Define your generation here. Generation What

مصر قريبة، وفيها نسوان

في أحد خطاباته الجميلة التي برر فيها للمصريين انقلابه على أول رئيس منتخب في تاريخ مصر، قال رئيس مصر حاليًا، عبد الفتاح السيسي، أن سابقه مغبون الذكر “خد السلّم معاه فوق”. شكك عبد الفتاح السيسي في مشروعية محمد مرسي كرئيس وفي مدى إيمانه بالديمقراطية التي أوصلته للمنصب الذي يسعي وجماعته لنيله منذ العصر الطباشيري الأول. فرح المصريون – المشهورون بحبهم المريض للديمقراطية – لهذا الفعل، ولجرأة الفريقـمشيرئيسـكبير واتخاذه اللازم لإنقاذ ديمقراطية مصر الوليدة.

منذ تولي العبد الفتاح الحكم وجهوده في سبيل تعزيز الديمقراطية لا تخفي على القاصي بقدر خفاءهها على الداني، لأن الداني دايمًا مشغول بلقمة عيشه ومرتاب في القاصي، فإذا قال القاصي أن لا ديمقراطية في مصر، فهو من حقده وغيرته وشره المستطير، أو كما يفسر السيسي مُمَرْهِماً: الناس في أوروبا لا يفهمون ما يحدث في مصر بصورة دقيقة.

ولكن من يفهم، غير الرئيس والحاجة وعشرين واحد اللي معاهم رقمه الأرضي؟.. إخوتنا العرب بالطبع، لأن مصر منهم “قريبة”. وعندما نقول العرب أو العروبة في عالم ما بعد اتفاقية كامپ دايڤيد لا نقصد ولا نعني بأي حال من الأحوال إخوتنا في التاريخ أو اللغة أو النضال نحو الحرية، نعني فقط أولئك الجالسين علي آبار الكنوز، أولياء النعمة، كفلاء لقمة العيش، “أشباه الدول” كما يصفهم مدير مكتب عبد الفتاح السيسي في تسريب منسوب للإثنين كشف عن امتلاكهم لمال يكيّل بمكيال الأرز. سنتحدث باستفاضة عنهم لاحقًا، و”عنهم” هنا لا تعني تعميمًا ملايين البشر الذين شاء القدر أن يولدوا بين الخليج العربي والبحر الأحمر، “عنهم” هنا هي صورة ذهنية في خيال كثير من المصريين عن الإنسان الخليجي ودوره في صناعة حاضر ومستقبل الشرق الأوسط والإنسان المصري.

من ضمن مسوغات الانقلاب الحميد، أو ثورة الشئون المعنوية التي قام بها الوزير دفاع معيّن من قبل المحمد مرسي آنذاك، هي إنقاذ “هويّة مصر”، خاف عبد الفتاح السيسي ومن معه من مثقفي الأجهزة السيادية على “هوية مصر” التي هددها المد الإسلامي وشُحذت لذبحها سيوف أعداء الحداثة. “الهوية” هي مصطلح لا يحتاج الإسلاميون لاستخدامه كثيرًا، فالهوية لديهم كما هو واضح فكرة شديدة البساطة، والتعبير عنها ونشرها يحتاج لمجموعة من الأدوات يمكنك أن تجدها جميعاً لدى أي محل ملاصق لمسجد يعج بالسلفيين، لا أقصد هنا مجلدات كتب التفاسير وذخائر المسلم الطامح في تعلّم دينه كما ارتأى لمحمد بن عبد الوهاب ومحاربي وثنية القرن العشرين، بل أقصد كوليكشن بضائع المسلم الحديث، سواك وجلباب قصير ونقاب من الألياف الصناعية للمرأة المسلمة العصرية، مع كتيب صغير في فقه الحيض، وشريط (الآن سي دي غالبًا) عن فتنة النساء والأوضاع الحلال في الإسلام.

الهوية إذن، كمصطلح حتى، هي كلمة في حالة حرب مع المشروع الإسلامي. المشروع الذي، مثله كمثل أي فكرة اجتماعية، يطمح إلى تغيير حياة الناس وطريقة حياتهم بالشكل الذي يراه مناسبًا. وحربه هنا من المفترض أن تكون مع المجتمع، الذي في ظروف أفضل مما نحن فيه، يكون لديه أچندته الخاصة، وأولوياته الشخصية واختياراته في ما يتعلق بما يريده لنفسه. ولكن تلك عادات يتربي عليها المجتمع ويتعلمها عبر تجريب وخطأ وتجريب وصواب. ولا وقت لدينا ولا فرصة لصواب وخطأ، نحن فقط نفعل الصواب، والصواب هو ما قال عنه الكبير صوابًا.

عندما يتحدث مثقفو الدولة عن الهوية لا بد وأن يحشروا أم كلثوم، وعبد الحليم وعبد الوهاب وعبد الحي سلامة إلى آخر جيش عبادلة الفن في العصر الذهبي للهوية المصرية. كنت أشاهد أفلام سعاد حسني طفلًا، وأحبها وأستمتع بها، ولكني لم أرى أبدًا، لا في بيتي، ولا بيت خالتي، ولا عمتي، ولا خالي، ولا عمي، ولا أي من أصدقاءهم، أو أصدقاء والدىَّ، ولا أي بيت دخلته طفلًا، البار الذي تقبع على أرففه زجاجات الخمر، وأصحاب البيوت الذين يستقبلون ضيوفهم بالسؤال الكاچوال “أعمل لك كاس؟”. لم أرى السيارات المكشوفة والشباب الذي يعزم على الشابات ذوات الميكروچيب بالتوصيلة وينتهي الأمر بقصة حب وقبلة ساخنة على الكورنيش. لم أرى هذه الهوية المصرية، ولم أرى مستنسخاتها على مر العصور من شقق أحمد حلمي الفاخرة وسيارات أحمد عز الفارهة وهموم breakups هاني سلامة المتكررة.

رأيت عبر سنوات دراستي شباب فقير يحلم بالخروج من المدينة الصغيرة إلى العاصمة، ثم من العاصمة إلى خارج مصر، إلى أي مكان. لم تكن مناقشاتنا في المرحلة الثانوية عن الأدب المصري والتغييرات التي طرأت عليه في العشرين سنة الأخيرة، بل كانت عن هل يصح أن يتزوج الرجل امرأة غير محجبة أم لا؟ أصدقائي الذين ذهبت معهم للمدرسة أغلبهم اليوم يستخدمون facebook في تبادل الأدعية وقصص الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وليس مقطوعات موسيقية لكبار مؤلفي عصور النهضة في أوروبا، ولا حتى أم كلثوم أو غيرها من مكونات ما تسميه الدولة “الهوية المصرية”.

استخدم رؤساء مصر عبر سنوات تاريخها الحديث فكرة الإسلام السياسي بالشكل الأنسب لوضعهم السياسي، دخلوا مع الإخوان المسلمين في تحالفات لضرب أعداء آخرين، ثم خلقوا للإخوان أنفسهم بدلاء إسلاميين آخرين يسهل السيطرة عليهم واستخدامهم وقت الحاجة، ولنا في حزب النور خير مثال. لم يستثمر أي من رؤساء مصر في ضرب الأرض الخصبة للفهم الرجعي للإسلام ولفكرة الإسلام السياسي عبر زيادة الإنفاق على التعليم أو فك الخناق عن أعناق المثقفين أو الفنانين. لم يتوقف النفي أو التهميش أو الإلقاء في السجون، لم يتوقف التشويه والمحاربة لأي فكرة تحررية قد تساهم في المستقبل في اجتذاب الشباب نحو نموذج اجتماعي طارد لأفكار القرون الوسطى، لأن  نموذج مثل هذا سيكون بالضرورة طاردًا أيضًا لأفكار عصور ما قبل الحرب العالمية الثانية، الجمهوريات العسكرية والدول البوليسية وفاشية الوطنية الأمنية.

لم يستثمر رئيس لمصر في “هوية” متجددة ومحترمة تناقش مشاكل مجتمعها بوضوح وطموح. تفتح أبواب الجدل حول ثوابت مجتمعية بالية أو تطالب بتغيير حقيقي في هيكل السلطة الأبوية أو الإجتماعية الضيقة، لم يستثمر أي رئيس ببساطة في “هوية” إن تخلصت من أعداءه فستتخلص عاجلًا أم آجلًا منه هو شخصيًا ومما يمثله من أفكار.

استثمرت الدولة في هوية أحدث مما يبحث عنه الإسلاميين، ولكن ليس زيادة عن اللازم. رُبطت الأفكار التحررية – من خلال أبواق الدولة الإعلامية – بالغرب الكافر، ومجتمعات الانحلال الأخلاقي، ثم بعد ذلك حروب الجيل الرابع ومخططات التقسيم، فأصبح من يطالب بإلغاء قوانين متعسفة تُحِّجم التظاهر يُعامل معاملة الجاسوس ومؤيد الإرهاب.

اليوم خرج علينا ڤيديو مصور لأغنية بائسة تذكّر السائح الخليجي أن “مصر قريبة”. في عام ٢٠١٠ دخل لمصر ١٢.٥ مليار دولار وفقًا لويكيبيديا، بفارق ٥ مليارات فقط عمّا دخل المغرب، التي لا تمتلك ثلث آثار العالم، ولا نهر النيل العظيم ولا شريطين ساحليين لا نهاية لهما ولا يعيش بها أكثر من ٨٠ مليون مواطن معظمهم من الشباب الذين يمكنهم بناء ٧ أهرامات في الأسبوع بما ينفقوه على الشاي الذي يشربونه في مقاهي البطالة. لم أقارن دخل السياحة المصرية بالفرنسية ولا الانجليزية ولا الإيطالية ولا اليابانية ولا بأي دولة أخري يذهب لها الناس ليشاهدوا ما يفعله سكان هذه البلاد بمدنهم الآن وليس من آلاف السنين.

عندما وصل الإخوان للحكم كان واحد من أهم السجالات السياسية هي: ماذا سيفعل الإخوان في السياحة؟ وهل سيخربون بيوت الملايين المعتمدين على أموال السائح الأجنبي؟ الحقيقة أن محمد مرسي مدد تراخيص الملاهي الليلية في شارع الهرم الأشهر، ولم يغير لاحقه السيسي القانون الذي صدر قبل ولايته بمنع بيع الكحوليات في المدن الجديدة. الحقيقة أنه لا السيسي ولا مرسي يريدان تغييرًا حقيقيًا في تأثير السياحة على الناتج القومي، وكلاهما لا خطة حقيقية لديه لتغيير علاقة مصر بالدولار القادم من جيب السائح الأوروبي البردان الذي لا يرى في مصر سوى مكان رخيص وحار وبه شواطئ بعيدة بالقدر الكافي عن السكان المحليين المزعجين.

يخاطب ڤيديو “مصر قريبة” السائح المبتسم، الذي يصوره الڤيديو منسابًا بين مشاهد “مصرية” تقليدية تُظهر بساطة وكرم الشعب المصري الأصيل الذي تحبه نانسي عجرم كثيرًا وتعشق رجاله الجدعان. المصريون في هذا الڤيديو هم ممثلون وممثلات مشاهير يلعبون أدوارًا لمصريين فقراء تكهربهم السعادة عند رؤية جلباب السائح الخليجي البراق. شوارع مصر -التي أغلقها فريق تصوير الڤيديو لمنع ظهور المصريين الحقيقيين المقرفين – غُسلت ونُظفت وزينت بأضواء حالمة جعلت كل شيء يبدو كصورة سيئة على إنستجرام مغموسة في فلاتر كاذبة.

يتبشش الممثلون حول الخليجي، ويتقافزون حوله كمهرجين، تمامًا مثلما يفعلون في حياتهم العادية مع الُمنتج الخليجي الذي ينتج معظم أعمالهم ويجبرهم على ألا يكون في أفلامهم “بوس” فيخرج لنا مصطلح (السينما النظيفة) التي تعبر عن “هويتنا” المصرية/ الخليجية الأصيلة. هوية الـ “راضيني يا شيخ الله يراضيك”. لا يقول الڤيديو مصر جميلة، أو ستحب مصر، أو مصر تحبك بغض النظر عن المكان الذي تأتي منه، بل يقول مصر قريبة، بعقلية تاجر ومسفراتي أجازات، الرسالة: تعالي مصر بدل تركيا، عشان مصر قريبة، وكل من فيها فقراء ستكون بينهم ملكًا.

الڤيديو مهين ومحرج وامتداد لرؤية منحطة لمعنى أكل العيش وتصريف الحال عند من يقررون لهذا الشعب كيف يعيش. إذا كانت سياسة هذا البلد الخارجية قائمة على التسول والمعونات، وإذا لم يكن لدى من يعيشون في هذا البلد رأي فيمن يحكمهم أو يخطط لهم حياتهم، فإنه لبؤس رهيب أن يقرر من يحكم كل شيء بما فيها صورة المحكوم وسمعته وعلاقته بمن يعيشون حوله في العالم. أنا لا أريد أن يراني الخليجي أنا أو غيري كمتسول محتمل، أو عاهرة حتى ثبوت العكس. ولا أريد أيضًا أن تكون صورة الخليجي في ذهني إما زبون التاكسي المتعجرف الذي يلقي لي بالأموال على الكرسي بعد توصيلة لكباريه، أو الكفيل المتحكم في محياي ومماتي في بلاد الغربة وفي بلادي أيضًا. أريد أن يحترمني الناس جميعًا كما أحترمهم.

قابلت في حياتي الكثير من سكان الخليج الذين دارت بيني وبينهم مناقشات مبهرة عن تاريخ هذه المنطقة وعلاقات البشر فيها. اكتشفت كيف صنعت السياسة توقعات مسبقة ومسارات محددة للعلاقات بين البشر لا يريدونها هم ولا يستسيغونها حتى لو كانوا مستفيدين. قابلت فنانين ومثقفين خليجيين يطمحون في تطور وتحرر لبلادهم، ويشتركون معي في نقمة وغضب على من يديرون الأمور ويصنعون صورة هذا المواطن أو ذاك، هنا أو هناك. وجمعتنا رغبة في التعلم والخروج من القوالب التي أعدها لنا الآخرون. مقابلات مثل تلك لم تُصنع لها ڤيديوهات ترويجية، ولم يُنفق عليها كل هذه الملايين. لم يشجعني أحد على أن تكون بيني وبين المواطن الخليجي علاقة قائمة على احترام متبادل وتقدير بقدر ما تشجعني الدولة الآن أن أحني رأسي، مثل الدولة لمن يدفع أكثر وأن أكون، مثل الدولة ومن يديرونها، خدام لقمة عيشي من سكات.

إذا كانت هذه هي الهوية التي يريد السيسي ومن معه أن نحافظ عليها، فلنفعل هذا على الأقل بشكل أكثر احترافية. افتحوا مواخير العشرينات التي كانت مفتوحة لجنود الإنجليز، ووقعوا الكشف الدوري على بائعات الهوي، ضعوا تسعيرة للزبون العربي والأجنبي والمصري (إن وجد). قولوا في الڤيديو “مصر رخيصة” وابنوا حملتكم الترويجية على هذا المبدأ الاقتصادي. الإنسان يحب دائمًا أن يدفع أقل إن أمكن، مقابل إقامة في فندق، أو تاكسي، أو صداقة، أو علاقة مع إنسان، الإنسان الرخيص دائماً أسهل في التعامل ويعطيك أكثر بكثير مما يأخذ منك. قولوا للعالم بوضوح أننا بلد رخيصة. وتوقفوا عن حشو أمخاخ الناس بخرافات عن الشعب العظيم، والبلد الأبي والـ ٧٠٠٠ سنة حضارة، فرسائل متضاربة كتلك لا تتبخر في الهواء، المواطن يفتح التليفزيون يومًا فيقال له أنه عظيم وأبهر العالم وعلّم الكوكب معني الحرية والديموقراطية، ثم في اليوم التالي “مصر قريبة”. علينا أن نختار اتجاهًا واحدًا لنستقر، إما الشحاتة أو تعليم العالم وإبهاره، أو التعليم على العالم وإبهاره برضه.

اعلان