوسط راتب المدرس الذي يعمل بعقد مؤقت في مدرسة خاصة يبلغ 250 جنيهًا مصريًا. في حين أن متوسط الراتب العادل الذي حددته منظمة “اليونسكو” و”البنك الدولي” يبلغ 750 دولارًا أمريكيًا.

  • قصور مستوى تعليم المدرسين: كما شهد مستوى تدريب وتطوير المدرسين تدهورًا كبيرًا أيضًا.

 

في ظل المحاولات الكثيرة السابقة من قبل صناع القرار ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات العامة لتحسين التعليم، من الضروري أن نفهم أسباب فشلها والعمل على أسباب المشكلة من الجذور.

إذا طبقنا مبدأ باريتو ـ قاعدة 80/20 الشهيرة التي تقول إن 80 % من نتائج أية مهمة أو مشروع عادة ما تكون بسبب 20 % من المدخلات ـ سوف نجد أن المشكلات التالية هي الأسباب الجذرية لفشل التعليم في مصر:

  • سوء الإدارة والسلطة والاختصاص: يتم توزيع مسؤولية التعليم على أكثر من اثنين وعشرين جهازًا حكوميًا، ويكون توزيع المسؤوليات ما بين السلطات المتعددة على المستويين القومي والمحلي غير واضح. يترتب على ذلك تضارب في المصالح واستراتيجيات ذات مواءمات خاطئة ومشكلات في توزيع الموارد وتطبيق السياسات.

  • صناعة القرار والحكم الذاتي: في عام 2003، قام حسين كامل بهاء الدين، وزير التعليم وقتها، بتبرير هيمنة الدولة على تعليم مواطنيها، قائلًا: إن الدولة مسؤولة عن التربية الاجتماعية والتعليم، وإن ذلك من شأنه ”تعزيز الوحدة الوطنية“ و”الحفاظ على النسيج الاجتماعي“ بالمجتمع.

  • إنفاق الحكومة وسوء توزيع الموارد: ثمة فجوة كبيرة في الإنفاق ـ بمعناه المطلق في ما يخص موازنة التعليم في مصر ومتوسط الإنفاق عالميًا، أو حتى بالمقارنة مع دول عربية أخرى، خاصةً البلاد التي تتمتع بمستويات أداء أعلى في التعليم. وإن قرار زيادة الإنفاق على التعليم ليس مرتبطًا بمدى ثراء الدولة فحسب، بل يتعلق أيضًا بالقرارات السياسية لتحديد الأولويات، مثل تمويل الخدمات الصحية والدعم والدفاع الوطني. لا يصح أن ننظر في مشكلات الحكم وفي تخطيط وإنفاق الموازانةـ كل على حدة.

 

كانت “فيفيان ستيوارت”ـ صاحبة الخبرة الطويلة في مجال التطوير التعليميـ قد كتبت كتابًا بعنوان “أفضل نماذج التعليم”: التعلم من نماذج عالمية متفوقة ومبدعة.. بحث مطول عن أفضل الممارسات في أنحاء العالم“، ذكرت فيه أفضل 10 ممارسات ثبت بالتجربة تحسينها لمستوى التعليم، وهي كالتالي:

  1. ”الرؤية بعيدة المدى“: ينبغي للقادة تطوير رؤية طويلة المدى للمنظومات التعليمية.

  2. ”القيادة المستدامة“: تضمين وإشراك كل الأطراف المعنية في حل المشكلات وصنع القرار وتطبيق الحلول.

  3. ”المعايير المتطلعة“: اتباع منهج ”البدء من القواعد“ عند وضع المعايير لتتمكن الإدارات المحلية من مراعاة خصوصيات وضعها دون أن تنسحق ما بين واقعها والتوقعات العالية.

  4. ”الالتزام بالمساواة“: ”التمويل العادل“ ووجود ”توقعات عالية مشتركة“ لكل الطلاب وتوفير ”مدرسين على درجة عالية من الجودة لجميع المدارس“. وتضرب “ستيوارت” مثالًا على ذلك من البرازيل؛ حيث قامت الحكومة الفيدرالية باتباع منهج مكافأة المدارس عالية الأداء بعلاوات، لكن دون معاقبة المدارس منخفضة الأداء (مع إعطائها تمويلًا إضافيًا في بعض الأحيان). والمنطق من وراء ذلك هو عدم معاقبة الطلاب مرتين؛ حيث تؤثر متغيرات مثل الوضع الاجتماعي الاقتصادي والأداء الاقتصادي في منطقتهم الجغرافية، وغير ذلك من متغيرات، على العملية التعليمية بشكل كبير، وبالتالي على أداء الطلاب.

  5. ”مدرسون ومديرو مدرسة على مستوى عالٍ من الجودة“: يجب على المنظومة التعليمية الناجحة أن تجد طرقًا ”لجذب مدرسين على مستوى عالٍ من الجودة وتجهيزهم ودعمهم ومكافأتهم والحفاظ عليهم وتطويرهم“، والشيء نفسه بالنسبة لمديري المدارس.

  6. ”المواءمة والاتساق“: كثيرًا ما يتم وضع السياسات دون توفير الموارد اللازمة ومنظومة الدعم لتطبيقها بشكل ناجح، ما يؤدي إلى عدم اتساق وفجوات في التعليم. وترى “ستيوارت” أن الطريقة الصحيحة لتحقيق الاتساق تكون من خلال مواءمة كل نواحي العملية التعليمية، سواء أكانت المناهج أم تدريب المعلمين أم التطوير المهني، بما يتماشى مع المناهج التعليمية، لمساعدة المشاركين في العملية على التعاون وتحقيق مستويات عالية من العمل المشترك.

  7. ”المحاسبة الذكية“: تستخدم البلاد ذات المستوى التعليمي المتدني منظومات مركزية لإدارة الأداء. وتشير “ستيوارت” إلى طرق عدة يمكن من خلالها تحقيق الشفافية المطلوبة.

  8. ”الاستخدام الفعال للموارد“: اكتشفت “ستيوارت” أن معظم المنظومات التعليمية عالية الأداء ”إنفاقها متواضع“ لكنها تنفق المال بطرق مختلفة. على سبيل المثال، لا تقوم تلك المنظومات بتخصيص عدد كبير من الموارد ”للمباني أو الرياضة أو المواقع الإدارية أو الوظائف التعليمية الخاصة المنفصلة“، بالإضافة إلى ذلك يتساوى مستوى الإنفاق بين جميع المدارس، ويستهدف المدارس ذات الاحتياجات الخاصة والمصممة لأغراض بعينها. ورغم أنها تقول إن زيادة الإنفاق لا تعني بالضرورة صعود مستوى الأداء؛ فإنها تؤكد ”أهمية الموارد“.

  9. ”تشجيع الطلاب ومشاركتهم“: يعد الوصول إلى الصيغة المناسبة لتشجيع الطلاب وتحفيزهم، من خلال عناصر التشجيع ”الداخلية والخارجية،“ عنصرًا جوهريًا في نجاح منظومة التعليم. وإن لكل بلد طريقته في تشجيع الطلاب من خلال مجموعة من القيم الثقافية والاقتصادية والاجتماعية.

  10. ”التوجه العالمي والمستقبلي“: إن تجهيز الطلاب للقرن الواحد والعشرين في ما يخص طريقة التفكير والمهارات؛ من أهم المناهج التي تتبعها منظومات التعليم عالية الأداء.

من الضروري أن نرى القائمة السالف ذكرها على هيئة شكل هرمي، تشكل كل نقطة فيها الأساس للنقطة التي تليها وتكون من المتطلبات الرئيسة لنجاح السياسة. على سبيل المثال، في حالة صياغة سياسة للعمل على كل النقاط قبل وجود رؤية طويلة المدى وتشكيل هيكل حكم يضمن القيادة المستدامة لن يؤدي ذلك إلى إحباط الجهود المبذولة فحسب، بل قد يؤدي أيضًا إلى وقوع المزيد من الضرر؛ حيث سيتم إنفاق قدر هائل من الموارد بلا طائل، وسيعطي ذلك انطباعًا بأن إصلاح منظومة التعليم أمر بعيد المنال.

إن إشراك وتمكين كل الأطراف المعنية بالأمر؛ أهم عنصر في نجاح أي تدخل مستقبلي يسعى إلى توفير بدائل للمنظومة الحالية أو حتى إلى القيام بإصلاحات محدودة.

اعلان