مَنخُل “عِز”

“أنت تحملني بأكثر مما أرى أنني أتحمل”.. “حل الحزب حاجة وإقصاء الأشخاص حاجة تانية”.. “حقي القانوني والدستوري”.. “أعتذر دائمًا.. أعتذر حتى عما لا أعلم.. لأن غضب المصريين لا يقدر بثمن”.. “لا يمكن إعادة عجلة التاريخ للوراء ففكرة الحزب الوطني مش مطروحة على حوارنا ده”.

بهذه العبارات وغيرها دافع أحمد عز عن ترشحه للانتخابات البرلمانية في مصر في مداخلته مع عمرو أديب، ثم مجددًا خلال حواره مع خالد صلاح. حاول عز أن يبدو هادئًا، رصينا، متسع الصدر، بالرغم من علامات الإنهاك الواضحة التي تركتها الأعوام الأربعة الماضية على وجهه، كما على نفوسنا نحن المصريين.

لم يدهشني دفاع عز عن رغبته في الترشح ولا حتى أدهشتني رغبته في الترشح بادئ ذي بدء، ولكن أكثر ما استوقفني في كلام أحمد عز كان المنخل! وللدقة كلماته التالية عن المنخل:

“الغريب في الأمر أن دعاة الديمقراطية هم الذين يريدون أن يقيضوا الديمقراطية.. أشخاص وشخوص ليبرالية دايمًا تتحدث عن الديمقراطية وبنلاقي ساعة ما نقرب منها شوية بيحاول يعني إن هو يكون بيحط حدود عليها أو دوائر حمراء.. هي التي تقررها، كأن الديمقراطية أو الانتخابات، المرشح فيها يبقى لازم يعدي من خلال منخل والمنخل ده بيحطه منافسك مش إنت”.

لا أعلم إذا كان أحمد عز يعي مدى الإسقاط النفسي في جملته عن منخل الديمقراطية أو كم السخرية والمرارة التي أشعر بها أنا وجيلي من المصريين حينما يكلمنا عز عن الديمقراطية ومنخلها، وعن رفضه أن يصنع منافسوه المنخل الذي يجب عليه هو أن يمر منه للوصول إلى برلمان يمثل المصريين الذين رفضوا ولفظوا النظام الذي انتمى إليه عز!

أحمد عز يطالبنا كمصريين باحترام حقوقه القانونية والدستورية في الترشح للانتخابات البرلمانية. ويريد لنا ألا نعاقبه بمثل ما عوقبنا به منه هو وحزبه لسنوات طويلة، وأن نمارس الديمقراطية الحقيقية لا ديمقراطية المنخل التي كان هو وصفوت وسرور وزكريا يمارسونها. ونسى عز أو تناسى أنه أمضى سنوات عدة في مجال صناعة منخل الديمقراطية، ونخل الخصوم والمنافسين السياسيين. نسي أمين التنظيم السابق استخدامه للمنخل بالتعاون مع آخرين في الحزب الوطني والسلطة، لكي يمرروا من منخل ديمقراطيتهم مرشحي الإخوان والبعض من المعارضة المستأنسة الكرتونية المحسوبة “مدنية”- وما هي بذلك- في انتخابات برلمان ٢٠٠٥. بالضبط كما نسي أن غطرسته السياسية صورت له أنه يستطيع شد سلك المنخل بأكثر مما يحتمل في انتخابات برلمان ٢٠١٠، فعجز منخله حتى عن السماح بمرور هؤلاء الكرتونيين وأسهم مساهمة فعالة في انفجار المصريين في ٢٥ يناير ٢٠١١ واحتراق منخل الديمقراطية المزعومة والمصطنعة، ومن ورائها مبنى الحزب الوطني وملحقاته.

ثم نسي أحمد عز أن تأثيره امتد حتى لتلاميذه النجباء من الإخوان المسلمين، الذين دأبوا على النظر لممارساته الإقصائية بعين الاعتبار والتبجيل سواء خلال “نخل” العملية الانتخابية في لجان التصويت أو أثناء التصويت على القوانين أو ضد الاستجوابات في مجلس الشعب. فأورثوا هم أيضا حب “المنخل” واستخدموه بنفس المنطق والنهج ضد كل من ليس من جماعتهم خلال العام الكبيس الذي أمضوه في حكم مصر.

أعلم أن طلب ترشح عز رفضته اللجنة العليا للانتخابات، وأدرك أن طعنه أيضًا رفضته محكمة القضاء الإداري وسواء أكان رفض ترشحه قانونيًا محضًا أم سياسيًا بحتًا، فما يجب أن يدركه أحمد عز هو أننا نحن المصريين لا نعيش في يوتوبيا حتى نصفح عنه ونسمح له بما حرمنا هو وحزبه منه من الممارسة الديمقراطية لسنوات عدة.

 يا سيد أحمد، لقد تبدلت المواقع والمنخل الحالي صنعه آخرون، وإحدى مواصفاته القياسية أنه أضيق من أن تمر أنت وأعضاء أمانة سياسات الحزب الوطني تحديدًا منه.

اعلان
 
 
نشوى حسين علي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن