Define your generation here. Generation What
حظر النشر: هل العدالة هى المستفيد؟
 
 

“أنا عندي اقتراح يا فندم.. لو اترفع حظر النشر عن قضية منتصر، هانشغل الرأي العام. هي دي عصاية موسى اللي هاتبلع كل التعابين”.. الجملة من سيناريو الكاتب بشير الديك في فيلم “الهروب” للمخرج عاطف الطيب، المعروض سنة 1991. قالها ضابط شرطة كبير لمسؤوله، خروجًا من مأزق تعرضت له الداخلية بهروب واحدة من المتهمات في قضية فساد كبرى.

تم تداولت الجملة المذكورة بين ألسنة الكثير عقب قرارات النائب العام خلال الأيام الماضية بحظر النشر في قضية تعذيب وقتل المحامي كريم حمدي في قسم شرطة المطرية، والمتهم فيها الضابطان بقطاع الأمن الوطني المقدم محمد حماد والرائد محمد الأحمدي، وقضية قتل المتظاهرة شيماء الصباغ، والمتهم فيها المقدم في الأمن المركزي مصطفى أحمد.

بين الأسئلة التي طرحها المتابعون للموقف، عن إذا ما كانت قرارات حظر النشر تصدر فقط في القضايا المتورطة فيها الأجهزة الأمنية، وبين الدعوى الثابتة للنيابة العامة لتبرير القرارات بـ “حفظ سير التحقيقات”؛ فإن نظرة على أهم القضايا التي حُظر النشر فيها قد تقدم خيطًا للإجابة عن المسألة.

واحدة من أبرز القضايا التي أصدرت النيابة العامة فيها قرارًا بحظر النشر، كانت قضية محمد فودة، سكرتير وزير الثقافة الأسبق. حين ألقي القبض عليه عام 1997 ومعه محافظ الجيزة الأسبق ماهر الجندي، وتحفظت النيابة في حينها على تسجيلات بين فودة ومسؤولين كبار في الدولة تخص قضايا فساد ورشوة. وأصدرت النيابة قرارها بحظر النشر لأي أخبار أو معلومات عن القضية قبل إدانته والحكم عليه بالسجن خمس سنوات.

قضيتان أخريان في العام 2008، الأولى كانت تخص اتهام ثلاثة قضاة بعد توجيه تهمة تلقي الرشوة. والأخرى تتعلق بفساد داخل مجلس الشورى تورط فيه عضو الحزب الوطني المنحل محمد فريد خميس، وعلى إثر قرار الحظر الخاص بالثانية تم التحقيق مع خالد البلشي، الذي كان مديرًا لتحرير جريدة “البديل” اليومية في حينها، بتهمة خرق قرار صادر عن مكتب النائب العام.

في العام نفسه، أصدر النائب العام قرارًا بحظر النشر في قضية اتهام عضو مجلس الشورى وعضو الحزب الوطني، المقرب بصفة شخصية من عائلة مبارك، هشام طلعت مصطفى وضابط الشرطة السابق حسام السكري، بقتل المغنية اللبنانية سوزان تميم، ما أثار جدلًا وقتها عن تأثير النفوذ السياسي لطلعت مصطفى، وكون ضابط سابق عمل قاتلًا مأجورًا.

جمال عيد، المحامي ومدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، يقول لـ«مدى مصر»: “إن حق حظر النشر مكفول للنيابة العامة في قضايا تتعلق بالأحوال الشخصية أو المتعلقة بالأمن القومي، لكنه يؤكد أن هذا الحق يستوجب التطبيق في أضيق الحدود وبشفافية كاملة”.

يوضح عيد: “علامات الاستفهام المحيطة بجهاز العدالة في مصر، وهي قديمة، تجعلنا نتساءل إذا ما كانت مثل هذه القرارات تأتي لحماية أشخاص مرتبطين بالسلطة أو مقربين منها، على سبيل المثال، في الشهرين الأخيرين صدر قرار حظر نشر في قضية مقتل شيماء الصباغ ومقتل محامي المطرية، علمًا بأن المتهم في القضيتين هم ضباط شرطة”.

كان عدد من المحامين قد قاموا اليوم، الأحد، بتنظيم مسيرة من نقابة المحامين إلى مكتب النائب العام في دار القضاء العالي، وقاموا بتقديم بلاغين بشأن إلغاء قرار حظر النشر في قضية مقتل محامي المطرية، وحضور المحامين جلسات تجديد حبس الضابطين المتهمين.

ويضيف عيد: “قضية مثل تحقيقات أنصار بيت المقدس مفهوم ومبرر قرار حظر النشر فيها، لكن على الأغلب فإن هذا النوع من القضايا التي تستحق مثل هذا الإجراء نجدها يوميًا على صفحات الجرائد دون حسيب، مثل قضية “حمام باب البحر”، التي تمس مواطنين لهم حياتهم الخاصة والتي تمس حرمتها في قضايا متعلقة بالحياة الشخصية تمت تبرئتهم منها”.

ويقول: “إن مسألة النشر لطالما استخدمت لتصفية حسابات أمنية وسياسية”، مضيفًا: “في عام 2003، قرأ الصيدلي جمال عبدالفتاح خبر اقتحام صيدليته واتهامه ببيع أدوية مخدرة، قبل أن يحدث الاقتحام بساعتين.. من وزّع الخبر على الجرائد لم يعتقد أنه سيُنشر في الطبعة الأولى، فاقتحموا الصيدلية بعد نشر الخبر بساعتين”.

وينهى عيد حديثه مؤكدًا: “إن أرادت النيابة العامة استخدام هذا الحق، فعليها أن توضح أسبابه بدقة، وأن تنفذه لفترة محدودة هي فترة التحقيقات فقط”.

كان النائب العام قد أصدر في يناير الماضي قرارًا بحظر النشر في قضية اختطاف النقيب أيمن محمد إبراهيم الدسوقي، الضابط بمصلحة أمن الموانئ في شمال سيناء، وذلك حفاظًا على سير التحقيقات، قبل أن تنشر جماعة “أنصار بيت المقدس” في وقت لاحق فيديو يصوِّر عملية الاختطاف واغتيال الدسوقي، وبعد قرار حظر النشر في تلك القضية بشهر واحد فقط، أصدر النائب العام قرارًا بحظر النشر في قضية قتل شيماء الصباغ.

قرار حظر النشر في قضية قتل الناشطة شيماء الصباغ رسم مسارًا مميزًا للقضية. إذ نُشرت أخبار عن التحقيق مع 17 ضابطًا في القضية، فأصدر النائب العام بيانًا ينفي هذه الأخبار، ويقرر حظر النشر، فبقيت الأخبار “الكاذبة”، بحسب النيابة العامة، هي الأخبار الأخيرة المنشورة عن القضية.

عضو مجلس إدارة نقابة الصحفيين خالد البلشي يقول لـ«مدى مصر»: إن “المشكلة الحقيقية تكمن في إصدار مثل هذه القرارات في ظل غياب تشريع لحرية تداول المعلومات”.

ويفسّر الأمر: “مثلًا، في قضية مقتل شيماء الصباغ، لو افترضنا حسن النية، فالنائب العام قال إن الأخبار المنشورة كاذبة، ومنع النشر بعد ذلك.. علمًا بأنه هو المنوط به توضيح الأخبار الصحيحة”.

ويضيف: “لكن، وبغض النظر عن افتراض النية الحسنة، فالشكل الذي خرج به القرار جعل الكثير يتشكك في كون النيابة العامة تخشى تأثير وزارة الداخلية ـ بوصفها هى المتهمة ـ على تحقيقاتها”.

اعلان