Define your generation here. Generation What

العقد الاجتماعي المعكوس: الشرطة في مجتمع مصمم على رفض المساءلة!

قل لي كم طبيبًا أو مهندسًا أو صحفيًا في مصر حوسب على جرائم المهنة، أقل لك كم ضابط شرطة عوقب وفقًا للقانون على جرائمه أو أخطائه في أداء وظيفته؟

وقل لي كم محاميًا حاسبته نقابته حسابًا جديًّا على إهماله أو خيانته لحقوق موكليه، أو على رفع الدعاوى الكيدية، أو انخراطه في شبكات اغتصاب حقوق الآخرين، أقل لك كم قاضيًا عوقب على خيانة أمانة الحكم بين الناس بالعدل؟

بل قل كم أستاذ جامعة اضطهد طلابه، ونفذ وعيده بإسقاطهم في الامتحانات، أو سرب أسئلة الامتحان، أو منح ماجستيرًا أو دكتوراه لغير مستحق فُصل من جامعته، أقل لك كم وزيرًا أو سياسيًا أقيل أو استقال أو حوكم على فساد، أو إهمال جسيم؟

أكثر من ذلك.. هل اعترف لك ذات مرة أحد تعاملت معه في إصلاح سيارة، أو بناء منزل، أو تشطيب شقة، أو تفصيل بدلة، “أو حتى شراء كيلو فاكهة”، بأنه مسئول عن العيب الجسيم الذي اكتشفته.

أو هل اعتذر الأزهر أو الكنيسة المصرية مرة واحدة عن موقف قديم ضد العلم والتقدم مثلما فعلت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بالنسبة للحروب الصليبية، أو عن محاكمة جاليليو، أو عن صمتها على المذابح النازية؟ لقد كان الأزهر مثلًا مناهضًا بقوة في ستينيات القرن الماضي لسياسة ضبط النسل، والآن تطبقه زوجات وبنات علماء الأزهر دون أية غضاضة، وتحالف الأزهر دائمًا مع القصر الملكي ضد حزب الوفد المنتخب شعبيًا طوال الفترة الليبرالية قبل يوليو 1952، ولم نسمع أن هذه المؤسسة العريقة أجرت أية مراجعة لدورها السياسي في تاريخ مصر الحديث.

منذ أسابيع ثقب أستاذ كبير في الكشف بالمنظار أمعاء أستاذة جامعية، بطريق الخطأ طبعًا، ولكنه لم يخبر أحدًا من ذويها، وتركها تعود إلى منزلها، وكأن شيئًا لم يكن، لتلقى وجه ربها بعد فشل كلوي، ثم كبدي، ثم رئوي، علمًا بأن هذه الأستاذة لها ابنة طبيبة، ولها إخوة أطباء، بل وأساتذة طب، والأستاذ المخطئ لا يزال في كُلِّيته، وعيادته، ومستشفاه، لم يمسسه سوء ولن يمسه سوء في الغالب.

ألم يقل طبيب تخدير كبير، ومعه صاحب المستشفى الشهير في المهندسين لزميلنا الراحل عبدالرحمن عقل، مدير تحرير الأهرام (وابن عم عمرو موسى حين كان عمرو موسى في أوج توهجه وزيرًا لخارجية مصر): إذا كان الصحفيون أقوياء، وإذا كانت الأهرام قوية، فإن” لوبي” الأطباء أقوى من أن تقدروا عليه، لكي تأخذوا حق الشاب الموهوب محمد عبدالرحمن عقل، الذي توفي في المستشفى؛ لأن طبيب التخدير تركه ليختنق بلسانه بما أنه كان مشغولًا في تخدير آخرين في الوقت نفسه، حتى “يجري” إلى مستشفى آخر زيادة في الغلة، وكانت الجراحة التي دخل محمد عقل المستشفى لإجرائها لا تزيد على استئصال الزائدة الدودية.

ما الفرق بين الإفلات من العقاب هنا، وإفلات مسئول السكة الحديد، ووزير النقل آنذاك سليمان متولي من العقاب الجنائي والسياسي على سقوط سيدة، وهي تقضي حاجتها في مرحاض القطار؛ لأن أرضية المرحاض كانت آيلة للسقوط بسبب تآكلها بصدأ السنين؟ وكيف نصف دولة ومجتمعًا قبلا ـ بعد زوبعة صحفية في فنجان ـ أن السيدة هي التي أخطأت؛ لأن قاعدة مرحاض القطار أصبحت سليمة بقدرة قادر، وكان القادر هنا ورشة الصيانة التي أدخلت إليها عربة القطار فور الحادث لتجديد المرحاض قبل أن تعاينه النيابة؟

يمكنني، كما يمكن لغيري أن يسرد عشرات القصص المماثلة، وهي كلها تقول لنا شيئًا واحدًا، إن المجتمع والدولة المصريين توافقا منذ زمن بعيد على عقد اجتماعي معكوس، فالعقد الاجتماعي في أصله تنازل المواطنين عن جزء من حرياتهم لحماية بقية الحقوق والحريات، بواسطة سلطة تمثل الإرادة العامة عن طريق إعمال القانون وفقًا لمبدأ المسئولية والجزاء.

ولكننا في مصر اتفقنا على مبدأ “لا تعاقبني ولا أعاقبك”، اللهم إلا إذا قدرت عليك، أو قدرت أنت عليّ بالقوة لا بالقانون، والقوة هنا تشمل النفوذ السياسي والاقتصادي، كما تشمل انتقائية تطبيق القانون، ومحو أدلة، وتلفيق أخرى، مثلما تشمل البلطجة والعنف الصريح، وهذا بالضبط ما كان يحدث في عصر فتوات نجيب محفوظ الذي كان هو نفسه يسميه “عصر ما قبل القانون”، أو فلنقل هو عصر حروب القبائل، أي عصر ما قبل الدولة، وكل ما تغير هو أننا لم نعد نتحدث عن عبس وذبيان، أو بكر وتغلب، أو العرب والهوارة، أو الفلاحين والصعايدة، كما أننا لا نتحدث عن حارة الحسينية وحارة العطوف، وإنما نتحدث عن قبيلة الأطباء، وقبيلة المهندسين، وقبيلة المحامين، وقبيلة الشرطة، أو حارة الصحفيين وحارة أهل الفن… إلخ… إلخ، ولا نتحدث عن السيف والرمح، وإنما نتحدث عن تنويم القانون، وتغليب العرف المتخلف لحماية ابن القبيلة من القبائل الأخرى مهما يكن مخطئًا، وإذا كان لا بد من عقاب فليعاقبه شيخ القبيلة سرًا.

ذات مرة تجاوز ضابط شرطة صغير الرتبة نسبيًا تجاوزًا صارخًا في حق أحد الجيران، ودون أن يكون عارفًا بأن هذا الجار له أصدقاء مهمون في وزارة الداخلية، وبالطبع تمكن جاري من استعادة حقه بواسطة أصدقائه هؤلاء، وأبلغني أن الضابط عوقب داخليًا عقابًا معقولًا، ولكنه أبلغني أيضًا أنه لمّح لأحد أصدقائه الكبار في الدخلية بأنه قد يلجأ إلى إحدى القنوات الفضائية، أو مواقع التواصل الاجتماعي لنشر قصته، فإذا بهذا الصديق يرد عليه قائلًا: “إذن في هذه الحالة سوف أدافع عن الجهاز، ولن أدافع عنك”.

هذا الذي قاله المسئول الكبير في الداخلية نفعله كلنا أو معظمنا في كل موقع، ومجال، أذكر ذات مرة أن صحيفة “الأهرام” كادت تتسبب في أزمة عالمية عاتية في نهاية الثمانينيات، بسبب خطأ في الترجمة وقع فيه مراسلها في واشنطن في ذلك الوقت، لم ينتبه إليه أحد في الديسك المركزي، وكان المراسل قد حصل على تقرير صحفي أمريكي، فهم منه أن الاتحاد السوفييتي ـ قبل انهياره طبعًا ـ نشر في ليبيا صواريخ نووية عابرة للقارات، وكان ذلك في أعقاب إحدى الغارات الأمريكية في عهد الرئيس الأسبق رونالد ريجان المتكررة على ليبيا انتقامًا من دعم معمر القذافي لعمليات إرهابية ضد أهداف أمريكية، وبالطبع كان هذا الخبر هو المانشيت، وإذا بالدنيا تنقلب، والسوفييت ينفون، والأمريكيون يهلعون، ويبحثون عن معلومات جديدة، وأوروبا كلها تقف على أطراف أصابعها، وتكتم أنفاسها، ليتضح في اليوم التالي أن ما وضعه السوفييت في ليبيا هو صواريخ  قصيرة المدى دون رؤوس نووية، ولكنها من النوع الموجه (Ballastic)، وقد اعتقد المراسل أن كلمة (Ballastic) تعني عابرة القارات وتحمل رؤوسًا نووية، فماذا فعلت الأهرام؟ بقدرة قادر أيضًا أصبح الخطأ مصدره تسريب النظام الليبي “الشرير”، ولم ترد كلمة اعتذار واحدة في التصحيح، ولم يعاقب أحد كائنًا من كان في هيئة تحرير الصحيفة.

إذن ما دام هناك اتفاق صريح، ولكنه غير مكتوب على رفض مبدأ الاعتراف بالخطأ، والمساءلة أمام القانون، فلن يكون هناك محل من المبنى أو المعنى لمبدأ التحقيق الشفاف الموضوعي؟

إذا لم توافق على هذه الخلاصة، أرجوك اذكر لي كم كارثة كبرى جرت على أرض مصر حُقق فيها، وأعلنت النتيجة للرأي العام، منذ حريق القاهرة عام 1952، على الأقل.

 إن أحدًا باستثناء المسئولين المباشرين لا يعرف الحقائق كاملة عما حدث وتسبب في هزيمة 1967، ولا حقيقة ما حدث في تمرد الأمن المركزي عام 1986، بل إن حسني مبارك، رئيس الجمهورية آنذاك، وجّه خطابًا علنيًا إلى البرلمان يطلب فيه  وقف تقصي الحقائق “مؤقتًا حتى يومنا هذا” في الأحداث، واستجاب البرلمان فورًا على الرحب والسعة، وهو ما تكرر بعد ذلك في التحقيق في نهب الجهاز المصرفي في بداية الألفية الثالثة، وظل يتكرر بنمط مطرد في كل المآسي التي جرت قبل، وفي أثناء، وبعد ثورة يناير حتى الآن، بما في ذلك محاولة اغتيال عمر سليمان، نائب رئيس الجمهورية عقب تعيينه مباشرة، مع أن حارسين له لقيا مصرعهما في المحاولة، ومع أن أحد شهود الواقعة كان وزير الخارجية وقتها أحمد أبو الغيط.

ما الذي نفهمه من كل التطبيقات والتفسيرات السابقة سوى شيوع ثقافة الإفلات من العقاب في كل مكان، وفي كل جهاز، وفي كل تكوين اجتماعي على أرض مصر المحروسة، ولكن هل هذا قدر إغريقي لا فكاك منه، وهل يشفع للشرطة “تحديدًا” إلى ما لا نهاية، وهل يبرر لها الخروج الدائم على القانون؟ خصوصًا إذا أدى ذلك إلى إزهاق الأرواح؟

 شيوع هذه الثقافة، هو بالقطع انتكاس أو فلنقل هو وأد للدولة الحديثة في مصر، وللحق  فإنه إحدى أهم سلبيات نظام يوليو 1952، لكن من الحق أيضًا أن نعترف بأن هذه الثقافة كانت قد تفشت في سنوات المخاض السابقة على قيام نظام يوليو، فالملك فاروق نفسه شكّل الحرس الحديدي كعصابة تصفي خصومه السياسيين خارج القانون، وعلى رأسهم مصطفى النحاس باشا، وشكَّله أساسًا من ضباط الجيش، فكانت هذه بداية جرأتهم على المؤسسة الملكية، حتى أطاحوا بها نهائيًا، وحكومة إبراهيم عبدالهادي استأجرت قاتلًا محترفًا لاغتيال حسن البنا، مرشد الإخوان المسلمين، أخذًا بثأر محمود فهمي النقراشي، رئيس الوزارة الذي خلفه عبدالهادي، وقد ذهب “القاتل” بعد التنفيذ إلى أرملة النقراشي ليزف إليها بشرى  “الأخذ بثأر الباشا”، فأهدته قطعتين من القماش الصوف كان النقراشي ينوي تفصيلهما بدلتين، وأصبح الآخذ بثأره هو أحق الناس بهما!!

ولا يبعد ذلك كثيرًا عن تفاخر زكي بدر، أحد وزراء داخلية مبارك، بتطبيق سياسة الضرب في سويداء القلب “للإرهابيين”، و”الإرهابيين المحتملين”، مبتدئًا المرحلة التي لا نزال نعيش فيها وهي مشاركة الدولة في القتل خارج القانون.

أعود إلى الحديث عن الشرطة في مجتمع تواطأ على رفض المساءلة، وأقول: إذا كانت ثقافة الماضي تبرر للشرطة الاستمرار في هذا النمط من التجاوز والإفلات من العقاب، فإن المستقبل يحتم عليها أن تكسر هذه الدائرة الخبيثة التي تدور فيها، وتجعل مصر كلها تدور معها فيها.

فالشرطة هي في الأصل جهاز حفظ النظام وتطبيق القانون. لكن الأخطر أنها واجهة النظام السياسي أمام المواطنين، ومن ثم فكل تجاوز فردي أو جماعي ـ صغيرًا كان أم كبيرًا ـ محسوب على النظام السياسي نفسه مباشرة وعلى الفور، قبل أن يحسب على الشرطة.

إن تاريخ مصر منذ يوليو 1952 يؤكد حقيقة كبرى ظهرت في كل عهودها، فالقمع والاعتقالات والتعذيب كانت بداية أزمة الثقة بين زعامة جمال عبدالناصر وشعبه، ولا يجوز هنا الادعاء بأن ذلك كان يمارس بالدرجة الأولى بواسطة جيش عبدالحكيم عامر؛ لأنه كان يقوم ساعتها بدور الشرطة، وكانت سجون عبدالناصر هي مفرقة التنظيمات التكفيرية.

وعندما اعتمد أنور السادات قرب نهاية حكمه على وزير داخليته النبوي إسماعيل في إدارة “الصراع” السياسي في البلاد؛ فإن هذه السنوات شهدت توترًا هائلًا في المجتمع أدى إلى حملة اعتقالات سبتمبر 1981، التي لم يمض عليها شهر حتى اغتيل السادات نفسه.

أما درس مبارك- العادلى.. فليس منا ببعيد.

ليس معنى التركيز على الشرطة في هذا المقال أننا نتغاضى عن شيوع ثقافة القبائل في بقية مؤسسات وفئات المجتمع والدولة المصريين، التي ذكرنا أمثلة منها وعنها، أو أننا ندعو إلى الصبر عليها، والبدء بالشرطة، وإنما اقتضى التركيز على الشرطة عودتها متهمة بقوة مرة أخرى أمام الرأي العام في 3 حوادث كبيرة على الأقل، هي مقتل سندس رضا في الإسكندرية، ومقتل شيماء الصباغ في القاهرة، ومجزرة ستاد الدفاع الجوي مؤخرًا.

باختصار.. فلن تكون لدينا دولة بهيبة أو دون هيبة ما لم نتخلص من نظام الطوائف  أو الفئات أو القبائل.. سمِّه ما شئت.. وإذا كان هذا مطلوبًا من المجتمع، وهو مطلوب.. فإن المبادرة إلى قيادة أجهزة الدولة، وقوى المجتمع على طريق إعمال القانون، وتحمل المسئولية الجنائية والسياسية والأخلاقية عن الخطأ، هي أوجب الواجبات على السلطات العامة؛ لأنه سبب وجودها، ومبرر استمرارها، ومن دون الالتزام به لا تعود سلطات عامة، وإنما مراكز قوة، ومجموعات منتفعين في أحسن الأحوال.

يحكي الجبرتي في تأريخه المشهور، أن المماليك عندما عادوا إلى السلطة في القاهرة بعد جلاء الحملة الفرنسية عن مصر عام 1801 ـ لا بفضلهم ولكن بفضل الإنجليز والعثمانيين ـ ساروا في الناس سيرتهم الأولى من النهب وهتك الأعراض، وقتل المعترضين، فلجأ المصريون شيوخًا وعامة إلى تولية محمد علي، ليدبر لهم مذبحة القلعة في نهاية المطاف.

ويحكي الجبرتي أيضًا عن “برطلمين الرومي”، حكمدار القاهرة في عهد الحملة الفرنسية (الذي كان العامة يسمونه فرط الرمان)، وكان مملوكًا هو الآخر طغى وتكبر حتى أسره العامة في إحدى حارات القاهرة، فإذا به يتحول إلى دجاجة رومية ذعرًا وتصاغرًا.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد