Define your generation here. Generation What
البرلس: بحيرة يسرقها التلوث والإهمال
 
 

على ظهر إحدى المراكب التي يتم بناؤها، يجلس الشيخ حمادة لتناول الطعام خلال استراحته، يتذكر الماضي، ويقول: “زمان لو رميت حاجة في البحيرة كنت أشوفها من نضافة المَيّه، دلوقتي المَيّه وحشة جدًا”.

في شمال دلتا مصر في محافظة كفر الشيخ، تقع بحيرة “البرلس”، التي تتصل بنهر النيل عن طريق قناة “برمبال”، وبالبحر المتوسط عبر بوغاز البرلس، بمساحتها البالغة 420 كيلومترًا مربعًا، احتلت المرتبة الثانية في ترتيب أكبر البحيرات الطبيعية المصرية، وهي البحيرة التي كانت تنتج ثلث الثروة السمكية في مصر.

قرابة 240 ألف صياد يعملون في البحيرة بعدما ورث معظمهم المهنة عن أجدادهم، لكن الأحوال لم تعد كما كانت في السابق.

Lake Borolos

Lake Borolos

يدخل الحاج علي القهوة المتواضعة الموجودة في برج البرلس، يحيي الجالسين ويتبادل سلامًا سريعًا مع بعض معارفه.

لا يتذكر الحاج علي عمره بالتحديد ولكنه يعلم أنه تخطى التسعين عامًا، يرتشف كوبًا من الشاي وهو يسترجع ذكرياته، ويقول: “القهوة دي والشارع ده كله كان بحيرة واتردمت، البحيرة بقت ضيقة، بقت مزارع ومساكن.

يتذكر جيدًا عمله في البحيرة النقية مع والده منذ أن كان طفلًا، ويتحسر على الأيام التي كان يرمي فيها شباكه في البحيرة ليجدها في اليوم التالي مليئة بطرحها من أنواع وأشكال الأسماك المختلفة، توقف “الحاج علي” عن الذهاب إلى البحيرة منذ عقود بعد أن تقدم في السن، ولكن أولاده وأحفاده الذين ورثوا المهنة منه لم يذهبوا أيضًا للصيد في البحيرة منذ أعوام، اتجه بعضهم للصيد في البحر والبعض الآخر سافر إلى الخارج، وبرر ذلك بسوء الأوضاع في البحيرة وسيطرة المزارع عليها. 

مات أحد أولاد الحاج علي غرقًا أثناء سفره بشكل غير شرعي خارج البلاد، وترك له أربعة أحفاد يربيهم الآن مع بنات ابنته التي توفت هي الأخرى.

Lake Borolos

Lake Borolos

خلال العشرين عامًا الأخيرة، عانت البحيرة العديد من المشكلات بسبب تلوث وجفاف مياهها؛ وهي المشكلات التي تفاقمت بسبب طرق الصيد المخالفة وتجاهل المسؤولين، ما أثر بالسلب فى النشاط الاقتصادي للصيادين.

يعاني الصيادون مافيا الزريعة والمزارع والمراكب التي تخرق قوانين الصيد، ما يتسبب في زيادة التلوث وتدمير الحياة الطبيعية في البحيرة.

أنا مسافر بقالي 8 سنين، باسافر السعودية علشان البحيرة مابقتش زي زمان.. يقول الشيخ حمادة، مبررًا سفره إلى الخارج ببحثه عن لقمة العيش التي لم تعد متوافرة في بحيرة البرلس بعد أن تدهورت أحوالها في السنوات الأخيرة، موضحًا أيضًا أن أساس المشكلة هي الأحواض التي تسحب المياه من البحيرة لتروي مزارع الأسماك المجاورة، ثم تصرفها في البحيرة مرة أخرى دون معالجة ما بها من فضلات الأسماك.

Lake Borolos

Lake Borolos

يقول أحد المواطنين الموجودين في المقهى: إن الطريق المجاور للبوغاز مليء بـ”مناشر سمك”؛ حيث يوضع السمك على جانب الطريق لتجفيفه ليستخدم كعلف لسمك المزارع، وهذا يتسبب في رائحة لا تطاق وينشر التلوث.

يشعر الشيخ حمادة بمرارة لرؤيته البحيرة التي عمل بها منذ نعومة أظافره وهي تتدهور؛ حتى أصبح العمل بها أمرًا مستحيلًا؛ فحتى إذا ألقى شباكه في البحيرة، يعود في اليوم التالي فلا يجدها أو يجدها ممزقة، ويقول: إن هذه رسالة من لصوص الزريعة أن المنطقة خاضعة لهم.

ويضيف في غضب: إن مافيا الزريعة تطلق الرصاص على أي شخص يحاول الاقتراب من “البرور” التي يفرضون سيطرتهم عليهاـ وهي جُزر في بحيرة البرلس تعتبر مكانًا جيدًا للصيد حولهاـ؛ حيث يقيمون هناك أحواض سمك كبيرة، يصطادون منها السمك الكبير والصغير الذي يعتبر زريعة للبحيرة، فلا يتركون شيئًا للصياد “الغلبان، على حد قوله.

امشي على طريق كفر الشيخ، كل دي أحواض لحد إدكو.. يقول الشيخ حمادة، موضحًا مدى انتشار هذه الأحواض، مضيفًا أن محافظ كفر الشيخ الأسبق زكي عابدين أنشأ مزارع في منطقة “يد بحري” في طريق الإسكندرية، وقام ببيعها لكبار التجار.

لم يكن الشيخ حمادة هو الغاضب الوحيد من سيطرة مافيا الزريعة وانتشار المزارع في البحيرة.

كان سعد عبدالعزيز صيادًا في البحيرة منذ سنوات، ولكنه توقف عن العمل بعد سرقة شباكه مرات عدة على يد لصوص المزارع، ولم يعد يمتلك أموالًا ليشتري شباكًا جديدة للصيد، خاصة وهو يعلم أنها ستسرق مرة أخرى، “إحنا ما ناكُلش سمك المزارع حتى لو بجنيه”.. يقول عبد العزيز، مؤكدًا أن سمك المزارع ملوث وأصاب العديد من المواطنين بالأمراض.

ويضيف أن السبب في تلوث مياه البحيرة هو ركودها، بعدما لم تعد تصلها أية مياه، بعد أن سُدت كل الأبواب- فتحات بين الجزر وبعضها، تمر من خلالها مياه جديدة أثناء المد والجزر لتحرك مياه البحيرة- عن طريق الصيادين المخالفين الذين قاموا بالتعدي عليها وإنشاء المزارع بها. كان للبحيرة عشرة أبواب، مثل أبواب: “الغريب، مسلم، الزناخة، الأعمى”، وكان معظم الماء يأتي من بلدة “الشخلوبة”.

Lake Borolos

Lake Borolos

يقول عبد العزيز: إن شرطة المسطحات ضعيفة وعدد قواتها قليل للغاية، فضلًا عن كونها تعمل صباحًا فقط ـ من السادسة صباحًا حتى السادسة مساءًـ وبمجرد انتهاء ساعات عملها يبدأ الصيادون المخالفون عملهم في البحيرة، كما أن شرطة المسطحات ترفض الاستجابة لطلبات الصيادين بالتدخل في أحيان كثيرة، وتنتظر صدور الأوامر من مديرية الأمن.

بخلاف الصرف الزراعي، تعاني البحيرة أيضًا الصرف الصحي. تعتبر منطقة “المصرف” إحدى أشهر المناطق في مدينة برج البرلس المستقلة حديثًا عن مدينة “بلطيم”، وإذا سألت أحد سكانها عن عنوان ما سيقول لك: “بعد المصرف بشوية كده”.

بالإضافة للصرف الصحي المقبل من محافظة الغربية، تعاني البحيرة الصرف الصناعي في وجود “مصرف بحر كوتشنر”، الذي يمتلئ بمخلفات الصرف الصحي والصناعي والكيماويات المقبلة من مصانع مدينة المحلة وبعض مصانع مدينة كفر الزيات عبر مصارف فرعية أخرى.

قريبًا من القهوة يعمل عبدالله شمس سائقَا لسيارة صغيرة لنقل الركاب، يتحدث شمس عن البحيرة قائلًا: “البحيرة ما خابش أملها غير من صرف الزراعات، ويضيف: زمان كان السمك أنواعه كتير، دلوقتي مفيش غير نوعين تلاتة، مؤكدًا أن البحيرة كانت تنتج أنواعًا مختلفة من السمك مثل: “القشور، والحنيش، والبِن، والدنيس، وأبوناى”، بينما لم يعد الآن يوجود إلا سمك “البلطي والطوبار”.

خلف مكتب متواضع، يعلوه تقويم لم يهتم أحد بتغييره منذ أشهر، يجلس نائب رئيس مجلس مدينة بلطيم عصام الطوبجي، الذي يقول بثقة لم تخلُ من تحدٍ واضح: “كل المشكلات اللي الجرايد بتكتب عنها دي كانت من أربع سنين، مفيش أي تلوث في البحيرة دلوقتي، نافيًا وجود أي مشكلات بالبحيرة، لا تلوث، ولا مشكلات تواجه الصيادين، ومؤكدًا أن البحيرة لا يوجد  بها أي نوع من أنواع الصرف.

في مكتب خاص ضيق، وأسفل صورة كبيرة للرئيس عبدالفتاح السيسي يجلس شيخ الصيادين محمد الحمراوي، ويقول: “في الأول أنا أحب أشكر الرئيس عبدالفتاح السيسي على الجهود اللي بيعملها لإصلاح البحيرة”.

ويوضح أن البحيرة مهملة وتعاني مشكلات أهمها اللنشات التي تعمل بطريقة مخالفة للقانون رقم 123 لسنة 83، فضلًا عن أن هناك بعض الجزر التي تعدى عليها البعض وجعلوها مزارع سمكية، كما يضيف أن الحملة الأمنية الأخيرة لشرطة المسطحات المائية لم تقترب تمامًا من المزارع.

ويؤكد شيخ الصيادين، أن هناك صرفًا صناعيًا وصحيًا وزراعيًا في البحيرة، مضيفًا أنه حاول التنسيق مع المهندس المسئول عن محطة الصرف الصحي التي تضخ في البحيرة لتحويل الصرف إلى مكان ما قبل البوغاز، وبعد أن تم الاتفاق لم يروا المهندس مرة أخرى ولم يرد على اتصالاتهم.

محافظ كفر الشيخ السابق محمد عزت عجوة، قام قبيل نهاية العام الماضي بعدة زيارات إلى إقليم البرلس، نتج عنها بيانات نفت كل ما أشيع عن تلوث البحيرة، وأكدت أن البحيرة تتمتع ببيئة جيدة ونظيفة. البيانات جاءت على النقيض من التقرير السنوي لبرنامج “الرصد البيئي” الخاص ببحيرة البرلس لعام 2013، والتابع لوزارة الدولة لشئون البيئة، والذي تضمن معلومات مهمة توثق بالتجارب والتحاليل ارتفاع نسبة التلوث في البحيرة وتوضح تأثير مياه المجاري؛ بعد أن تعدت نسبة البكتيريا الناتجة عن الصرف الحدود المسموح بها في بعض المحطات، وكذلك في مياه المزارع السمكية في البحيرة.

كما تم أيضًا تسجيل انخفاض دوري لنسبة الهائمات النباتية التي تكون الغذاء الرئيسي للكائنات الحيوانية بالبحيرة، كما أنها تشكل جزءًا أساسيًا لإنتاج المواد العضوية بالبحيرة، والتي سُجل وجود 148 نوعًا منها في البحيرة هذا العام انتمت لـ 58 جنسًا، وهذا أقل مما سُجل العام الماضي، الذي سُجل فيه 155 نوعًا من 57 جنسًا، وفي عام 2010 تم تسجيل 195 نوعًا من 73 جنسًا، بحسب التقرير.

كما أثبت التقرير أيضًا أن البحيرة تلوثت لدرجة عالية أثرت في التنوع النباتي فيها، الذي لم يعد يليق بمحمية طبيعية؛ حيث يقتصر على “ورد النيل، وحامول الماء، ونخشوش الحوت”.

هذا بخلاف الخطر الناجم عن “تحاويط ورد النيل” التي تتجمع أسفلها أمهات الأسماك فيصطادها الصيادون، كما أن استمرار وجودها لفترة طويلة يؤدي إلى ما يسمى بـ “الإطماء”، ويبدأ منسوب مياه البحيرة يرتفع من أسفلها.

 

الرائدشاكر البلاصي، الضابط الوحيد في مكتب المسطحات المائية ببلطيم، يقول إن حملة المسطحات استهدفت ثلاث مشكلات: أولاً التعديات على المسطح المائي وإقامة المزارع بها، ثانيًا اللنشات المخالفة، وثالثًا الغزل المخالف.

أثمرت الحملة التي بدأت في مارس الماضي عن استرجاع ثلاثين ألف فدان تعديات من المزارع على البحيرة وأصبحت الآن للصيد الحر، وبقي حوالي أربعين ألف فدان من التعديات في الساحل الشمالي للبحيرة.

ولكن للحملة ضحاياها أيضًا.

على أحد جوانب البحيرة وقف عيد حسب النبي وحيدًا ليصرخ في غضب: “أنا أخدوا مني المركب بتاعي، أنا عايز صوتي يوصل للحكومة، البحيرة للكبار فقط”.

حسب النبي هو صاحب أحد اللنشات التي صادرتها السلطات من ضمن 70 لنشًا أخرى في حملة أمنية على المراكب المخالفة.

يستكمل: “يعني ياخدوا اللنشات اللي فاتحة بيوت عشرات الأسر، ويسيبوا لنشات التجارة ومافيا الزريعة اللي بلغنا عنها؟!”.

حسب النبي الذي كان يرتدي جلبابًا بسيطًا، يعمل في البحيرة منذ 30 عامًا، بدأ العمل مع والده قبل أن يترك المدرسة في المرحلة الإعدادية، ويضيف منفعلاً أنه أصبح يعمل باليومية كحال الكثير بعد أن صادرت السلطات مراكبهم.

حاول أن يذهب للتحدث مع المحافظ لتوفيق أوضاعه ولكنه لم يستطع الدخول أكثر من مرة، يقول: الأمن كان بيمشيني من على الباب، رغم إن المحافظ كان بيقول في الإعلام مكتبي مفتوح من 8 لـ 6 بالليل”.

وقد اضطر لبيع ذهب زوجته لكي يستطيع شراء شبك جديد ليتمكن من الصيد مرة أخرى، لكنه يرى أن شيخ الصيادين تواطأ وأبلغ الأمن عن هذه اللنشات؛ لأن شيخ الصيادين إخواني، ويريد أن يسبب وقيعة بين الصيادين والأمن، لكي يرسل لهم رسالة مفادها بأن “هذا هو السيسي الذي انتخبتوه رئيسًا لكم”، ولكن الصيادين الوطنيين لم ينصاعوا لهذه المؤامرة والتزموا  الصمت، على حد تعبيره.

“المشكلة مش في الأعداد المشكلة في الإمكانيات.. يقول البلاصي شارحًا أزمة شرطة المسطحات المائية في البرلس، فقوة اللنشات التي يسعون لإيقافها كبيرة للغاية مقارنة بقوة الزوارق التي تعمل بها قوات المسطحات المائية.

أُنشئت محمية “البرلس الطبيعية” عام 1998، بقرار من رئيس الجمهورية، ليقام على أساسها جهاز شئون البيئة في الإقليم لمتابعة حالتها عن كثب.

 رقم تليفون الجهاز الموجود على الموقع الإلكتروني لم يكن الوحيد خارج الخدمة؛ بل إن الجهاز الموجود بمدينة بلطيم لم يطأه بشر منذ أشهر على الأقل، فالمبنى الكبير متعدد الأبواب مغلق تمامًا في العاشرة صباحًا دون وجود موظف واحد، بينما تنتشر برك مياه الصرف أمامه.

سكان المدينة يعرفون بعضهم البعض، كما يعرفون مدينتهم جيدًا بكل مبانيها، ولكن حين تسألهم عن جهاز شئون البيئة، حتى أثناء وجودهم على بعد أمتار منه، سيجيبونك: “مركز بيئة؟!.. لأ مفيش طبعًا، هو في بيئة دلوقتي؟”.

اعلان