Define your generation here. Generation What
حينما تصبح المرأة مجرد أداة سياسية
 
 

بعد أيام قليلة من انعقاد مؤتمر “هي والإرهاب”، الذي نظمه المجلس القومي للمرأة بالتعاون مع وزارة الأوقاف، في قاعة أنيقة داخل المركز الدولي للمؤتمرات، كانت الداعية منال المسلاوي تشق طريقها بصعوبة وسط شوارع حي الطالبية غير الممهدة لتعطي درسًا دينيًا لبعض النساء بجامع النصر.

تقول المسلاوي: “هؤلاء الأئمة الذين يتحدثون ليل نهار عن مكانة المرأة في الإسلام هم أكثر من أهانوها؛ يتحدثون عن مكانة المرأة في قاعات المؤتمرات المكيفة، ويهتمون فقط فيما يقال على المنبر للرجال في صلاة الجمعة في نصف ساعة، بينما يتركون الملايين من النساء بدون أي تعليم ديني”.

تعمل المسلاوي كداعية بنظام المكافأة من قبل وزارة الأوقاف في مسجد النصر بحي الطالبية مرتان اسبوعيا، بعد أن تعلمت أساسيات العلوم الشرعية في الفقه والحديث والقرآن، بعد تخرجها في معهد إعداد الدعاة التابع للوزارة. على الرغم من أنها علمت عن تنظيم المؤتمر، إلا أنها تقول أن العلم الذي تلقته خلال دراستها بالمعهد يمثل لها أقل القليل وأنها لا تتلقى أي تدريب كافٍ لمساعدتها، على الرغم من كونها داعية مُرخَصة من وزارة الأوقاف.

تحدث في المؤتمر ممثلات عن المجلس القومي للمرأة، بالإضافة لوزير الأوقاف ومسئولين بوزارتي الدفاع والخارجية، بالإضافة إلى العديد من الشخصيات العامة حول ضرورة دعم النساء الأكثر فقرًا حتى لا يقعن فريسة للفكر المتشدد. بعدها بأيام شكرت رئيسة المجلس ميرفت التلاوي وزير الأوقاف محمد مختار جمعة لاختياره موضوع دور المرأة في الإسلام وحقوقها كموضوع لخطبة الجمعة. كما نظمت الوزارة أيضًا بالتعاون مع المجلس مشروعًا لاختيار داعيات متطوعات من النساء للدعوة في مجالات التنمية البشرية والطب الوقائي.

لكن المسلاوي تقول أن الأمور تختلف كثيرًا على أرض الواقع: “أنا مشغولة جدًا بعقليات هؤلاء النسوة. من يشكلها؟ من سيشكلني؟”. تضيف أن الإنترنت هو مصدر التعلم الوحيد لها عن الدين والدعوة.

وتتساءل: “أعمل جاهدة لأُعلم نفسي بنفسي، لكن ما الذي يضمن أنني أتلقى التعليم الصحيح؟ أين الأزهر؟ أين المؤسسة الدينية؟”.

حينما سُئل عن كيفية اختيار الداعيات، قال وكيل وزارة الأوقاف، على عبد المهدي، لـ«مدى مصر» إن الداعيات يتم اختيارهن لتعويض النقص الحاصل في أعداد الداعيات بعد تطهير الوزارة من ذوات وذوي “الفكر المنحرف”، في إشارة إلى المحسوبين على جماعة الإخوان المسلمين. ويضيف عبد المهدي أن الوزارة أنهت تعاقدها مع الكثير من الداعيات لثبوت انتمائهن للإخوان.

استخدام النساء كوسيلة من أجل أغراض سياسية ليس بالظاهرة الجديدة كليًا، حيث تم إنشاء المجلس القومي للمرأة نفسه عام 2002 تحت رعاية السيدة الأولى السابقة سوزان مبارك، التي استخدمت الكثير من التعديلات القانونية في عهد مبارك للترويج السياسي للنظام الحاكم كنظام داعم لحقوق المرأة. شملت هذه القوانين قانوني الخلع وتجريم ختان الإناث، ورغم ذلك تقول الكثيرات من الداعمات لحقوق النساء أنها قوانين “على الورق”، حيث لم تتخذ الدولة أي خطوات حقيقية لترجمة هذه القوانين إلى واقع حقيقي.

استغل الرئيس عبد الفتاح السيسي أصوات النساء جيدًا أثناء حملته الرئاسية، وجعل خطاب احترام نساء مصر عنصرًا هامًا في الترويج لحملته الانتخابية، إذ أشار لهن “بالزوجات، والأمهات، والأخوات”. ركز السيسي في أحد حواراته حول دور الأم في المرور على غرف أبنائها للتأكد من غلق الأنوار غير المستخدمة، بينما لم يشر بشكل واضح لأدوار أكبر للنساء في إدارة المجتمع والدولة.

تقول سناء السعيد، العضوة السابقة في برلمان 2011 المنحل، عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي في أسيوط، أنها خاضت معارك طويلة من أجل وضع أفضل للنساء في قوائم الأحزاب السياسية أثناء التحضير للانتخابات البرلمانية التي تم تأجيلها.

السعيد، البرلمانية الوحيدة الممثلة لحزب غير إسلامي وسط تسعة نائبات ينتمين كلهن لجماعة الإخوان المسلمين في البرلمان المنحل، تقول أن التهميش السياسي للنساء لا يقتصر فقط على الأحزاب الإسلامية: “مهما كان السياسيون علمانيين أو متعلمين، الرجل يُفَضل الرجل. يُراد لنا أن ندرك أن النساء دورهن فقط هو إنجاح السياسين الرجال وإنجاح العملية السياسية”.

تشير السعيد للأعداد الغفيرة للنساء اللواتي خرجن في مظاهرات 30 يونيو المناهضة لحكم الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى مشاركتهن الكبيرة في الاستفتاء على الدستور ثم الانتخابات الرئاسية، مضيفة: “يتم استخدام النساء فقط كآداة لجعل الرجال ينجحون في السياسة، لكن حينما نتحدث عن مشاركة سياسية حقيقة، فإن أدوارهن ملغية تمامًا. كانت عملية وضع النساء في القوائم الانتخابية عملية شكلية تمامًا، بدون أي إرادة حقيقية لأي تواجد حقيقي للنساء في البرلمان”.

هذا الإحباط دفع السعيد للتخلي عن ترشيح نفسها للانتخابات القادمة.

ويظل الشارع هو المجال الأكبر لاستخدام المرأة كآداة في الصراع السياسي، فبينما تم تعظيم مشاركة المرأة في الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين، واجهت النساء المعارضات للنظام الحالي شتى أنواع التنكيل، الذي وصل إلى مداه بعد مقتل الناشطة اليسارية شيماء الصباغ في يناير الماضي، حيث تم توجيه اتهامات للشرطة بالتورط في قتلها.

مريم صلاح هي واحدة من هؤلاء. المدرسة التي تبلغ من العمر ثلاثين عامًا تقول لـ«مدى مصر» إنه تم القبض عليها بعد فض اعتصام رابعة العدوية في مظاهرة منددة بالفض العنيف الذي راح ضحيته مئات من مؤيدي جماعة الإخوان المسلمين في أغسطس 2013. تضيف صلاح: “استمعت لأحقر الشتائم والألفاظ، وتم تهديدي بالاغتصاب لكي اعترف على باقي زميلاتي أننا مارسنا العنف. ظللت بالحبس لمدة أربعة أيام فقط، أعلم أنني لو مكثت لفترة أطول لنفذوا تهديداتهم”.

لا تدعي صلاح أنها تنتمي للإخوان المسلمين، لكنها تقول أنها شاركت بشكل منتظم في اعتصام رابعة العدوية، نافية استخدام النساء كدروع بشرية في مظاهرات الإخوان على عكس الاتهامات الموجهة للجماعة، وتقول: “تذهب النساء للخطوط الأمامية أثناء المظاهرات بإرادتهن، ليس من العدل أن نلغي هذه الإرادة فقط لأنهن اخترن انتمائا سياسيا معينا”.

داليا عبد الحميد، الباحثة في النوع الاجتماعي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، قالت في حوار سابق لـ«مدى مصر» أن الكثير من الحكومات المتعاقبة استخدمت حقوق النساء للترويج للأنظمة الحاكمة باعتبارها أنظمة تقدمية، وشرحت ذلك قائلة: “يضع هذا الاتجاه العاملات في مجال حقوق المرأة بين شقي الرحى، فالدولة تقدم بعض التعديلات القانونية التي هي في صالح المرأة ولا تطبقها بشكل فعلي، فقط حتى يمكنها أن تخنق أي تغيير حقيقي قاعدي على الأرض. نطلق على هذا الاتجاه مصطلح نسوية الدولة”.

إلا أن أمل المهندس، مديرة برنامج المدافعات عن حقوق الإنسان بمركز نظرة للدراسات النسوية، تؤكد أن الكثير من النساء يواجهن هذا الإصرار على استخدامهن من خلال الدولة والمجتمع، وتضيف: “انفتاح المجال العام بعد الثورة شجع النساء على العمل والتنظيم من أجل الحصول على حقوقهن ومواجهة عنف الدولة والمجتمع، حيث رأينا مجموعات التحرك ضد التحرش الجنسي، بالإضافة إلى الكثير من المبادرات في المحافظات المختلفة”.

اعلان
 
 
مي شمس الدين