Define your generation here. Generation What
هل تشير المؤشرات الاقتصادية إلى تعافٍ أوسع؟
 
 

بينما تستعد الحكومة المصرية للمؤتمر الاقتصادي العالمي الذي سيتم افتتاحه نهاية هذا الأسبوع، تعمل في الوقت ذاته بلا كلل على تصدير صورة إيجابية للاقتصاد، وتوجيه رسالة ثابتة مفادها بأن مصر منفتحة على الأعمال التجارية، ومستقرة وتتعافى، وأن الاقتصاد المصري يعود إلى المسار الصحيح، كما أن مصر الجديدة تشبه مصر القديمة.

وبينما تحاول الحكومة إغراء المستثمرين بوعود النمو والاستقرار، تعتمد أيضًا بشكل قوي على النمو الاقتصادي لدعم شرعيتها المحلية، وبخاصة مع المطالبات الموجهة للمواطنين بشد أحزمتهم وتعليق مطالبهم بالتغيير.

إذن.. إلى أي مدى تصدق هذه المزاعم؟ ومن ماذا تحديدًا تتعافى مصر؟ 

نمو الناتج المحلي

معدل نمو الناتج المحلي السنوي

أكثر المؤشرات التي طرحتها الحكومة إيجابية حتى يومنا هذا هو تحقيق معدل نمو حقيقي 6.8% على أساس سنوي أثناء الربع الأول من السنة المالية لـ 2014/2015، تبعه معدل نمو 4.3% في الربع الثاني، وفقًا لوزارة التخطيط.

بينما هناك قصور في استخدام الناتج المحلي كمقياس للرفاهية الاقتصادية الشاملة، إلا أنه يعد أكثر الأرقام المتاحة من الحكومة شمولية. ولكن بصورة عامة، يجب ترجمة الاقتصاد المتنامي إلى توافر المزيد من الوظائف، وإتاحة المزيد من العائدات الضريبية للبرامج الحكومية.

نمو الناتج المحلي كل ربع على أساس سنوي

هذا النمو واعد بالتأكيد، ولكنه يأتي مع قليل من المحاذير. أولها، أن نمو إجمالي الناتج المحلي يعد مقياسًا نسبيًا، إذ يعتمد النمو على أساس سنوي ـ بشكل كبيرـ على حالة الاقتصاد في الربع الذي تتم مقارنته به، في هذه الحالة، يعتبر الربع الأول من السنة المالية لعام 2013/2014 ربعًا سيئًا بشكل خاص. 

بافتراض أن النمو في الربع الأول خلال عام 2013/2014، بلغ المعدل المعتاد وهو 2.2%، كان يُنتظر أن يكون النمو في الربع الأول لعام 2014/2015 حوالي 5.7%، وهو نمو كبير ولكنه أقل بشكل ملحوظ من المعدل الذي أعلنته الحكومة.

كذلك، فإن معدل النمو في الربع الثاني لعام 2014/2015، عانى أداءً ضعيفًا في الربع نفسه من العام السابق.

أما بشأن الطلب، أدى الاستهلاك الحكومي والخاص إلى الكثير من النمو في الربع الأول، والذي يمكن أن يستمر مع اقتراب نهاية الربع الثالث بنهاية هذا الشهر، أما جانب العرض فهو أكثر تعقيدًا.

السياح الوافدون شهريًا
أما السياحة، التي نمت بشكل ثابت من يوليو إلى سبتمبر وأسهمت بـ 1.3% في نمو الناتج المحلي في الربع الأول، فقد انخفضت منذ نوفمبر. (أرقام الربع الثاني ليست متاحة حتى الآن).

مع ملاحظة أن السياحة انخفضت بعد يوليو 2013، ووصلت إلى الحضيض، عندما تم فض اعتصام الإخوان المسلمين في “رابعة العدوية”، وفُرض حظر التجول وصدرت تحذيرات من السفر إلى مصر من الحكومات الأجنبية.

لم تعد السياحة إلى مستويات ما قبل الثورة، ولا تجاوزت مستويات 2012، على الرغم من أن الكثير من الانخفاض الحالي يرجع إلى عوامل خارجية، مثل انهيار الروبل الروسي.

لم تصدر الحكومة بيانات عن قطاع الصناعة منذ الربع الأول، عندما أسهم القطاع بـ 4.1% في نمو الناتج المحلي. ومع غياب البيانات الرسمية، فإن مؤشر “اتش إس بي سي” لمديري المشتريات ـ الذي يتتبع بيئة الأعمال بناء على تقارير عن أوامر الإنتاج ـ يمكنه أن يقدم لمحة عن ما يمكن أن تحمله الأشهر المقبلة.

نمو الناتج المحلي ونتيجة مؤشر مديري المشروعات

هذه الرسوم البيانية لتسهيل المقارنة فقط. مؤشر مديري المشتريات يقيس المعنويات في جزء واحد صغير من الاقتصاد المصري، وهو القطاع الخاص غير النفطي.

كما هو واضح من أرقام 2014، فهذا ليس تنبؤ دقيقًا للنمو الشامل. مع ذلك، جدير بالذكر أن معنويات قطاع الأعمال أصبحت إيجابية في أغسطس وبلغت ذروتها في سبتمبر، وانخفضت إلى منطقة سلبية في يناير وسجلت أدنى مستوى خلال 17 شهرًا في فبراير.

ما وراء الناتج المحلي

لم تقدم المقاييس الأخرى أداءً جديًا مثل الناتج المحلي.

البطالة كل ربع

قدم الرئيس عبدالفتاح السيسي وعودًا متكررة بأن سياساته سوف تؤدي إلى “النمو الشامل”. لا تعتبر مؤشرات الاقتصاد الكلي جيدة في قياس تأثير السياسات على المواطنين في العموم، ولكن معدلات البطالة واحدة من أكثر الأمور الكاشفة.

أحدث الأرقام المتاحة من الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عن البطالة، تعود إلى الربع الثالث من أجندة عام 2014، والذي انتهى في سبتمبر الماضي. توضح الأرقام تحسنًا طفيفًا؛ حيث تنخفض من 13.3% في وقت انتخاب السيسي إلى 13.1%.

ومع ذلك، تظل البطالة أعلى بكثير من مستويات ما قبل الثورة والتي كانت حوالي 8.9%، ومتساوية تقريبًا مع البطالة أثناء الأشهر الأخيرة لوجود الرئيس المعزول محمد مرسي في منصبه.

كما هو الحال دائمًا، جدير بالذكر، أن الأرقام الرسمية للبطالة تعتبر مثيرة للتفاؤل على نطاق واسع، ولا تتضمن البطالة الجزئية، أو نسبة العمالة التي تعمل في القطاع غير الرسمي والتي تصل إلى 40% تقريبًا.

الدَّيْن

الدين المصري المحلي مقابل الأجنبي

تزايدت ديون مصر بشكل مُطرد بعد الثورة تحت الإدارات الحكومية المختلفة، رغم عدم صدور أي إحصائيات رسمية منذ يونيو 2014 تخص ذلك. وبالإضافة إلى تكريس الحكومة ربع الموازنة العامة لسداد خدمة الدّين، فهي أيضا تخاطر بمزاحمة القطاع الخاص في الاعتماد على التمويل من البنوك المحلية.

التضخم

المساهمة في مؤشر أسعار المستهلك السنوي

يمكن أن يكون ارتفاع الأسعار علامة على النمو؛ حيث إن التضخم يكون مدفوعًا جزئيًا بطلب المستهلكين. ولكن بالنسبة للمواطنين، الذين تشتري أجورهم ومدخراتهم القليل من المنتجات، يمكن ترجمة التضخم إلى مشقة.

في نهاية يناير 2015، وصلت نسبة التضخم السنوي في أسعار المستهلكين إلى 9.7%، والمثير للاهتمام، أن هذه النسبة قريبة للغاية من نسبة 9.8% المسجلة في نهاية رئاسة مرسي، ولا تبعد كثيرًا أيضًا عن نسبة 10.28% المسجلة عشية الثورة في ديسمبر 2010.

ومع ذلك، كما توضح الرسوم البيانية، فالمنتجات التي تقود التضخم مختلفة للغاية في عهد السيسي، فالمواد الخاضعة للتنظيم ـ وهي المنتجات التي تتحكم الحكومة في أسعارها – تشكل حصة أكبر بكثير مما كانت عليه في الماضي.

عاملان هما السبب وراء أغلب هذه الأمور

أولًا، رفعت حكومة السيسي أسعار الكثير من هذه المواد الخاضعة للتنظيم. والأهم من ذلك، خفضت الحكومة من دعم الوقود في يوليو، مما أدى إلى زيادة الأسعار بين ليلة وضحاها. يمكن رؤية تأثير هذا الأمر في الزيادة الكبيرة في التضخم بسبب الأسعار المنظمة منذ يوليو.

كما ارتفعت أسعار الكهرباء والغاز الطبيعي والسجائر والكحول في 2014. وفي الآونة الأخيرة، ارتفعت أسعار اسطوانات البوتاجاز، مما أدى إلى وجود مشقة ضخمة للأسر الأكثر فقرًا التي تعتمد على الوقود للطبخ وتسخين المياه.

على الرغم من ارتفاع أسعار الوقود المحلي منذ يوليو، فإنه لم يتم ترجمة هذا الأمر إلى ارتفاع حاد في مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي، الذي يقيس أغلب المنتجات والخدمات التي يشتريها الشعب، من الدقيق والفول إلى خدمات الهواتف المحمولة.

يعود الفضل في ذلك بشكل كبير إلى انخفاض أسعار النفط العالمية، وهو الأمر الذي أدى إلى انخفاض أسعار السلع الدولية. انخفض النفط من حوالي 115 دولارًا أمريكيًا للبرميل في يوليو 2014 إلى حوالي 50 دولارًا في أوائل مارس، ما أدى إلى انخفاض فاتورة دعم الطاقة في مصر، بالإضافة إلى تكلفة المواد الغذائية المستوردة والسلع الاستهلاكية. كما أُجبر المصنِّعون المحليون على خفض الأسعار للمنافسة.

كان التوقيت ـ إلى حد كبيرـ مسألة حظ جيد، ولكنه أبعد التضخم الأساسي عن الارتفاع الشديد، ومنح البنك المركزي المرونة لاتباع السياسات الهادفة إلى تحفيز النمو، مثل تنفيذ خفض أسعار الفائدة في يوليو.

جنيه ضعيف

بعد بقائه ثابتًا بشكل أو آخر منذ تولي السيسي منصبه، سمح البنك المركزي بانزلاق سعر الصرف الرسمي إلى حوالي 5.5% من منتصف يناير إلى منتصف فبراير.

سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار الأمريكي

وقد أثارت هذه الخطوة ترحيب رجال الاقتصاد المحليين والدوليين، الذين اعتقدوا أن سعر الجنيه كان مبالغًا فيه لأشهر، معرضًا الاقتصاد المصري للخطر.

ومع بقائه مرتبطًا بالدولار بإحكام مع تقوية تلك العملة، قفز الجنيه أمام عملات مثل اليوروـ المستخدم من قبل أهم شركاء التجارة في مصرـ دون أن يقابل ذلك ارتفاعًا في الأسس الاقتصادية للبلاد.

صافي الاحتياطات الدولية

اتجهت الأعمال التجارية إلى السوق السوداء ووصلت الاحتياطيات إلى أدنى المستويات، ما أدى إلى انخفاض الكمية الضرورية لتمويل الواردات لمدة ثلاثة أشهر، وهو ما تعتبره المؤسسات المالية الدولية حدَا حرجَا. تجنبت الحكومة الحالية حتى الآن انخفاض مستوى التصنيف الائتماني الذي كانت تعانيه مصر عندما اقتربت حكومة مرسي من هذه العتبة في 2013.

في العموم، ترسم الاحصائيات صورة مختلطة، فأرقام نمو الناتج المحلي التي صدرت منذ تولى السيسي الرئاسة مثيرة للإعجاب، وهناك نقاط مضيئة أخرى في الاقتصاد، مثل سوق الأسهم. وعلى الجانب الآخر، الأرقام الأخرى مثل الدين والاحتياطيات وسعر الصرف في انخفاض متواصل منذ ثورة 2011.

وفي أثناء ذلك، شهدت السياحة والبطالة تحسنًا طفيفًا في الأشهر الأخيرة، وتظل المكاسب الأخيرة أفضل من الأضرار التي تبعت عزل مرسي في 2013 وأعمال العنف اللاحقة والحملات القمعية الأمنية. ومع ذلك، هذه ليست الرسالة التي سوف تقدمها الحكومة المصرية إلى المستثمرين المحتملين.

اعلان
 
 
إيزابل إيسترمن