Define your generation here. Generation What
سيناء: ولايات الخوف

العريش – في مساء خميس شتوي، يوم 29 يناير، كان شريف يشاهد مباراة الأهلي والزمالك مثل العديد من جيرانه، عندما طار من على فراشه بفعل قوة الانفجارات المتتالية التي كان دويّها يصم الآذان.

كان على المخرج الشاب (25 عامًا) وعائلته مقاومة غريزة الهرب من منزلهم في الضاحية ـ أحد أحياء مدينة العريش ـ بعد ما رأوا الرصاص يطلق على أي شخص في الشارع.

يقول صلاح الذي يدير محلًا لخدمات الاتصالات في العريش: “رأينا الأهوال على مدار ساعتين. كنا على خط النار”. يقع منزل صلاح على بعد 30 مترًا من مديرية أمن شمال سيناء، المكان الذي استهدفته التفجيرات. انكسر باب شقته نصفين وتهشمت نوافذ بيته وتحطم الكثير من أثاثه، واخترق الرصاص منزله؛ حيث كان واحدًا من بين العديدين الذين علقوا في منتصف تبادل إطلاق النار بين القوات المسلحة والجماعات المسلحة.

يقول فتحي، رجل أعمال من العريش، معبرًا عن شعور العديد من سكان المدينة: “هناك 101 و102، ونحن عالقون في المنتصف”.

“الكتيبة 101”.. هي قاعدة عسكرية مركزية بالعريش يعود وجودها إلى الثمانينيات. وكانت أحد أهداف الهجمات على الضاحية، وينتمي معظم الضحايا الـ 30 الذين سقطوا في ذلك اليوم إلى تلك الكتيبة. أما “102”.. فهو الاسم الشائع الذي يطلقه أهالي سيناء على كبرى المجموعات المسلحة التي لها نشاط هناك، وهي جماعة أنصار بيت المقدس التي أعلنت ولاءها للدولة الإسلامية (داعش) في شهر نوفمبر الماضي، وتطلق على نفسها الآن “ولاية سيناء”.

يرفع طرفا هذه الحرب الدائرة شعار الدولة، لكن ما يرويه العديد من سكان المنطقة يشير إلى غير ذلك. فالجيش، من ناحية، لا يأخذ الإجراءات اللازمة لمجابهة الأضرار التي قد تلحق بالمدنيين أثناء عملياته ضد الجماعات المسلحة، وترد تلك الأخيرة بدورها بالهجوم على الدولة مستخدمة أساليب حرب العصابات، التي من شأنها استنزاف القوات النظامية وإنهاكها.

كيف تحارب الجماعات المسلحة الدولة؟

يقول صلاح: إن ثلاث مركبات قد نفذت الهجوم على الكتيبة 101، إحداها كانت شاحنة توصيل مياه من المرجح أنها كانت تخدم الجماعات المسلحة أيضًا. ولقد تم الاشتباه في تلك المركبة على وجه التحديد؛ لأنها كانت توصل المياه للكتيبة بشكل يومي، كما يقول صلاح، ويشير ذلك إلى احتمال أنها كانت تراقب القاعدة نيابةً عن الجماعات المسلحة.

تقع الكتيبة على بعد كيلومتر واحد فقط من نقطة تفتيش عسكرية، وقد أشارت بعض التقارير الصحفية إلى إنه يتم التحقيق مع جنود تلك النقطة لسماحهم بمرور مركبات تحمل متفجرات. ويتعجب الكثير من سكان العريش من سهولة الهجوم على الكتيبة ومديرية الأمن اللتين تخضعان للحماية المشددة.

فهناك صفوف تلو الأخرى من الثكنات وأكياس الرمل لحماية المنشأتين العسكريتين، بالإضافة إلى وجود أفراد أمن على درجة عالية من التأهب وفي وضع الاستنفار في حال الاشتباه في أية حركة. يقضي هؤلاء الليل في ردع الهجمات المحتملة عن طريق إطلاق الطلقات التحذيرية والقنابل الضوئية.

لا يتوقف نشاط المسلحين عند الأعمال الإرهابية فحسب ولكنه يمتد إلى استعراض القوة الذي من شأنه الإشارة إلى وجودهم وثقتهم في قدراتهم. فقد نظموا عروضًا في شوارع شمال سيناء يلوحون فيها بلافتاتهم الدينية وأسلحتهم لاستعراض قدراتهم العسكرية. يقول محمود، أحد أصحاب المحال في الشيخ زويد، إن أحد تلك العروض قد تم مؤخرًا في المنطقة ما بين نقطة التفتيش العسكرية وأحد أقسام الشرطة، متعجبًا من إمكانية إقامة تلك الاستعراضات دون أي تدخل من الدولة.

الجماعات المسلحة في مواجهة الشعب

تلك الاستعراضات تعد أيضًا بمثابة تَذكِرة للمواطنين للثمن الباهظ الذي قد يترتب على التعاون مع قوات الأمن. يروي محمود كيف قامت الجماعات المسلحة، في مدينة الشيخ زويد، في وضح النهار، بذبح خمسة رجال كانوا قد اعترفوا بإعطاء معلومات لقوات الأمن عن أماكن تواجد الجماعات. أحد الضحايا كان سامح سليم، الذي كان يعمل مدرسًا وكان أحد أصدقاء محمود. يظهر سليم في أحد الفيديوهات التي نشرتها الجماعة في مطلع الشهر الماضي وهو يعترف بركوبه إحدى مركبات الجيش وارتدائه الزي العسكري والتعرف على منازل أفراد الجماعة المطلوبين.

يقول محمود: “لقد اندهشنا عند سماعنا اعترافاته. لكن ذبحهم بهذا الشكل العلني حمل رسالة للمدينة بأكملها”.

في فيديو آخر صدر في شهر أغسطس عام 2014، يظهر أربعة رجال ـ ثلاثة منهم كانوا مسجونين في إسرائيل ـ وهم يعترفون بأنهم تم تجنيدهم من قبل الضباط الإسرائيليين. ويقول الأسرى إنهم ندموا على ما فعلوا وإنهم ينصحون أي شخص يسلك نفس الطريق بتسليم نفسه إلى الجماعة كي لا يلقى نفس مصيرهم. وبعدها يتم ذبح الرجال سريعًا، بالأسلوب المميز الذي تعلن به “ولاية سيناء” تبعيتها لـ “داعش”.

في بداية الفيديو كتبت الجماعة المسلحة رسالة تقول: “[…] لأن كل يد تُمد على المجاهدين لا بد أن تقطع، وكل عين تدل عليهم، فالرأس التي تحتويها يجب أن تقطف…”،  أما في نهاية الفيديو فقد أضافوا رسالة أكثر لينًا تقول: “[…] وهدفنا ليس قطع رؤوسكم، ولكن هدفنا كف أيديكم عن أذى المسلمين؛ فإن استجبتم لنا عشتم آمنين بين أهلكم، وإن أبيتم وأصررتم على محاربة الله ورسوله والمجاهدين، فوالله قد جئناكم بالذبح”.

يعبّر محمود وآخرون عن استيائهم من أن وقائع الذبح المتكررة في سيناء لم تحظَ بأي اهتمام في وسائل الإعلام.

شرعت الجماعة المسلحة أيضًا في اتباع بعض من أساليب الدولة المعتادة. فالطريق الرئيسي ما بين العريش ورفح عادة ما يكون مغلقًا أمام المدنيين في الفترة الأخيرة، ما يجبرهم على أخذ الطرق الجانبية المليئة بنقاط التفتيش التي يقيم بعضها رجال الجيش والبعض الآخر يقيمه جهاديون مسلحون. وتقع بعض نقاط تفتيش الجماعة المسلحة على بعد بضعة كيلومترات فقط من النقاط التابعة للجيش، ويقال إنهم مجهزون بأجهزة كمبيوتر واتصال بالإنترنت للتحقق من المارة.

يحكي لنا محمود كيف استوقف الجهاديون أحد أصدقائه، ويعمل مدرسًا، على الطريق المؤدية إلى المدينة، يقول: “لأنه يمارس رياضة كمال الأجسام اشتبه الجهاديون في أنه على علاقة بالأمن. قبضوا عليه وضربوه ثم أطلقوا سراحه بعد ساعة”.

كان أحد العاملين مع المراسلين في شمال سيناء، واسمه سيد، قد تم القبض عليه وضربه أيضًا منذ عدة أسابيع في نقطة تفتيش تابعة للجماعات المسلحة ما بين العريش ورفح. كان سيد في طريقه مع أربعة من الصحفيين المصريين وتتقدمهم دبابات عسكرية. وبعد انعطاف الدبابات بوقتٍ قصير وجد سيد نفسه أمام نقطة تفتيش تابعة للجماعة المسلحة.

يقول سيد: “قلت لهم: احترسوا، هناك دبابات عسكرية بالقرب منا”. لكنهم قالوا: لم نأت من أجلهم، بل جئنا من أجلكم”.

تعرض سيد والصحفيون إلى إطلاق النار والاعتداء البدني قبل إطلاق سراحهم. وقد قام سيد بإخفاء بطاقات الصحافة الخاصة بمرافقيه وأخبرهم أنهم يعملون مع شبكة قناة “الجزيرة” الفضائية القطرية المتعاطفة معهم.

يقول سيد: “لو عرفوا أنهم صحفيون من جريدة مصرية لما نجى أي منا”.

لم تكن هذه المرة الوحيدة التي واجه فيها سيد الجماعات المسلحة، إذ يقول إنه كثيرًا ما يمر بنقاط التفتيش التابعة لهم. ويروي لنا كيف شاهد خلال إحدى رحلاته إلى رفح الجماعات المسلحة تجر أحد الصحفيين من شاحنة نصف نقل. ولا يعتقد سيد أنهم تركوا الضحية ليعيش.

تلقى سيد قبل بضعة أيام تهديدًا بقتله إذا تم ضبطه أثناء عبوره مرة أخرى إلى رفح بصحبة صحفيين أو ضباط.

ورغم هذه المواجهات العنيفة يقول آخرون، إن نقاط تفتيش الجماعات المسلحة لا توقف سوى الأشخاص المشتبه في تعاونهم مع السلطات. يشرح لنا فؤاد، صاحب مقهى انتقل حديثًا إلى العريش بعد أن قام الجيش بإجلاء السكان عن رفح لعمل منطقة عازلة لردع الإرهابيين، كيف قامت الجماعات المسلحة ذات مرة بجمع هويات الجميع في نقطة التفتيش، لكنهم تعاملوا معهم باحترام لأنهم لم يشتبهوا في أي شخص.

وتقول امرأة عجوز من قرية المقاطعة التي تعد أحد مراكز الجماعات المسلحة بالقرب من الشيخ زويد: “الجماعات المسلحة لم تؤذنا ولم ترفع السلاح في وجهنا قط. هم لا يخيفوننا”.

يوضّح فتحي: “هم غير معنيين باستعداء السكان الآخرين؛ لأنهم يعيشون بيننا ولا يريدونا أن نتجه إلى التعاون مع الأمن”.

“الإرهاب ليس نبتة شيطانية”

قد يكون تكوين أو أصول المجموعات المسلحة التي تتخذ سيناء مقرًا لها غير معروفين بشكل مفصل، لكن الكثيرين يعتقدون أن الإجراءات القمعية التي قامت بها الدولة في المنطقة من قبل هي التي غذت نموها.

أثناء زيارة فتحي لأحد أقاربه في سجن طرة بالقاهرة عام 2005، قابل كمال علام، الذي أصبح لاحقًا أحد أهم الجهاديين في مجموعة التوحيد والجهاد في سيناء. كانت الشرطة في ذلك الوقت قد ألقت القبض بشكل عشوائي على مئات الرجال من شبه الجزيرة بعد تفجير العديد من المواقع السياحية في جنوب سيناء.

ألقيَ القبض على علام بتهمة حيازة مخدرات، وكان يعرج بسبب إصابته من جراء التعذيب. قال علام لفتحي: “ما أعانيه لا أتمنى حدوثه حتى لكافر”.

بعد قضاء مدة في السجن مع المساجين الإسلاميين هرب علام من محبسه أثناء أحداث الثورة في 2011، حينما انسحبت قوات الشرطة من مواقعها. وكان علام ضمن الصفوف الأولى التي هاجمت أقسام الشرطة بشمال سيناء في الفترة ما بين 25 و28 يناير في ذلك العام. وفي شهر يناير من عام 2014 أعلنت وزارة الداخلية عن مقتل علام في حملة عسكرية بجنوب رفح.

يوضح لنا فتحي قائلًا: إن توسع شبكات الإرهاب في سيناء مدفوع بشكل رئيسي بالرغبة في الانتقام من وحشية قوات الأمن أكثر من كونه نابعًا من عقيدة جهادية متأصلة. ويؤكد فتحي وآخرون من سكان سيناء أن عدد أفراد الجماعات المسلحة الناشطين في المنطقة بعد عامين من الثورة كان نحو 100 شخص فقط. لكنه يقول إن عددهم زاد بعد عزل الرئيس السابق مرسي في صيف عام 2013 بشكل خارج عن السيطرة؛ حيث كان من السهل تجنيد العديد من الأشخاص الذين تضرروا من التضييق الأمني المستمر. كما انضم أيضًا العديد من الأشخاص ـ معظمهم من المناطق المعدمة بوسط وشرق شبه الجزيرة ـ إلى الجماعات المسلحة لكسب الأموال بعد ما فقدوا عملهم بسبب إحباط تجارة التهريب.

ولقد أثبتت بعض الأبحاث وجود علاقة بين بعض عناصر الجماعات المسلحة في سيناء ومجموعات أجنبية ـ مثل المجموعات الموجودة بغزة ـ، إلا أن ما يرويه سكان سيناء يشير في المقام الأول إلى أن الإرهاب هو نتاج ممارسات الدولة الظالمة.

من هنا يؤكد فتحي: “الإرهاب ليس نبتة شيطانية”.

كيف تحارب الدولة الإرهاب؟

يقول بعض السكان إن الدولة أثناء محاربتها الإرهاب ترسخ الظروف نفسها التي أدت إلى انتشار الجماعات المسلحة في شبه الجزيرة. وتقدم تجارب المواطنين في نقاط التفتيش مثالًا على ذلك.

فقد عبر محمود وبعض السكان الآخرين عن استيائهم من نقطة تفتيش الكوثر في الشيخ زويد؛ حيث يقوم الجنود بإطلاق النيران على المارة الذين يشتبهون بهم. وفي مرة كانت هناك سيارة على بعد 200 متر من نقطة التفتيش عندما سمع محمود، بحسب روايته، الضابط يقول لمجند: “أطلق النار على رؤوسهم، لن يعاقبك أحد”.

يصرخ الجنود بكلمة “اثبت” في أي شخص يحاول عبور نقطة التفتيش، وإذا لم يمتثل إلى الأمر يكون معرضًا لإطلاق النار. يروي لنا يسري، أحد أصحاب المحال في وسط مدينة العريش، عن رجل معاق ذهنيًا تم إطلاق النار عليه لأنه لم يفهم الأمر الموجه إليه “اثبت”.

يحكي لنا أحد الشباب من رفح أن عائلته المكونة من سيدتين مسنتين وطفلين، كانت على الطريق المحفوف بالمخاطر المؤدي إلى العريش، وقد وجد السائق الطريق مغلقًا واضطر إلى الانعطاف. وعندما اقتربت السيارة من نقطة التفتيش وجدوا أنفسهم تحت إطلاق نار عنيف. واضطرت العائلة إلى الهرب سيرًا على الأقدام، وعادوا بعدها في الصباح لأخذ السيارة.

ولقد رأت العائلة نفسها في طريق العودة إلى رفح سيارة يتم إطلاق النار عليها لاستغراقها وقتًا أطول من اللازم في الوقوف على جانب الطريق أثناء اقتراب دبابة عسكرية.

لكن تلك التجارب المريرة في نقاط التفتيش ليست سوى نقطة في بحر مقارنة بما يعانيه سكان القرى المجاورة للشيخ زويد ورفح، والتي تحتوي على معظم مراكز الجماعات المسلحة.

الجيش في مواجهة الشعب

مديحة، وهي أرملة في منتصف العمر من قرية المقاطعة، تجلس في مأوى صغير انتقلت إليه منذ ثلاثة أشهر؛ حيث تعيش الآن في حي المساعيد جنوب العريش، أحد الأماكن القليلة التي ما زال السكان يعتبرونها آمنة نسبيًا.

كانت قرية المقاطعة هدفًا لعدد من أكثر عمليات الجيش عنفًا. اقتحمت قوات الأمن منزل مديحة في الغارة الأولى في منتصف عام 2013، وأطلق الجنود الرصاص ما بين ساقي ابنتها البالغة من العمر 12عامًا لإجبارها على إخبارهم بمواقع الجماعات المسلحة في المنطقة. وبعد ذلك استخدموا مديحة وأطفالها الثلاثة كدروع بشرية، حسب قولها، وأجبروهم على السير أمام الجنود أثناء خروجهم إلى الحقول.

يعد استخدام المدنيين في هذه الحرب المستمرة أمرًا شائعًا. ويروي لنا حمدي، صاحب محل في وسط المدينة بالعريش، كيف جندته قوات الأمن في لجنة مدنية للتحقيق في اكتشاف تسع جثث بالقرب من خزان المياه المحلي.

يوضح لنا حمدي قائلًا: “تشعر الشرطة بالخوف عند تلقي بلاغات كهذه؛ لأنها قد تكون فخًا منصوبًا لهم”. ويقول إن الشرطة كانت خائفة لدرجة جعلتها تلقي القبض على الشخص الذي بلّغ عن وجود الجثث.

تركت تلك العمليات الأمنية مرارة في نفوس العديد من السكان. تقول مديحة وشقيقة زوجها وزوجة ابنها ـ وجميعهن جيران في صحراء المساعيد ـ إن طائرات الأباتشي والطائرات بدون طيار قد ضربت منازلهم بالمنطقة. الرجال يلوذون بالفرار، مذنبون وأبرياء على حدٍ سواء، فور وصول قوات الأمن في غاراتهم نصف الشهرية. وتقول النساء إن الجنود قد حرقوا أيضًا مزارع شجر الزيتون التي تعد مصدر رزقهم الأول.

“هل أشجار الزيتون إرهابية هي الأخرى؟”، تتساءل أحد السيدات في سخرية.

ورغم تكرار وقائع موت المدنيين خلال تلك الهجمات إلا أنها ظلت غائبة عن التغطية الإعلامية بشكل كبير.

تتحدث شقيقة الزوج في حسرة عن عناوين الأخبار المتداولة في معظم الصحف وقنوات التليفزيون: “يقتلون أولادنا ثم يقولون إنهم قد قتلوا الإرهابيين”.

يروي لنا محمود، أن العديد من الأشخاص الذين ألقت قوات الأمن القبض عليهم في الشيخ زويد قد وُجدوا بعدها أمواتًا في الشوارع.

ثمن الحرب على الإرهاب

تعد تلك الوفيات الثمن الفادح والمباشر لحرب الدولة على الإرهاب. لكنّ هناك ثمنًا آخر يدفعه سكان شمال سيناء على المدى الطويل وبشكل يومي.

فقد كانت رفح تخضع لحظر تجوال منذ صيف 2013، لكن الحكومة أعلنت في شهر أكتوبر 2014 عن مد حظر التجوال ليشمل العريش لمدة ثلاثة أشهر. وفي 25 يناير 2015 تجمع سكان المنطقة للاحتفال بنهاية الحظر، لكنهم اكتشفوا أنه سوف يتم مده.

ونجد الآن على جانبي شوارع العريش مقاهي ومطاعم مغلقة لكساد الأحوال، كما فقد العديد من العمال وظائفهم بعد توقف الورديات الليلية بسبب حظر التجوال.

كما زاد قطع شبكات الهاتف المحمول ـ لمنع استخدام الهواتف في إطلاق المتفجرات ـ من تضييق الخناق على قدرة الناس على التواصل.

يقول شريف: إن “هذه عقوبة جماعية”، ويرى أن تلك الإجراءات قد أصبحت بلا جدوى. فالهجمات الإرهابية مستمرة، كما يقول، حتى بعد فرض الحظر ورغم قطع الاتصالات. ويوضح صلاح أن الجماعات المسلحة تلجأ إلى طرق تفجير أخرى لا تحتاج فيها إلى استخدام شبكات المحمول المقطوعة.

وبدلًا من تعزيز الإحساس بالأمان، قامت الحرب على الإرهاب والعمليات العسكرية المتزايدة بتعزيز حالة ممتدة من الخوف في شمال سيناء. فسكان الضاحية يحبسون أنفاسهم عندما يتجولون في شوارع مدينتهم.

كانت سميحة، مدرسة، تقوم بالتسوق قبل موعد بدء الحظر في السابعة مساءً، وهي تتمتم ببعض الكلمات عن آخر سلسلة من الهجمات. ومع سماع دوي انفجار محدود مجهول المصدر صرخت وأفلتت أكياس التسوق من يدها. تقول سميحة إنها كثيرًا ما ترتدي كامل ملابسها ليلًا تحسبًا لوقوع قنبلة على منزلها.

رفض فتحي الظهور مع صحفيين في الشارع وسار بعيدًا عن فريق «مدى مصر» ببضع مئات من الأمتار حتى وصل إلى نقطة اللقاء. أما يسري فوقف متأهبًا أمام باب محله أثناء حديثه مع «مدى مصر»، وقد أخذ يتطلع إلى الشارع وهو يتحدث إلينا بصوت منخفض.

مسألة وقت؟

يرى البعض أن الدولة غير قادرة على خوض حرب العصابات هذه بشكلٍ فعال، ولذلك فهي لا تستطيع القضاء على الإرهاب في سيناء ووقف عداد وفيات المدنيين المتصاعد.

ويقول صلاح: إن الدولة “تحارب خفافيش. هذه حرب عصابات لا يتحملها جيش نظامي. إنها حرب استنزاف”.

لكن فتحي وفؤاد، صاحبي مقهى في العريش، وآخرين يظنون أن الدولة لا تسعى إلى القضاء على الإرهاب بالأساس. فالسلطات تحتاج إلى أداة قوية كهذه لحشد الدعم الدولي ولتبرير انتهاكها للحريات المدنية ـ بحسب رؤيتهم.

وبعدما وجد بعض السكان أنفسهم عالقين في عجز ما بين عملاقين متصارعين، وقد أنهكتهم نظريات المؤامرة وخاب أملهم في محاولة تفسير الوضع بشكل عقلاني، تخلُّوا عن محاولات الفهم أو مقاومة مصيرهم.

ويلخص فؤاد هذه الروح المهزومة بقوله: “سيناء انتهت، كل الحكاية مسألة وقت. كل ما نستطيع فعله الآن هو أن نجلس بعيدًا ونشاهد ما يحدث”.

*كل أسماء سكان شمال سيناء المذكورة في هذا الموضوع قد تم تغييرها حرصًا على سلامتهم الشخصية.

اعلان