حقوق الحيوان: “نكتة” أم واقع علينا استيعابه؟

نصحو كل يوم، ونباشر يومنا على حسب أنماط حياتنا المختلفة، ونصطدم بمجال عام يحتوي على شوارع وأماكن نمر بها وهي تزدحم بالإنسان والحيوان، ولكن الحيوان للأغلبية مننا عبارة عن كائن غير مرئي، وقد يثير اشمئزاز البعض أو عدم مبالاة البعض الآخر أو استعطاف القليلين منا. ومع ذلك، فرضت علينا الجريمة الأليمة لكلب شارع الأهرام واقعًا قبيحًا، وأمرًا يجب علينا جميعًا التعاطي معه ومواجهة أنفسنا حياله والإجابة الصادقة عن سؤال مهم: هل المجتمع المصري، بفاعليه من الدولة وغير الفاعلين بالدولة منه، على دراية بمفهوم حقوق الحيوان؟

بالرغم من واقع اعتماد الكثير من المجتمع الزارعي والإنتاج الحيواني على الحيوانات، ورعايتهم لها ووجود علاقة حقيقية بينهما البعض؛ فإنها علاقة- في الأغلب- مبنية على أساس منفعة أو مصلحة ما، وبالرغم من وجود جمعيات ومجموعات تؤمن بحقوق الحيوان، وأنشأت من أجل الحيوانات التي بلا مأوي أماكن مخصصة لإيوائها؛ فإنها تطرح خطاب “خيري”، وأكاد أزعم بتواضع بالغ، أن خطابهم يفتقر إلى الخطاب الحقوقي، ويعتمد أكثر على عامل إثارة الشفقة حيال تلك الكائنات وضرورة العطف عليها. وتلك استراتيجية مؤقتة؛ حيث إنها لا تتطرق إلى جذور المسألة الراهنة، وتنجح فقط في كسب تعاطف البعض، ولا ترسخ مفهومًا أساسيًا يعتمد على حق تواجد تلك الكائنات وحقها في حياة كريمة لا تحتوي على انتهاكات تشمل الاستغلال والاعتداء الجسدي والتعذيب والقتل.

نعلم جيدًا أن حقوق الإنسان حقوق أصيلة، وطالما كان النضال من أجلها أمر شاق، وبخاصة في الوقت الحالي بالسياقات السياسية والمجتمعية المعقدة في مجتمعنا الشاق، وتغليب مصالح ما عليها. ولكن في الوقت نفسه، أليس حق الحيوان في الحياة، بل العيش بكرامة فيها والتمتع بها حق لا يقل أصالة عن حقوق الإنسان، ودائمًا يتم تغليب أهمية حقوق الإنسان عن حقوق الحيوان من قبل الكثير منا، بل والحقوقيين أيضًا؟! إذا كانت جريمة قتل كلب شارع الأهرام أثبتت شيئًا ما، فهي أثبتت أن العنف المجتمعي الذي نعانيه جميعًا، طال كائنًا آخر بشكل فج وقاسٍ ومؤلم. نعم، سواء كان إحالة الجناة للمحاكمة والحكم عليهم بثلاث سنوات بالسجن مع الشغل والنفاذ أو الحكم على صاحب الكلب بالسجن المؤبد (لارتكابه جرائم السرقة بالإكراه واستغلال “ماكس” في تلك الجرائم) قد أثلج صدري، وأتخيل أنه أثلج صدور الآخرين، إلا أنه حان الوقت للنظر بتفحص وتمعن بالغ لجذور تلك الواقعة.

لم يحملني قلبي على مشاهدة فيديو قتل “ماكس”، ولكن الصور التي تم نشرها لجريمة القتل المعنية جلبت إلى ذهني صورًا أخرى كثيرة تجسد حالة ازدياد العنف المجتمعي الذي نعانيه جميعًا، وهو القدر المرعب من العنف الذي تتم ممارسته من قبل مجموعة من الأشخاص على شخص واحد أو كائن واحد أعزل. وهي مماثلة لوقائع وجرائم كثيرة شهدها مجتمعنا في السنوات الأخيرة، سواء كان الاعتداء بالضرب على أطفال ورجال ونساء، أم الاعتداء الجنسي الجماعي على النساء. في دراسة أجريت عام 1997 لبعض أماكن الإيواء للنساء المعنفات، تم التوصل إلى أن 85% من النساء في تلك الأماكن و63% من الأطفال شهدوا وقائع عنف ضد حيوانات المنزل الأليفة. كما تثبت العديد من الأبحاث أن أغلب من يمارسون العنف ويرتكبون الجرائم قد مارسوا العنف ضد الحيوانات في صغرهم، ولم يتم تعليمهم أو توجيههم بأنه فعل خاطئ وإجرامى. وفي هذا الصدد، أفادت عالمة الأنثروبولوجيا، مارجريت ميد، بأن أكثر شيء خطورة من الممكن حدوثه للطفل هو قيامه بقتل أو تعذيب حيوان ما وإفلاته من العقاب. والتساؤل الذي يكمن هنا هو: هل توجد علاقة بين انتهاك الإنسان وانتهاك الحيوان؟ تشير الأبحاث إلى أن تلك العلاقة على قدر تعقيدها فهي مهمة للغاية؛ فقمع مجموعات من الإنسان يكمن في عملية سلب صفة الإنسانية من تلك المجموعات، فسواء كان الجناة أطباء نازيين أم أناسًا يمارسون جريمة تملّك من يطلقون عليهم “العبيد” أم قوات الاحتلال اليابانية بالصين، فكانوا يبررون لأنفسهم القيام بتلك الجرائم؛ لأن من يقومون بانتهاكهم أقل “إنسانية” منهم، وهو مطابق لما يتم تناوله عادة بأن الحيوان أقل منزلة من الإنسان. ومن هذا المنطق، يمكن التأكيد أن رفض انتهاك حقوق الحيوان مماثل لرفض الانتهاك لحقوق الإنسان المبني على النوع الاجتماعي أو العرق؛ حيث إنهم ينطلقان من نفس المبدأ التمييزي المعيب.

نصحني صديق عزيز لي بأن أجري بحثًا عن الدول التي تحترم حقوق الحيوان وتقوم بأخذ تدابير من أجلها، وحينما قمت بذلك، اصطدمت بواقع مرير، وهو تفشي انتهاك حقوق الحيوان فى العالم بأكمله. ولكنني توصلت إلى بادرة أمل، وهي متمثلة في الإعلان العالمي عن المصلحة العامة للحيوان، وهو مقترح لاتفاق بين الحكومات بأن الحيوانات كائنات ذات وعي، للحد من معاناتهم والقسوة التي يتعرضون لها، ولترويج معايير محددة من أجل الارتقاء بمصلحة الحيوانات وتشمل حيوانات المزارع والحيوانات الأليفة والحيوانات التي يتم استخدامها في الأبحاث العلمية والحيوانات البرية وغيرها. وهناك اقتراح بأن يتم تبني ذلك الإعلان من قبل الأمم المتحدة، والذي إذا حدث بالفعل، سيتم تحويله إلى سياسات وتدابير يجب على الدول تصميمها للارتقاء بحال الحيوان في البلدان التابعة لها. والجدير بالذكر أنه منذ أكتوبر 2014، تم الحصول على دعم ذلك الإعلان، من حيث المبدأ، من قبل 46 دولة من بينهم حكومات لسبع عشرة دولة، وقام أكثر من اثنين مليون ونصف المليون شخص من الدول العضوة في الأمم المتحدة بدعم تلك الحملة العالمية.

وعليه، أرجو السماح لي بكل رقة وتواضع أن “أزغزغ” عقولكم وأفكاركم بعض الشيء. هل من المحتمل، في يوم ما، أن نشهد قيام حكومتنا بأخذ تدابير فاعلة وجدية في احترام وصون حقوق الحيوان بالتماشي مع حقوق الإنسان؟ وهل هذا سيعزز من احترامنا لحقوق الحيوان؟ وهل من الممكن أن ينجح هذا التوجه “الراديكالي” في التطرق بشكل شامل إلى استحقاقنا جميعًا بحقوقنا الغائبة والقضاء على جميع الانتهاكات ضد كائن من كان، إنسان أم حيوان، والعيش في مجتمع صحي ينبذ العنف بجميع أشكاله؟ لا أستطيع أن أحجم أو أمنع نفسي عن هذا الحلم، فهو حلم أتشبث به، وسأظل أتشبث به حتى آخر أيامي، وأعلم جيدًا وكلي إيمان، أن الكثير لديهم الحلم نفسه، ومتشبثين به بنفس القدر، إن لم يكن أكثر مني بكثير.

ومثال على تشبث آخرين بذلك الحلم يكمن في مبادرة رقيقة وقوية في الوقت نفسه، كانت شقيقتي لفتت انتباهي لها، قامت بها طالبتان من دولة تشيلي، متمثلة في نفخ بلالين ملونة وجذابة الشكل، مكتوب عليها عبارات مثل: “احتضني- لا تقوم بعاملتي بسوء- إلعب معي- لا تتخلى عني”، وبشرائط خفيفة، قاموا بربط تلك البلالين برقاب الكلاب التي بلا مأوي في الشارع، وكانت الاستجابة من العامة رائعة؛ حيث أطعمهم البعض، ولعب معهم الآخرون. والسؤال هنا: هل من مجيب لتلك المبادرة؟

مصادر:

  • إحالة 4 متهمين بتعذيب كلب “شارع الأهرام” حتى الموت إلى الجنح

http://www.tahrirnews.com/news/details.php?ID=367077#.VPTR_S4pqEQ

  • حبس المتهمين في قضية “كلب الأهرام” بشبرا الخيمة 3 سنوات مع الشغل
  •  
  • How Animal Liberation Will Benefit Human Rights (http://www.animalliberationfront.com/Practical/Health/ALbenefitsHR.htm)
  • The Primate Diaries: Animal Rights and Human Rights: (http://scienceblogs.com/primatediaries/2010/03/01/animal-rights-and-human-rights/)
  • Animal Rights: The Abolitionist Approach (http://www.abolitionistapproach.com/human-rights-and-animal-rights-perfect-together/#.VPTPES4pqEQ)
  • The Universal Declaration on Animal Welfare – Wikipedia (http://en.wikipedia.org/wiki/Universal_Declaration_on_Animal_Welfare)
  • “I am Here” –  Video of Initiative Taken by 2 Female Students from Chile Towards Stray Dogs (https://www.facebook.com/video.php?v=10152130911055299&pnref=story)
اعلان
 
 
أمل المهندس 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن