Define your generation here. Generation What

الجنون

“إن الإخوان لم يدركوا حقيقة أولية، هي إذا ما خرج الجيش من ثكناته؛ فإنه حتمًا سيطيح بكل القوى السياسية والمدنية، ليصبح هو القوة الوحيدة في البلد (…)، وأن كل قوة سياسية عليها أن تلعب دورها مع القيادة العسكرية، ثم يقضى عليها.. لكن.. لا الإخوان عرفوا هذا الدرس ولا غيرهم استوعبه.. ودفع الجميع الثمن!”.

من قائل هذه العبارة ومتى؟


“الجنون هو أن تكرر نفس الخطأ ثم تتوقع نتائج مختلفة” – آينشتاين


في المدارس الفكرية للعلوم السياسية، على اختلافاتها وأنواعها، يجب أن تدرس التاريخ كي تستطيع أن تنظر وتبني توقعات قوية ومفيدة للمستقبل. فالعلوم السياسية ودراسة السياسات العامة والحوكمة علوم اجتماعية حقيقية.. والله العظيم.. بغض النظر عن كل “المختصين في الشئون السياسية والتحليلات الاستراتيجية” الذين نراهم على شاشات التليفزيون هذه الأيام. والعلم- عامة- له منهج يجب أن يتبع. وفي علوم السياسة، دراسة التاريخ جزء من هذا المنهج. ونحن شعب له تاريخ عريق يتفاخر به في كل مناسبة- وغير مناسبة- دون أن يقرأه فعلاً أو يفند له نقدًا علميًا بناءً يخدم مشاريعه وأفكاره.

ولذلك، أن نرى كل هذا الكم من الهذيان السياسي والاجتماعي والاقتصادي في هذه الفترة القصيرة من الزمان، هو حتمًا أكبر دليل (ومؤشر) على أننا قد وصلنا إلى درب من الجنون! إننا نكررالأخطاء نفسها بالوسائل نفسها تقريبًا. والجهل يجعلنا نغض الطرف عن واقع حدث بالفعل في الماضي غير البعيد في هذا البلد. ويبدو أنه سيحدث مجددًا في المستقبل البعيد أو القريب.. التاريخ يعيد نفسه والقيادات السياسية تكررالأخطاء نفسها والشعوب تختار أو تصبر على القيادات نفسها والجميع يدفع الثمن مرارًا وتكرارًا.

إلّا.. إذا اتعظنا وغيّرنا وتغيّرنا.


“التاريخ لا يعيد نفسه، ولكن بعضه يقتفي أثر بعض” – مارك توين


هل قرأت “كنت رئيسًا لمصر” للرئيس الراحل محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر العربية؟

أنصحك بأن تبحث عنه وتقرأه بعد قراءة هذا المقال.


يقول الرئيس الراحل محمد نجيب (١٩٠١-١٩٨٤) في كتابه “كنت رئيسًا لمصر”:

“كانت مشاعري معهم.. مع الإخوان.. رغم أنهم تخلوا عني وعن الديمقراطية ورفضوا أن يقفوا في وجه عبدالناصر إبان أزمة مارس (١٩٥٤)، بل وقفوا معه وساندوه، بعد أن اعتقدوا خطأ أنهم سيصبحون حزب الثورة، وأنهم سيضحكون على عبدالناصر ويطوونه تحتهم.. فإذا بعبدالناصر يستغلهم في ضربي وفي ضرب الديمقراطية وفي تحقيق شعبية له، بعد حادث المنشية (أكتوبر ١٩٥٤)”.

“إن الإخوان لم يدركوا حقيقة أولية، هي إذا ما خرج الجيش من ثكناته؛ فإنه حتمًا سيطيح بكل القوى السياسية والمدنية، ليصبح هو القوة الوحيدة في البلد، وأنه لا يفرق في هذه الحالة بين وفدي وسعدي ولا بين إخواني وشيوعي، وأن كل قوة سياسية عليها أن تلعب دورها مع القيادة العسكرية ثم يقضى عليها.. لكن.. لا الإخوان عرفوا هذا الدرس ولا غيرهم استوعبه.. ودفع الجميع الثمن. ودفعته مصر أيضًا.. دفعته من حريتها وكرامتها ودماء أبنائها… فالسلطة العسكرية أو الدكتاتورية العسكرية لا تطيق تنظيمًا آخر، ولا كلمة واحدة، ولا نفسًا ولا حركة، ولا تتسع الأرض إلا لها ولا أحد غيرها”.

“كان حزني شديدًا على عبدالقادر عودة (قيادي إخواني)، الذي صعد درجات المشنقة شجاعًا، وتذكرت يوم استدعيته قبل ذلك بشهور في شرفة القصر الجمهوري بعابدين ليطل معي على أنصاره في الميدان، ويطلب منهم الانصراف بهدوء بعد أن قلت لهم إن عودتي (بعد محاولة ناصر الأولى في التخلص من نجيب) هي عودة الحياة البرلمانية وأن المسئولين عن جراحهم سوف يحاسبون. والتحول من العمل الجماهيري إلى الإرهاب أعطى دلالة بالغة على فقدان الثقة في الشعب وهو ما سقطت فيه قيادات الإخوان المسلمين. ولم يدفع الإخوان وحدهم الثمن.. دفعها شباب مصر، ورجاله، ودفعها أيضًا أبنائي (قتل الأول وسجن الثاني ثم مات إثر أزمة قلبية من الاكتئاب وفصل الثالث من عمله ليعمل سائقًا على سيارة أجرة).. فالإرهاب يولد إرهابًا.. والدم يفجر الدم.. والقسوة تعشق القسوة.. والدكتاتورية العسكرية لا تحكم إلا بدولة المخابرات.. فثمن البقاء في السلطة كان دائمًا دماء أبناء مصر وخيرة شبابها”.

حينما قرأت هذه السطور لأول مرة كنت أظن أننا لن نقع في نفس الفخ.. لكننا وقعنا. خذلتنا جماعة تعشق السلطة وخذلنا أنفسنا بأننا لم نقرأ تاريخنا بتمعن.


إن مصر قد وقعت في فخ الاستقطاب الإسلامجي- القومجي العسكري منذ عقود وسنوات. منذ “انقلاب ١٩٥٢”، كما صنفه نجيب في كتابه، أخذ هذا الصراع يتبلور ويتطور حتى وصل بنا إلى حال- بالتأكيد يسر عدو- ولكن لا يسر حبيب. أفرز هذا الصراع دولتين موازيتين. الأولى انطلقت من المؤسسات الأمنية بقيادة المؤسسة العسكرية، والأخرى خلقت لنفسها عالمًا سريًا من المؤامرات والخليات السرية ومن هذه المجموعة خرجت مجموعات أخرى أشد انغلاقاً. يحتاج الاثنان إلى بعضهما البعض كي يعيشا ويزدهرا. والشعب المصري يجد نفسه مرارًا بين هؤلاء وهؤلاء دون بديل حقيقي أو طريق آخر واضح. فيتبع- ما قد يفسره البعض بنظرية الاختيار العقلاني- الأقوى كي يحافظ على حياته أو ما تبقى من حياته. فالسياسة في آخر اليوم، هي تدافع القوى.

لا يوجد بديل حقيقي. مثلاً، نجد منذ اندلاع هذا الاستقطاب، التيار الديمقراطي الاجتماعي يشجب ويستنكر هذا الاستقطاب، ثم يميل إلى أحدهما قليلاً، ثم يعود ليشجب ويستنكر.. دون أن يقدم بديلًا حقيقيًا أو رؤية مستقبلية.


يعود نجيب ويقول: “وقوة عبدالناصر في شخصيته، وشخصيته من النوع الذي يتكيف ويتغير حسب الظروف، فهو مرة مع الشيوعيين، ومرة مع الإخوان، وعشرات المرات ضد الجميع ومع نفسه”.

لقد رأيت هذه المسرحية من قبل!

هكذا يصور لنا نجيب أن شخصية ناصر- والشخصية هنا أو الفكرة أهم من الشخص؛ لأن ناصر لم يعد شخصًا، بل أسلوب حياة- استطاعت أن تضحك على الإخوان وتستغلها في ضرب الحياة الديمقراطية في مصر. ثم بعد أن فرغت لهم، استطاعت أن تقصيهم هم أيضًا. ظن الإخوان وقتها أن هذه الشخصية منهم، لكنهم استيقظوا على كابوس طويل من التعذيب والتنكيل. وبعد عقود، كرروا نفس الجريمة دون تفكير أو تغيير! هذا ما يحدث للحركات التي لا تجري تغييرًا ولا تسمح بنقد بناء مؤسسي حقيقي.


فكرة وجود قائد ملهم قادر على جمع كل فئات الشعب حوله هي أكذوبة بكل المقاييس. قائد الدولة في القرن الواحد والعشرين هو/هي الذي/التي يدير/تدير البلد مع مؤسسات الدولة بناءً على آليات الحوكمة الرشيدة والديمقراطية الحديثة لتنفيذ برنامج ومشروع اتفق مع الشعب على تنفيذه من خلال انتخابات حرة وشريفة. وتتغير هذه السياسات حسب مصلحة الشعب ورغبته. بالطبع هذه الجملة أشبه بنكتة سخيفة في وضعنا الحالي؛ لأن القائد في مصر لا يعمل عند الشعب، بل هو قائد ملهم يقود هذا الشعب المتعب “الجعان” إلى بر الأمان في الحرب- التي لا تنتهي أبدًا مع المتآمرين والخونة وأعداء أم الدنيا.

إذا كذب، فهي حنكة سياسية. وإذا بطش، فهي هيبة الدولة المقدسة. وإذا ظلم، فهو عدل خفي وحكمة لا يعلمها أمثالنا. وإذا استبد، فهو مستبد عادل وهذا ما تحتاجه شعوبنا. الزعيم القائد الملهم القادر على المعجزات الذي ليس له أجندة أو برنامج أو خطة أو رؤية أو احترام لعقلية شعبه هو ببساطة دكتاتور.

لكن، لماذا نرضى بهذا؟ لماذا نصبر أو نتأقلم.. ثم يحدثنا كل حاكم حكمنا عن جمال الشخصية المصرية و”صبرها”.


العالم الموسوعة- كما يلقب من محبيه- د. جمال حمدان (١٩٢٨ – ١٩٩٣):

“خلال أكثر من ٥٠٠٠ سنة لم تحدث أو تنجح في مصر ثورة شعبية حقيقية واحدة بصفة محققة، بصفة مؤكدة. مقابل بضع هبات أو فورات قصيرة متواضعة أو فاشلة غالبًا، مقابل عشرات بل مئات من الانقلابات العسكرية يمارسها الجند والعسكر دوريًا كأمر يومي منذ الفرعونية وعبر المملوكية وحتى العصر الحديث ومصر المعاصرة”.

كنت قد تحدثت في مقالتي السابقة عن أزمة غياب النقد الذاتي للحركة الثورية الحالية في مصر. والحقيقة أنها أصبحت ضرورة ملحة إذا كنا نطمح في يوم أن نرى نورًا وسط كل هذا الظلام. فنحن ندرك ما لا نريد ولكن لا ندرك ماذا نريد.  

جمال حمدان يرى أن المشكلة الحقيقية هي الشخصية المصرية التي تكونت في محيط مركزي يجبرها على الانصياع لكل ظالم جبار. فهو يقول: “من هنا فإن ما تحتاجه مصر أساسًا، إنما هي ثورة نفسية، بمعنى ثورة على نفسها أولاً، وعلى نفسيتها ثانياً. يعني تغيير جذري في العقلية والمثل وإيديولوجية الحياة قبل أي تغيير حقيقي في حياتها وكيانها ومصيرها. فهذا لا يسبق ذلك، ولكنه يترتب عليه. ثورة في الشخصية المصرية وعلى الشخصية المصرية، ذلك الشرط المسبق لتغيير شخصية مصر وكيان مصر ومستقبل مصر!”.


في رأيي المتواضع، لن يكون هناك أي أمل لمصر إذا لم يقرر فئة من شعبها- الذين لا يريدون أن يعيشوا في الماضي ويريدون مستقبلاً أكثر حريةً وعدلاً، بعيدًا عن المطرقة القومجية العسكرية والسندان الإسلامجي الفاشي:
١)  أن ينتقدوا (بشكل بناء) وضعهم الحالي.
٢) ثم ينظروا لبديل ويضعوا له خطة وآليات.
٣)  ثم ينظموا أنفسهم (بشكل ديمقراطي لا مركزي) ويتعالوا على خلافاتهم.
٤) فيقدموا بديلاً لشعبهم.
حينها- أو هكذا أظن- أننا سنخرج من “الدائرة المفزعة” التي حدثنا عنها فرج فودة (رحمه الله).


“هنا تبدأ الدائرة المفرغة في دورتها المفزعة. ففي غياب المعارضة المدنية، سوف يؤدي الحكم العسكري إلى السلطة الدينية. ولن ينتزع السلطة الدينية من مواقعها إلا الانقلاب العسكري، الذي يُسلم الأمور بدوره، بعد زمن يطول أو يقصر، إلى سلطة دينية جديدة. وهكذا. وأحيانًا يختصر البعض الطريق فيضعون العمامة فوق الزي العسكري، كما حدث ويحدث في السودان. الخروج من هذه الدائرة المفرغة، ضرورة.. والتواصل مع الشرعية الدستورية، مسألة حياة أو موت.. والشرعية الدستورية لا تتسع لهذا أو ذاك. فكلاهما خطر عليها، ومدمر لها، والذي يُفضل أحد البديلين على الآخر، يستجير من الرمضاء بالنار”. – الكاتب والمفكر فرج فودة (١٩٤٥-١٩٩٢).

وجدت هذه العبارة المهمة في كتابه “حتى لا يكون كلامًا في الهواء”.. ولقد نجحنا- حتى الآن- ببراعة في تجاهل متن الكتاب والالتزام بالنصف الأخير من عنوانه: كلامًا في الهواء.


والخبر السعيد هو أن الحكام أيضًا لا يقرأون التاريخ..

قال الراحل محمد نجيب في كتابه: “العبارة الأخيرة التي قالها فاروق لي: “ليس من السهل حكم مصر”..ساعتها كنت أتصور أننا سنواجه كل ما نواجه من صعوبات الحكم باللجوء للشعب، لكنني الآن أدرك أن فاروق كان يعني شيئًا آخر.. لا أتصور أن أحدًا من الذين حكموا مصر أدركوه، وهو أن الجماهير التي ترفع الحاكم إلى سابع سماء هي التي تنزل به إلى سابع أرض، لكن، لا أحد يتعلم الدرس”.


“لا أمل أن يتقدم (الشعب)، سوى بالديمقراطية والحرية قبل الخبز أحيانًا، الديمقراطية قبل العدالة الاجتماعية أحيانًا، وقد دفعت أنا ثمن هذه الكلمة الخالدة “الديمقراطية” ودفع الشعب ثمنها أيضًا.. ولكني الآن لا أستطيع أن أفعل المزيد؛ فقد هدتني الشيخوخة وأقعدتني، وحاصرتني أمراضها، وأصبح عليّ أن أنتظر لقاء ربي بين لحظة وأخرى.. لكن.. الشعوب التي تعوض شيخوختها بشبابها وماضيها بمستقبلها، تملك الفرصة الذهبية في تغيير واقعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي”.

رحل الرئيس محمد نجيب منسياً في أغسطس ١٩٨٤.

اعلان
 
 
أحمد أبو حسين