دليل المبتدئين لمشهد الفن البديل فى وسط البلد
 
 

على مر العصور كان “وسط البلد” فى القاهرة مرتبطا بالفنون بشكل خاص. يضم هذا الحى أكبر مجموعة من المسارح وصالات العرض السينمائية ومقاهى المثقفين فى العاصمة، وكان مقرًا لدار الأوبرا قبل انتقالها إلى الزمالك. أنه أحد الأحياء القليلة فى العاصمة التى ظلت على حالها تقريبًا من الناحية المعمارية، رغم تدهور البنية التحتية بها.

شهد قلب القاهرة ازدهار الفنون على كافة أشكالها عبر العصور. كما أن له باع طويل فى العمل السياسى، حيث لعب دورًا كبيرًا فى المظاهرات ضد الحكم البريطانى و منه بدأت القلاقل التى أطاحت بأعتى الأنظمة، وشهد ميدان التحرير قدرًا وافرًا من تلك الأنشطة.

بسبب وقوع المساحات الفنية التابعة للدولة تحت رقابة صارمة وتعرضها لسوء الإدارة وكون عملية الانتقاء الفنى بها كثيرًا ما ترتبط بالعلاقات الشخصية والسياسية من جانب والممارسات التجارية من جهة أخرى، فُتح المجال لمولد حركة فنون بديلة فى قلب العاصمة فى تسعينيات القرن الماضى.

فى وسط البلد تجد تلك الأمكان التى يرتادها، ويديرها فى بعض الأحيان، فنانون وعاملون فى ميدان الثقافة أغلبهم من الشباب الذين يعيشون فى وسط البلد والأحياء المحيطة به. وقد ضربت تلك الحركات البديلة بجذورها فى مطاعم وبارات وسط البلد وبالذات فى المقاهى الشعبية الموجودة بها.

ولكن لو أردت أن تلقى نظرة على هذا التاريخ المعاصر للمشهد الفنى البديل فى وسط البلد، فسوف تدرك ـ وهو الأمر الذى لاحظته من خلال بحثى ـ ندرة المعلومات المتاحة حول الأنشطة التى تتم هناك. هناك مقالات متناثرة ظهرت هنا وهناك، ولكن الروابط المذكورة فى تلك المقالات كثيرًا ما تقودك إلى مواقع إلكترونية لم تعد موجودة، بينما تشير الأرشيفات إلى مساحات ومعارض فنية اختفى بعضها من الوجود. هناك أزمة توثيق فى هذا المشهد على وجه العموم. هناك عدد محدود من الصحفيين والباحثين الذين يتناولون تلك الفنون، ولم يعد الفنانون والمساحات الفنية أنفسهم قادرين على التكفل بجهود التوثيق نظرا لضيق ذات اليد.

يستعرض المقال الحالى حوالى خمسة عشر عامًا من هذا المشهد، ويعالج بعض النقاط الرئيسية بخصوص تطور تلك المساحات الفنية والمناطق التى يرتادها الفنانون، كما يوضح الفرص والتحديات التى تواجه ذلك المشهد البديل.

انتعاشة الفن المعاصر

Townhouse Gallery

تاون هاوس جاليري

يمكن أن نؤرخ نقطة البدء فى قصة الفنون البديلة فى وسط القاهرة اعتبارًا من العام 1999، عندما تم إنشاء “جاليرى تاون هاوس للفن المعاصر”. كان الحى قد بدأ يجذب أصحاب الجاليريهات من الشباب الذين كانوا يديرون بعض المساحات الفنية الهادفة للربح فى وسط البلد والتى ركزت على الفنون المعاصرة وقامت باختيارات فنية تميزت بالعمق والنوعية المرتفعة. افتتحت “ستيفانيا أنجارانو” جاليرى “المشربية” فى 1990، وتلتها الراحلة “ريناتا” التى أسست “كايرو- برلين” و”كريم فرانسيس” الذى أسس “جاليرى إسبيس كريم فرانسيس للفن المعاصر” فى 1995. تلك المعارض الثلاثة جذبت الجمهور إلى وسط البلد لمشاهدة الفن المعاصر، ولكن المشهد ظل محدودًا مع ذلك.

عندما قام “ويليام ويلز” بتأسيس جاليرى “تاون هاوس” فى 1999 كانت لديه طموحات كبيرة. لاحظ “ويلز” أن الفنانين المصريين كانوا فى هذا الوقت يقومون بصنع أعمال كبيرة الحجم للغاية، وأراد أن يخلق مكانًا يمّكنه من عرض تلك الأعمال، حيث أن معظم الجاليريهات كانت فى شقق منخفضة الأسقف إلى حد ما. المبنى الذى اختاره “ويلز” فى شارع النبراوى لإقامة “تاون هاوس” كان فسيحًا ويضم العديد من المساحات، وأيضا رخيص الإيجار. وقد تعاون “ويلز” وفريقه مع الجيران ـ ومعظمهم من أصحاب ورش الميكانيكا والحرفيين ـ فى تهيئة هذا المكان.

“أردنا أن نكتسب ثقة المجتمع، نظرًا لأننا سوف نقوم بإحضار نوع جديد من الجمهور إلى المكان”، كما قال ويلز، الذي أضاف: “والطريق الأفضل للحصول على تلك الثقة هو الاقتصاد، أى المصالح المتبادلة”.

تحول الحى بسرعة إلى بوتقة تنصهر بها مختلف الثقافات من نفس المدينة، وأغلب من تكلمت معهم خلال إعداد هذا المقال أوضحوا أن معظم أهالى المنطقة تأقلموا سريعا مع الفكرة.

مع وجود كل تلك المساحات الجيدة للفن المعاصر ونموها، بدأ ينمو بينها هدف مشترك: وهو إحضار جمهور متنوع لعروضها الفنية. هذا الأمر هو الذى أدى إلى قيام ذلك التعاون بين ويلز وفرانسيس وأنجارانو، والذى أدى لتنظيم مهرجان “النطاق”.

أقيم مهرجان “النطاق” فى عامين متتالين، 2000 و2001، وبعدها توقف بسبب صراعات داخلية بين المنظمين. كان المهرجان عملًا ضخمًا بحق، حيث استضاف معارض وحفلات موسيقية ومحاضرات وأعمالا أدائية وأفلاما قصيرة ولقاءات مع المبدعين. وقد تم فيه استخدام المساحات المستغلة فى وسط البلد بطرق مختلفة. تم استخدتم مبانٍ مهجورة مثل “لا فيينواز” فى عرض الفنون للمرة الأولى، وأيضا تم استخدام واجهات المحلات فى طلعت حرب وغرف الفنادق والبلكونات والبارات والمطاعم ومقاهى الإنترنت والمقاهى الشعبية.

كانت تلك هى المرة الأولى التى يتم فيها تنظيم مهرجان على هذا المستوى فى القاهرة تحت إدارة مستقلة عن أى تمويل، وعلى نحو يقوم بتحويل حى بأكمله إلى مكان ذاخر بالعروض الفنية.

حسبما قال ويلز، فإن النسخة الثانية من المهرجان، والتى تلقت تمويلًا، كانت أكثر أهمية لمشهد الفن المعاصر عن الأولى. لقد تم تنظيمها بشكل مواز “لبينالى القاهرة” الذى تنظمه الحكومة، وتحول بذلك إلى مهرجان “خارج البينالى” ما مكنّه من الاستفادة من البنية التحتية المرتبطة بالحدث الحكومى.

“لقد أتاح مهرجان النطاق الثانى الفرصة لتقديم المواهب الجديدة”، قال ويلز وهو يؤكد أن حالة “خارج البيينالى” سمحت بحوار جديد بين الفنانين على مستوى الإقليم.

كتب يوسف رخا ونور المسيرى فى “الأهرام ويكلى” فى هذا الوقت أن “ليلة افتتاح مهرجان النطاق، وهو فى حد ذاته تجهيز فنى لو صح القول، كانت مثل العمل الأدائى الذى يجمع بين الفن والحياة وبين المسرح والحياة اليومية وبين المساحة الخاصة والمساحة العامة. وقد قدم وسط القاهرة، هذا المكان المذهل دائمًا، الخلفية المناسبة لهذا النشاط بشكل مفعم بالدفء وخالٍ من التطفل”.

بعد هاتين النسختين من “النطاق”، أعيد اكتشاف وسط البلد والجاليريهات المشاركة فى المهرجان، وأصبحت بمثابة القلب النابض لحركة الفن المعاصر. وهناك أحداث هامة أخرى ساهمت فى تطوير هذا المشهد إلى الحد الذى نشاهده اليوم، مثل تنظيم “فوتو كايرو”، الذى فتح المجال لنقاشات مثمرة حول طبيعة التقديم البصرى والوسائط الفنية الحديثة المرتبطة بفنون الفيديو والتصوير الفوتوغرافى.

“فوتو كايرو” كان هو نقطة البدء لجماعات الفنون المعاصرة “كوليكتيف” التى تولت بعدها إنشاء “مركز الصورة المعاصرة” (سى آى إس) لتطوير رؤيتها الفنية الخاصة. لقد بدأ “مركز الصورة المعاصرة” نشاطه فى ملحق “تاون هاوس” ثم انتقل إلى حى المنيرة قبل أن يعود ويستأجر مكانًا خاصًا به فى وسط البلد. ويعد “مركز الصورة المعاصرة” من أهم الأماكن التى يرتادها محبى التصوير من الشباب الراغبين فى تعلم فنون التصوير الضوئى وهو أيضًا يستضيف قدرًا متنوعًا من المعارض والنقاشات.

لعب “تاون هاوس” و”مركز الصورة المعاصرة” دورًا فى إلهام جيل جديد من الفنانين بإنشاء “مدرار للفن المعاصر” بغرض تشجيع الفنانين الشبان، مع التركيز على فنون الفيديو واستكشاف التكنولوجيا التفاعلية المستندة إلى الفنون.

أتى هذا المشهد المفعم بالحياة إلى وسط البلد بالعروض والمهرجانات والنقاشات، كما قدم الفرصة للكثير من الفنانين المعاصرين فى تقديم عملهم بالخارج. وبين المشروعات الكبيرة الأخرى التى تستحق الذكر هنا: “عين على الغرب” الذى نظمه “كريم فرنيسيس” وجمع بين عشرين فنانًا قدموا رؤيتهم عن الغرب. كما تمت إقامة “كايرو دوكيومنتا” وهو معرض خالٍ من الانتقاء الفنى أداره الفنانون بأنفسهم وتمت إقامته تزامنا مع “بينالى 2010”.

ثقافة المسرح والمقاهى الشعبية

على عكس الفنون البصرية التى تتميز عادة بالطابع المنفرد، يرتبط فن المسرح بشكل أكبر بالصحبة والعمل الجماعى. العمل الجماعى له متطلبات تختلف تمامًا عن الفنون البصرية، وهو يجد فى وسط البلد أجواء الألفة التى تناسبه.

بينما كان مسرح “الهناجر” فى دار الأوبرا فى التسعينات وأوائل القرن الواحد والعشرين يمثل نقطة الجذب لفرق المسرح المستقلة، فإن هذا الأمر تغير فى منتصف العقد الأول من القرن الحالى. كان سقف الحرية الذى تسمح به الحكومة فى مسارحها قد بدأ فى الانخفاض، ما جعل الكثير من الفرق المسرحية تقرر إقامة بروفاتها وعروضها الأدائية فى مساحات بديلة.

انتهى الأمر بالكثير من الفرق إلى اللجوء إلى “تاون هاوس”، بما فى ذلك الموسيقيين الذين استخدموا الطابق الثالث للبروفات وورش العمل. أما مساحة العرض الأكبر فى “تاون هاوس” وهى “المصنع” ـ والتى تعانى من ضعف التجهيزات الصوتية بها ـ فقد تم استخدامها ما بين العروض الفنية كمساحة للعروض الأدائية. وبمرور الوقت، أتيحت الفرصة لاستئجار مكان مجاور أنشأ به ويلز مسرح “روابط”.

برغم أن “تاون هاوس” و”روابط” يعملان تحت نفس المظلة، فإنهما مختلفان تماما فى طريقة عملهما. “تاون هاوس” يعتمد بشكل واضح على الانتقاء الفنى، بينما “روابط” هو مكان متاح للجميع ويمكن لكل الفنانين تأجيره لإقامة ورش العمل والحفلات الموسيقية والأدائية. “روابط” لا يقوم برقابة مضمون الأعمال أو التدخل فى ما يحدث بها، وهو ما يجعله مكانا فريدا من نوعه يقبل عليه الكثير من فرق المسرح المستقل التى تكافح للعثور على مساحة لتقديم أعمالها.

مؤسس “فرقة الطمى المسرحية” و”مشروع كورال”، سلام يسرى، قال لى إنه منذ فتح “روابط” أبوابه لم يعد يقدم عروضه تقريبًا فى أى مكان آخر. “فرقة الطمى” تستخدم “روابط” للبروفات أحيانًا ولكنها أيضا تقيم بروفاتها فى “الطنبورة” و”الورشة” ومؤخرًا فى “مركز الرقص المعاصر” فى المهندسين.

“ستوديوعماد الدين” الذى يقع فى القسم الشمالى من وسط البلد ظهر فى منتصف العقد الماضى كمساحة هامة للبروفات وورش العمل. مؤسس “ستوديو عماد الدين”، أحمد العطار، تولى أيضا إدارة مسرح الفلكى التابع للجامعة الأمريكية، الذى أضاف متنفسًا جديدًا للمشهد المسرحى البديل، وذلك بعد انتقال الحرم الرئيسى لتلك الجامعة إلى أطراف القاهرة.

“هناك مشكلة فى مساحات العرض بالتأكيد”، يقول يسرى، ويضيف: “يجب أن ندعم المساحات الحالية ونقيم مساحات أخرى”.

يعتبر المخرج المسرحى هانى المتناوى المقاهى الشعبية مساحته المفضلة للعمل، فهو يلتقى مع أعضاء فرقته “شنطة” بشكل منتظم على المقهى لتبادل الأفكار والمفاهيم وكتابة النصوص بشكل جماعى.

يقول المتناوي: “القهاوى بطبيعتها تصلح كمطبخ مفتوح للإنتاج الفنى”.

هناك مقاهٍ فى وسط البلد يرتادها الفنانون بانتظام، ويمكن اعتبارها بمثابة القطاع غير الرسمى للمشهد الفنى البديل فى وسط البلد. تلك المساحات يتم فيها تبادل الأفكار وتنميتها، وهى أيضا تمثل نقاط تجمع لأولئك الفنانين الذين لا يعمل أغلبهم فى مكاتب أو استوديوهات.

يقول يسرى إن مقاهي وسط البلد تغيرت بشكل كبير على مدى الخمس عشرة سنة الماضية. وقد أصبح من المقبول على نحو متزايد أن ترتاد النساء المقاهي الشعبية، وهو أمر كان محل انتقاد فى السابق. هناك نسبة كبيرة من رواد المقاهى أصبحوا أقرب إلى كونهم عائلة واحدة. بسبب تغير العوامل الاقتصادية، تبدلت البنية التحتية للمقاهى، حيث اختفت المقاعد الخشبية وحل معلها مقاعد بلاستيكية أسهل فى التخزين وتسمح بخدمة عدد أكبر من الرواد.

وكثيرًا ما تقدم المقاهى إلهاما للأعمال الفنية. المؤرخة والفنانة البصرية المعروفة هدى لطفى عادة ما تلتقط صورا للمقاهى لتستخدمها فى أعمال “الكولاج”. وعمر النجدى قام برسم أحد المقاهى، ويسرى أصر على إعادة انتاج التجربة المسرحية فى قهوة شعبية، وذلك فى عمل آدائى لم يعرضه بعنوان “فانتازيا القهوة”.

“القهاوي تعتبر تقريبا علاقتنا الوحيدة بفكرة المجال العام “، على حد تعبير يسرى.

الثورة وتداعياتها

D-CAF

مهرجان وسط البلد للفن المعاصر. تصوير مصطفى عبد العاطي

كما فتحت الثورة أبوابًا جديدة لمستقبل سياسى مختلف، فإن الحريات التى أتت معها لم تؤد فقط إلى توسيع هامش الحرية لعالم الفن البديل، ولكنها نجحت فى جذب جمهور جديد يتوق لشىء جديد ومختلف.

تطور الجرافيتى على نحو كبير خلال الثورة والسنوات التى تلتها، ولكنه عاد مرة أخرى إلى الهامش حاليًا. وقد ظهرت مساحات فنية جديدة خلال تلك الفترة، بعضها قد أغلق الآن مثل: “10 محمود بسيونى” و”مُصرّين” ، وبعضها استمر فى العمل مثل “100 نسخة” فى طلعت حرب.

الحريات التى توسعت خلال تلك الفترة سمحت أيضا للفن الأدائى بالخروج إلى الأماكن العامة، حيث قامت الفرق المسرحية والموسيقيون بالأداء فى الشوارع فى مناسبات متنوعة. وقد أقامت مجموعة من الفنانين تجمع “الفن ميدان” وهو مناسبة شهرية من يوم واحد تكررت فى ميدان عابدين وشملت فنونًا متنوعة بها مذاق ثورى.

شهد عام 2013 تطورا يذكرنا بمهرجان “النطاق”، وهو ظهور “مهرجان دى كاف للفن المعاصر” الذى يتضمن برامج يتم انتقاؤها بعناية فى المسرح والفنون البصرية والسينما والموسيقى وتعرض فى العديد من المساحات فى وسط البلد. كان من بين أهداف منظمى المهرجان إعادة اكتشاف وتدشين مساحات عامة للأداء فى وسط البلد، مثل الشوارع والطرقات والمواقع المهجورة وأيضا المسارح المملوكة للدولة.

دخل المهرجان الآن عامه الرابع وهو نتاج تعاون بين “المشرق للإنتاج” التى يديرها أحمد العطار وشركة “الإسماعيلية للاستثمار العقاري” التى يديرها كريم الشافعى.

بدأت “الإسماعيلية” منذ أواخر العقد الماضى فى شراء مبان فى وسط البلد بغرض تجديدها وتأجير الشقق والمحلات بها بأسعار مجزية. وقد قامت بتأجير مساحات تابعة لها إلى الكثير من صالات الفن البديل، ومنها مساحة “مصنع تاون هاوس”، و”مركز الصورة المعاصرة” و”لا فيينواز” التى تم استخدامها فى مناسبات قصيرة الأمد، وذلك على أمل جذب شرائح اقتصادية واجتماعية معينة إلى وسط البلد.

ربما كان أحد أهم الإضافات الناجحة إلى مشهد الفنون فى وسط البلد بعد الثورة هو سينما “زاوية”، وهى دار عرض متخصصة فى تقديم البديل للسينما التجارية فى مصر وتقع فى شارع صغير متفرع من طلعت حرب. اجتذبت تلك  الدار جمهورًا ملحوظًا من خارج مجتمع الفن البديل المعتاد، الأمر الذى أدى إلى إثراء المشهد فى وقت انخفضت فيه المعنويات وتم إغلاق مساحة بعد أخرى أو تخفيض أنشطتها.

الفرص والتحديات

أحد العناصر الجذابة فى منطقة وسط البلد بالقاهرة هو تنوع نسيجها الاجتماعى والاقتصادى. معظم أحياء القاهرة يتجانس فيها السكان إلى حد كبير. ولكن وسط البلد، بحكم تاريخ المنطقة وموقعها ونسيجها الاقتصادى تجتذب عناصر متنوعة من الناس الذين يتواصلون فيما بينهم ويستمتعون بهذا التنوع فى أسلوب حياتهم.

يسمح ذلك التنوع فى الخلفيات الاجتماعية لبعض المحاذير الاجتماعية بالتلاشى بسرعة أكبر مقارنة بالأحياء الأخرى، وهو ما يسمح لقدر معين من الحرية بالانتعاش وسط مدينة تعانى من الاستقطاب فى نواح أخرى.

اعتبر كثير ممن تحدثت إليهم توفر المساحة من أكبر التحديات التى تواجه هذا المشهد الفنى. وبينما يستمر المشهد فى النمو السريع من جهة الجمهور والفنانين، هناك حاجة واضحة لتوفر مساحات جديدة للأداء وعرض الأعمال الفنية والأفلام. ومع استمرار المشاكل التى تواجه التمويل الأجنبى، فإن تلك المساحات الفنية يجب أن تعثر على بدائل.

تقول لطفي: “من الواجب أن يشارك المستثمرون المحليون فى الحركة الثقافية فى مصر”، وتضيف: “الدولة أيضا يجب أن تلعب دورًا فى دعم المشاريع المستقلة”.

ذكر كل من كريم فرنسيس وستيفانيا أنجارانو أن التعاون بين المساحات البديلة هو أمر ضرورى لنمو المشهد.

يلاحظ ويلز أن هناك مشكلة فى التعليم على ساحة الفنون، ويقول أن التعلم من خلال الزملاء هو من أفضل الطرق للتغلب على تلك المشكلة.

ولكن هناك نقطة أكثر إلحاحًا، وهى تلك التى ذكرها المخرج المسرحى المتناوى حول التواجد الأمنى فى وسط البلد، حيث أوضح أنه يصعب القيام بأى تنمية فى المشهد الفنى فى وسط البلد لو استمرت قوات الأمن فى تواجدها القوى به، لأنها تسبب القلق لأهالى المنطقة وتعرقل العملية الفنية.

“عندما أشاهد تجمعًا قويا لقوات الأمن فى وسط البلد، فإن هذا يؤكد لى أن هذا المكان يشع بالإلهام الذى يجمع الناس سوية”، يقول المتناوي، مستكملًا: “وهو أمر لا يعجبهم”.

—-

*نُشر هذا المقال في النسخة المطبوعة لمدونة العمارة “مشاهد القاهرة” في عدد خاص عن وسط البلد. سيتم توزيع العدد في سنيما زاوية أيام ٩- ١٠- ١١ مارس خلال عروض أفلام تسجيلية عن القاهرة.

اعلان
 
 
روان الشيمي