Define your generation here. Generation What
المهلة التي منحها انخفاض أسعار النفط العالمية لمصر
 
 

تميزت الأشهر الثمانية الماضية بتراجع مستمر وحاد في أسعار النفط العالمية لم يحدث منذ الأزمة المالية، وعلى الرغم من أن آثار هذا التراجع على الأسواق في العالم كانت مختلطة، إلا أنه كان في العموم أمرًا إيجابيًا بالنسبة للدول المستوردة للبترول مثل مصر.

انخفض سعر الخام برنت، وهو معيار عالمي، للبرميل الواحد أكثر من 50%، من سعر 115 دولار في يونيو إلى حوالي 48 دولار للبرميل في يناير، وقد تعافى قليلًا في الأسابيع التالية، قبل أن يواجه انخفاضًا حادًا في أوائل مارس ويقف الآن فقط عند 58 دولار.

وبينما أثار هذا الاتجاه الذعر في السوق لمنتجي ومصدري النفط الذين يعتمد اقتصادهم على هذه الإيرادات، وأدى إلى توقعات مختلطة بشأن النمو العالمي، إلا أنه جاء كإغاثة ضرورية للدول المستوردة للنفط.

مصر مثال على ذلك، حيث ساعد انخفاض الأسعار العالمية للنفط في تخفيف وطأة الضغوط التضخمية المحلية التي تقودها حزمة إصلاحات الدعم التي صدرت في يوليو، في محاولة لكبح جماح العجز الذي كافحت الحكومة، التي تعاني من ضائقة ماليةـ لتضييقه.

وتتوقع وزارة البترول خفض الدعم بمقدار 30 مليار جنيه مصري في هذه السنة المالية إذا استمرت أسعار النفط عند هذا المستوى.

وائل زيادة، رئيس قسم الأبحاث في بنك الاستثمار “إي إف جي هيرميس” ومقره القاهرة، يقول إنه في حالة استمرار هذا الوضع ستكون مصر قادرة على إصلاح حساباتها المالية؛ لأنها كانت على مسار مالي غير مستدام، مضيفًا: “بإمكانهم خفض الديون الضخمة على الاقتصاد، والتي تسبب مشاكل تضخمية هيكلية”.

في الأسبوع الماضي، أعلنت مصر وصول التضخم السنوي إلى 10.6% في فبراير، وهو ما يشكل ارتفاعًا عن نسبة 9.7% في يناير، عندما اتخذ البنك المركزي المصري، بتشجيع من التخفيف في الضغوط التضخمية، قرارًا غير متوقعًا بخفض أسعار الفائدة الرئيسية بمقدار 50 نقطة.

وقالت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي في بيان لها: “انخفاض الأسعار العالمية للبترول، والذي أدى بدوره إلى انخفاض الأسعار العالمية للمواد الغذائية، سيحد من المخاطر الصعودية للتضخم الناجمة عن صدمات العرض المحلية”.

هناك العديد من المجالات الرئيسية سيكون لأسعار النفط العالمية تأثيرًا مختلطًا عليها. وتزامنًا مع مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري في شرم الشيخ، من المهم الإشارة إلى كيفية تأثير استمرار هذا الاتجاه العالمي على اقتصاد البلاد الأوسع والحالة المالية.

خاصة وأن معظم المشروعات التي قدمتها مصر للمستثمرين في المؤتمر في الطاقة، والحكومة في حاجة ماسة إلى الحفاظ على اهتمام المستثمرين المتجدد في هذا القطاع.

عجز ميزان المعاملات الجارية

تقول شركة الاستشارات المالية «كابيتال إيكونوميكس» البريطانية، إنه “نظرًا لأن مصر والمغرب وتونس مستوردين للنفط، فإنهم يستفيدون من انخفاض أسعار النفط، وأن العجز الأصغر في ميزان المعاملات الجارية سوف يخفف من الضغوط في ميزان المدفوعات الذي عانت منه اقتصاديات هذه الدول على مر السنوات القليلة الماضية”.

محمد فريد، الرئيس التنفيذي لشركة الاستشارات الاقتصادية والمالية “دي كود”، يشرح أن الفاتورة الكاملة لواردات المنتجات النفطية سوف تنخفض، ومن ثم سوف تدّخر الحكومة بعض المال في الميزان التجاري النفطي. وتشير شركته إلى أن النفط الخام يشكل 22% من إجمالي واردات النفط، و5% من إجمالي الواردات المصرية.

يقول زيادة إنه في هذه السنة المالية 2014/2015، حيث شهدت الأشهر الستة الأولى ارتفاعًا نسبيًا في أسعار النفط، من المتوقع أن يدخر صافي الميزان التجاري للنفط في مصر “1,5 مليار دولار في المعاملات الجارية”. وبالنسبة للسنة التقويمية 2015، إذا ظلت الأسعار عند هذا المستوى، سيصل ادخار مصر حوالي 2,5 إلى 3 مليار دولار.   

جيسون تيوفي، الخبير الاقتصادي المتخصص في شئون الشرق الأوسط في «كابيتال إيكونوميكس»، قال لـ«مدى مصر» إنه مع كون الحكومة هي التي تدعم الطاقة، فسيكون انخفاض أسعار النفط مفيدًا لها بشكل أساسي؛ لأن إنفاقها على الدعم سيكون أقل، مضيفًا: “نقدر أن استمرار هذا الانخفاض في أسعار النفط يمكنه خفض فاتورة الدعم الحكومية بنسبة تصل إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي”.

يرى الكثيرين إن الاقتصادات الناشئة التي تدعم الطاقة بشكل كبير يمكن أن تستفيد من التحول الكبير في أسعار النفط بأن تلجأ لخفض الإنفاق في هذه المناطق وتوجيهه إلى أماكن أخرى.

في ديسمبر كتب صندوق النقد الدولي، إن الانخفاض في أسعار النقد يقدم فرصة لدول عديدة لخفض دعم الطاقة واستخدام المدخرات نحو تحويلات أكثر استهدافًا، ووفقًا للصندوق، كلف دعم الطاقة مصر 6.5% من الناتج المحلي في 2014.

لكن ولأن الحكومة بالفعل أخذت خطوات لخفض الدعم هذا الصيف، وتبع ذلك ارتفاع الأسعار، ربما يكون من المقلق الاقتراب من نظام الدعم الحساس من الناحية الاجتماعية والمثير للجدل للغاية في المستقبل القريب، خاصة عندما يتعلق الأمر بمنتجات الوقود الأساسية.

هذا الادخار ليس من النوع الذي يمكن توجيهه إلى مكان آخر، حيث أنه ادخار على عجز قائم. يقول زيادة: “التأثير على المعاملات الجارية والعجز المالي يمنح الحكومة استراحة على المدى الطويل والمتوسط”.

كما قد يعني أيضًا ضغط أقل على الاحتياطيات الأجنبية للبلاد، والتي تضاءلت نظرًا لتكاليف الواردات المرتفعة عبر السنوات، وأدت جزئيًا إلى ضعف العملة.

وربما تُمنح استراحة أيضًا إلى النظام المصرفي في البلاد، والذي استغلته الحكومة للاقتراض من أجل دعم العجز الهائل.

يقول فريد: “الحكومة ستتجه إلى سوق الدين المحلي بشكل أقل كثيرًا”، ومن هنا فإن تكلفة اقتراض الأموال لن تكون مرتفعة، ما يخلق بعض الحيز المالي للحكومة.

الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاع النفط والغاز

لا يرى زيادة أن تذبذب أسعار النفط يعكس بشكل مباشر أزمة الطاقة التي شهدتها مصر خلال العامين الماضيين.

ما يمكنه تخفيف نقص الطاقة هو تنشيط الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاع النفط والغاز، والذي يمثل 50% من تدفقات هذا الاستثمار بحسب “دي كود”.

كانت استثمارات الطاقة قد جفت في السنوات التي تلت ثورة 2011، حيث تراكمت متأخرات الحكومة لشركات النفط الأجنبية ـ ما ساهم جزئيًا في أزمة الطاقة ـ ولكن هذا تغير منذ بدأت مصر سداد ديونها.

وفي 6 مارس، وقعت ” بريتيش بتروليوم” الاتفاقيات الأخيرة في مشروع غرب دلتا النيل لتطوير 5 تريليون قدم مكعب من موارد الغاز و55 مليون برميل من المكثفات، وفقًا لبيان صادر عن الشركة، وهو ما يشكل استثمار بحوالي 12 مليار دولار.

يقول تيوفي: “حققت الحكومة المصرية تقدمًا جيدًا في مواجهة القضايا التي منعت الاستثمار في قطاعي النفط والغاز في البلاد في السنوات الأخيرة. وعلى هذا النحو، هناك إشارات أن شركات الطاقة الأجنبية تهتم بشكل أكبر بمصر، التي لم يعوقها انخفاض أسعار النفط”.

يقول فريد إنه منذ خلقت ديناميكيات السوق تراكم فرص الاستكشاف في السنوات الثلاثة الماضية، إلى جانب حقيقة أن “أسعار النفط لا تزال أعلى من متوسط تكلفة الاستكشاف للبرميل”، لن يكون هناك تأثيرًا سلبيًا على الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاع النفط.

ربما يبدو أن الاستثمارات من الدول الخليجية في خطورة، حيث يواجه منتجي النفط ضغطًا من انخفاض أسعار النفط العالمية، ويتوقعون حدوث عجز في الميزانية بدلا من الفائض المسجل في السنوات الأخيرة. مع ذلك، ليس من المرجح حدوث تزعزع في استثماراتهم ودعمهم الاقتصاد المصري، منذ أن أصبح هذا الدعم في الغالب سياسيًا منذ عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي.

يقول زيادة: “كلما بدا أن أمن واقتصاد مصر أمر محوري لأمن المنطقة بأكملها، سيكون تخصيص المساعدات لمصر في المرتبة الثانية، إن لم يكن على قدم المساواة، مع نفقات الدول الخليجية العسكرية”، وعلى الرغم من توقعه انخفاض المساعدات، إلا أن ذلك سيكون مدفوعًا بنسبة أقل بتقلبات أسعار النفط وأكثر بحقيقة أن المساعدات الخليجية التي رأيناها خلال العام الماضي كانت مفرطة.

أسعار الفائدة

إن الآثار الانكماشية العالمية لانخفاض أسعار النفط وتأثيرها على العملات أجبر البنوك المركزية لبعض الدول الاوروبية على اللجوء إلى أسعار الفائدة السلبية، وتتنبأ معظم التوقعات الاقتصادية العالمية بالاتجاه المستمر لتخفيف السياسة النقدية.

في مصر، خفض البنك المركزي أسعار الفائدة في اجتماعه الأول لهذا العام على خلفية تخفيف الضغوط التضخمية، ما أدى إلى وصول سعر الفائدة على الودائع بين عشية وضحاها إلى 8.75%، وسعر الإقراض إلى 9.75%. وفي اجتماعه الأخير في فبراير، أبقى على نفس المعدلات مشيرًا إلى مخاطر التضخم والنمو الاقتصادي.

وبينما أسعار الفائدة السلبية إمكانية بعيدة المنال لمصر، يشير الخبراء إلى حقيقة أن أسعار الفائدة الحقيقية سلبية في واقع الأمر وكانت هكذا لبعض الوقت، وأن معدلات الفائدة الإسمية (تلك التي أعلن عنها البنك المركزي) طُرحت وفقا لمعدل التضخم المحلي.

يقول زيادة: “إذا كنت تتحدث عن معدلات الفائدة الحقيقية السلبية، شهدنا في السنوات الثلاثة أو الأربعة الماضية، معدلات سلبية أكثر من المعدلات الإيجابية، ومع ذلك فإن أسعار الفائدة السلبية الإسمية ليست متوقعة في مصر بسبب هيكل الحسابات المالية”.

يشرح فريد: “في حالة مصر، حيث يتعامل أغلب الأفراد مع القطاع المصرفي، تجد أن المعدلات أقل قليلًا من التضخم فيما يتعلق بالودائع، ومن هنا، يأتي المعدل الحقيقي السلبي للعائد عندما يتعلق الأمر بالأفراد المودعين”.

ويضيف: “عندما يتعلق الأمر بالمؤسسات المالية التي تتعامل مع الحكومة وشهادات الاستثمار، لا يزال لدينا القليل من معدل الفائدة الإيجابي. وكان متوسط التضخم حوالي 10% بينما كانت معدلات سندات الخزانة أعلى قليلًا”.

ومع ذلك، بالنسبة لعملاء البنوك الذين يمتلكون مبالغ كبيرة في القطاع المصرفي السائل بشكل مفرط في مصر، سيتأثرون ماديًا في حالة حدوث انخفاض طفيف في أسعار الفائدة الإسمية.

يقول زيادة إنه بينما تشكل أسعار النفط المنخفضة عاملًا إيجابيًا لمصر في المساعدة على تقليل العجز، إلا أن العجز سيستمر بسبب نظام الدعم الذي يوفر النفط بأسعار أقل من أسعار السوق. ولنفس السبب، ليس من المرجح انخفاض الأسعار المحلية للبضائع.

يشرح زيادة إنه إذا لما يكن هناك فاتورة للدعم، سيؤدي انخفاض أسعار النفط إلى انخفاض مباشر في الأسعار المحلية للبضائع والخدمات، ولكن بما أن ذلك ليس الوضع، “فالتأثير على المستهلك صامت”.

يقول فريد إن دعم الطاقة سيمنع تكلفة المواصلات المحلية من الانخفاض بنفس النسب التي كانت ستحدث لو لم يكن هناك دعم، فالدعم سيجعل أسعار النقل تستمر كما هي، وهو سبب آخر لبقاء أسعار البضائع والخدمات ثابتة، مضيفًا إلى ذلك حقيقة أنه “في الأسواق الناشئة دائمًا ما تكون زيادة الأسعار أسهل”.

يقول فريد، إنه مع ذلك، عالميًا يأتي مع الانخفاض في أسعار النفط الخام انخفاضًا في مشتقاته، ما يعني انخفاض وقود السفن، وبالتالي انخفاض تكلفة شحن البضائع، مضيفًا أنه مع ذلك فإن تكلفة نقل البضائع المستوردة ليس له تأثيرًا هامًا في التكلفة الإجمالية للواردات”.

وخاصة، بينما يترجم ذلك إلى انخفاض التضخم المستورد وانخفاض تكاليف الواردات بالنسبة لمصر، سيكون السوق المحلي وديناميكيات أسعاره بمنأى عن آثار انخفاض أسعار النفط.

يقول فريد، إن ما بإمكان الحكومة القيام به هو الاستفادة من المزيد من منتجات الطاقة في السوق، حيث أن أسعارها ستشهد انخفاضًا على خلفية النفط الخام رخيص الثمن.

السياحة والتحويلات المالية

يقول فريد إن مصر ربما ستشهد قلة في عدد السائحين الروس، وهم أحد الأسواق الرئيسية للبلاد، نظرًا للآثار السلبية لاعتماد الاقتصاد بشكل كبير على أسعار النفط والغاز. هذا بالإضافة إلى الانخفاض في الروبل الروسي الذي دفع مصر إلى عقد صفقة تسمح للسياح الروس بدفع ثمن رحلاتهم بعملتهم بدلًا من الدولار.

ربما يكون هناك أيضًا تحويلات أقل قادمة من المصريين الذين يعيشون في الدول الخليجية، ولكن ليس بمستويات معوقة بشكل كبير.

يقول زيادة “سوف تؤثر أسعار النفط المنخفضة على حجم السوق الاستهلاكي الخليجي، وهذا ما يؤثر بشكل مباشر على أولئك الذين يعيشون في الخارج”، مضيفًا أن التحويلات ستشهد انخفاضًا لأنها ارتفعت بشكل كبير في الفترة الأخيرة للتعويض عن النقص في الاقتصاد المصري الذي ترك العائلات معتمدة على أقاربهم الذين يعيشون في الخارج.

يوضح زيادة: “بينما يستعيد الاقتصاد صحته في البلاد، سترى أقل من هذه الأمور على أية حال”.

اعلان
 
 
أميرة صلاح أحمد