Define your generation here. Generation What

يارا طارق

“يارا طارق”.. فتاة مصرية لأبوين مصريين كادحين، سافرا مثل ملايين المصريين غيرهما إلى الخارج ليوهبوا لأبنائهم حياة أكرم من تلك التي عاشوها. “يارا” صاحبة ١٩ عامًا، عاشت بصحبة والديها في “قطر” حتى أكملت دراستها المدرسية عازمة على العودة لبدء دراستها الجامعية في مصر. كانت “يارا” مثلها مثل كثير من أبناء جيلها الذين لم ينل منهم اليأس بعد، طموحة ومليئة بالحيوية. كانت تطمح في أن تصبح مهندسة كبيرة، ولذلك التحقت بالجامعة الألمانية في القاهرة، إحدى الجامعات الخاصة المعروف عنها تميزها في مجال الهندسة. الجامعات الخاصة بطبيعة الحال تسعى إلى الربح، والجامعة الألمانية تحديدًا منذ أن أنشأها “أشرف منصور”، رئيس مجلس الأمناء والرئيس الفعلي للجامعة، عام ٢٠٠٣، ومصروفاتها الدراسية في ازدياد مستمر حتى وصلت إلى ٧0 ألف جنيه سنويًا، لتصبح ثاني أغلى جامعة في مصر بعد الجامعة الأمريكية بالقاهرة. وبرغم أن الدراسة في الجامعة الألمانية أصبحت تكلف أكثر من الدراسة في ألمانيا، فإن ذلك لم يثن “يارا” ولا أهلها عن الالتحاق بالجامعة في بداية العام الدراسي الحالي، ليصبح ذكاءها وطموحها أن تكون من المتفوقين ظاهرًا أمام كل من علمها من أساتذة. كان الجميع يتوقع لها مستقبلًا باهرًا، ولكنه مستقبل لن يأتي أبدًا.

يوم الاثنين الماضي في تمام الساعة الرابعة عصرًا، كانت “يارا” تقف في موقف الحافلات المكتظ في انتظار ركوب حافلة لتأخذها إلى المنزل كما هو معتاد، عندما صدمتها الحافلة المجاورة وهي تهم بالإقلاع. شدة الصدمة أطاحت بها لترتطم برأسها في الحافلة التي كانت تهم بركوبها، لتقع على الأرض وسط صدمة زملائها غارقة في الدماء. توفيت “يارا” بعد ساعة من الحادث في المستشفى نتيجة إصابتها بنزيف حاد من الأذن وتهتك في الجمجمة، بالإضافة إلى بعض الإصابات الأخرى من شدة الارتطام. ماتت “يارا” ومات معها مشروع أحمد زويل مصري آخر. “يارا” قتلها الإهمال، ذلك السرطان الناهش في بدن الوطن المنهك والمنتهك. قُتلت “يارا” داخل أسوار الجامعة أمام أعين زملائها دون أن يستطيع أحد منهم مساعدتها. “يارا” قتلها الاستهتار بالأرواح والدماء ليعيد إحياء بركان غضب لم يهدأ منذ تجاهلت الإدارة رغبة الطلاب في عمل نصب تذكاري لزميلهم “محمد صلاح”، الذي لقي حتفه في مذبحة الدفاع الجوي، قائلين جملتهم التي سيسّطرها التاريخ في أدنى صفحاته “مش معقول كل حد هيموت هنعمله نصب تذكاري”. من الممكن فهم ذلك الرفض غير المبرر في نظر الطلاب إذا تذكرنا أن الذكرى بكل أنواعها في نظر السلطة القمعية، سواء أكانت حكومية أم جامعية، خطر يستلزم محوه. فالذكرى تخلق فكرة، والفكرة تخلق حركة، والحركة تخلق ثورة، والثورة على النظام القائم أكبر خطر على المستفيدين منه، وليس هناك من يستفيد من النظام أكثر من حكامه. ولكن وللإنصاف؛ فإن الإدارة معها ألف حق، فالطلبة لم يكن يجب أن يطالبوا ببناء نصب من الأساس، كان الأجدر بهم أن يطالبوا بهدم صنم تجارية التعليم الذي صار إله الجامعة الأوحد، حتى أصبح الطلاب بالنسبة إلى الإدارة مجرد أكياس نقود متحركة، محض زبائن يعاملون معاملة الخراف في الحظيرة ولا يحق لهم إلا السمع والطاعة. اليوم بعد مقتل “يارا”، لا سمع ولا طاعة. فمقتل “يارا” خلق حالة من الحراك الفورى الشامل لكل أطياف الجامعة، بما فيها المجموعات غير المسيسة وغير الفاعلة في المعتاد، ليقوموا بالدخول في اعتصام مفتوح إلى حين فتح تحقيق وإقالة المسؤولين عن الحادث وإجراء إصلاحات تتعلق بالأمن والسلامة لضمان عدم تكرار الحادث مرة أخرى.

حظى مقتل “يارا” بتغطية إعلامية نادرة في وقت يُقتل ويُعتقل فيه آلاف الطلاب في الجامعات الحكومية بصورة دورية دون أن يلتفت لهم أحد. كان أحد أسباب تلك التغطية المفاجئة إلى جانب فجاعة الحادث ومأساويته، التحيز الطبقي الفاحش للإعلام المصري الذي يمجد (أولاد الناس) ويبغض (أولاد الكلب الشعب). أضف إلى ذلك أن مقتل “يارا” غير مسيس، ولذلك فإن التركيز عليه لن يحرج السلطة الحاكمة التي يُسبّح الإعلام بحمدها صبحًا وعشيًا. بعد انتشار الخبر كالنار في الهشيم في ظل ساعات قليلة، أبدى الكثير ممن هم خارج مجتمع الجامعة وداخله، استهجانهم قيام الطلاب بالاعتصام ومهاجمة الإدارة التي لم تكن تستطيع من وجهة نظرهم منع الحادث، فالإدارة في نظر الكثير ممن نشأوا في كنف الدولة القمعية مثل ولي الأمر، لا يجوز انتقاده أو تحميله المسؤولية. هذا الاستهجان متوقع في ظل مجتمع يرى الإهمال قضاءً والاستهتار قدرًا، فبينما يرى البعض أن الحراك الطلابي هو نتاج تراكمات سلبية تجاه الإدارة، وأن أشرف منصور وحاشيته أبرياء براءة الذئب من دم ابن يعقوب، الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك. الطلاب لهم كل الحق في اتخاذ قرار الاعتصام وعاصفة الغضب التي تجتاح الجامعة حاليًا مبررة لأسباب عدة:

١- الحادثة ليست الأولى من نوعها بل الثالثة. اتحاد الطلاب قام بتقديم طلبات متكررة لتحديث جراج الجامعة غير المجهز لعدد الطلاب المتزايد سنويًا دون جدوى. هذا بالإضافة إلى عدم تطبيق أبسط قواعد الأمن والسلامة في الجامعة. في عام ٢٠١١ بعد قيام إحدى حافلات الجامعة بعمل حادثة على الطريق، قام الطلاب بالمطالبة بخفض عدد الرحلات التي يقوم بها السائقون يوميًا للحد من إرهاقهم الذي يعرضهم والطلبة للخطر. قامت الجامعة بعد يومين بالبدء في توسيع الجراج، هل كان يجب أن يموت أحد قبل أن تتخذ الجامعة هذا القرار الذي طال انتظاره؟ هل من المسؤولية المقامرة بحياة الطلاب؟ هل من الحكمة لعب الزهر مع الموت؟

٢- الأمن غير مدرب على التعامل مع حالات الطوارئ، وعربة الإسعاف كانت غير مجهزة، والسرير داخلها غير مثبت جيدًا، والطبيبة المرافقة لم تستطع تشغيل جهاز وقف النزيف نظرًا لشدة الاهتزاز ـ طبقًا لشهادة الطالبة “ملك” التي رافقتها إلى أن وصلت إلى مستشفى القوات الجوية. قال رئيس الجامعة إن “يارا” كانت تجري حين صدمتها الحافلة. ألا يعلم رئيس الجامعة أن الكذب جريمة؟ ألا يدري أنه من الشجاعة الاعتذار عند الخطأ؟ وأن أكبر خطأ، هو الإصرار على الخطأ؟ 

٣- لأن الأسفلت أوفى كثيرًا من معظم البشر؛ فإنه لا يشرب الدماء، يحفظها ولا يمحوها. ولذلك بقيت دماء “يارا” على الأسفلت حتى بعد ساعات عدة من انتقالها إلى رحمة الله، إلى أن قام بإزالة آثارها فرد من الأمن الصناعي بالحرق قبل معاينة النيابة لموقع الحادث. أحد أفراد الإدارة برر هذا الفعل على أنه خطأ غير مقصود من العامل! كم خطأ يجب أن يتحمله الطلاب قبل أن يعصفوا بكم خارج مكاتبكم المكيفة؟ كم خطأ قبل أن تتحلوا بالشجاعة الكافية للاعتذار؟

كل هذه الأسباب تجعل من اعتصام الجامعة الألمانية حقًا مشروعًا وفرض عين على كل طالب لا يزال يملك القدرة على التغيير في دائرته الصغيرة. هل يستطيع الطلاب تحقيق تلك المطالب في ظل قبضة أمنية شديدة داخل وخارج الجامعة؟ هل بإمكانهم حقًّا تغيير عقلية عجوز اعتادت تهميش الشباب وتجاهلهم؟ لا أحد يدرى بعد، ولكن الأكيد أن هذا الاعتصام قد غيّر الكثير بالفعل في نفوس الطلاب الذين شعروا لأول مرة بالفعل أنهم أصحاب الجامعة الحقيقيون وليسوا مجرد محض زبائن في محل بيع شهادات أكاديمية لمن يستطيع الدفع.

الأساتذة الأفاضل والمربون الأجلاء.. كم “يارا” يجب أن تموت قبل أن تفيقوا من سباتكم العميق؟ عِنْدَكُم يقتلنا.  

الفاتحة على روح “يارا طارق”.

اعلان
 
 
طاهر المعتز بالله