Define your generation here. Generation What

الزمن والأوسكار ومرثية الثلاثينات

لا أعلم إن كنت أرى ما أريده في الأفلام، أو ربما هي مصادفة أن يكون محور أفلام هذا العام، التي حازت على اهتمام النقاد وتضاربت الآراء حولها، هو الزمن.

تؤرقني حركة الزمن منذ بداية العام الماضي. ربما لأني أتممت عامي الخامس والثلاثين في ٢٠١٤. أعلم أن الوقت يمر بالتأكيد، لكننا ندرك هذا المرور فجأة. يتحدث البعض عن لحظة نضوج مفاجئ حين تكتشف أن ذلك الجسد في المرآة ليس هو نفس الجسد، وأن تلك الصورة الأخرى في الانعكاس ربما ليست نفس الشخص التي انطبعت صورتها في ذاكرتي على مدار العشرة سنوات الأخيرة، والتي مرت سريعا.

أحد أهم انتاجات السينما هذا العام هو فيلم “بويهوود” أو “الصبا” كما يرى البعض ترجمته. عندما شاهدت الفيلم للمرة الأولى لم أنبهر بالجانب التقني في فكرة تصوير فيلم على مدى ١٣ عاما، تكبر خلالها كافة الشخصيات بالفعل، وليس كبر عن طريق المكياج. بطل الفيلم طفل في السادسة من عمره، يمر برحلة الطفولة ليخرج من المراهقة نحو الاختيارات والأفق المفتوح مع بداية دخوله الجامعة. رحلة الصبا هذه، رغم أهميتها في تكوين الشخصية، ربما تكون هي الرحلة الوحيدة التي نتمنى أن تمر سريعا.

لكن ما أفزعني حقا في فيلم “بويهوود” هو ذلك التكثيف لثلاثة عشر عاما في ساعتين أو ثلاث ساعات. أكملت الثلاثة عشر عاما هذه مرتين وأقترب من المرة الثالثة، وأعلم جيدا إحساس أن يمر الزمن. أعلم جيدا ذلك الشعور المفاجئ بأن الشوارع تبدلت، الموضة والإعلانات والبشر والأحلام. لكن أن تعيش ثلاثة عشر عاما شيء وأن تراهم خلال ساعتين يمرون بين يديك شيء أخر.

خذ مثلا شخصية الأب في الفيلم ذلك الشاب المتحمس “الهيبي” المنطلق في الحياة، الرافض للقيود، والمُصر على امتلاك سيارة قديمة مكشوفة. يعيش بلا مهنة محددة، لكن مع تصالح كبير مع الحياة. وإذ به يتحول لرجل أسرة مهزوم محافظ، ينتهي به المطاف إلي مكان آخر تماما غير الذي بدأ منه. ينتهي حيث لم تبدأ أحلامه وقناعاته ودنياه. أمثاله كثيرون. رأيتهم أو أعلم بوجودهم.

أفهم تلك المرارة الخمسينية وتلك النظرة الخاوية المملوءة بالمرارة. مرارة الزمن الذي مر على غير ما يريد الهوى. غير أن هؤلاء كانت مشاهدتي لهم دائما ما تكون عابرة، أما أن تكثف العابرات في ساعتين من حركة الزمن، ربما كان هذا هو الجانب المؤلم في “بويهوود”.

المرأة وحركة الزمن. العجز وتقدم السن. الانتقال إلى ما بعد الأربعين. ماذا يحدث في تلك السنوات العشرين من العشرين إلى الأربعين؟ لم أنشغل كثيرا بهذا السؤال.. مررت عليه سريعا لكن لم أهتم بالرد عليه أيضا ربما لأتجنبه وإذ بي أمام فيلم آخر يحاصرني بنفس الأسئلة ويجسدها أمامي.

في فيلم “سحب سيلس ماريا” تقدم جولييت بينوش كعادتها دورًا عبقريًا لممثلة تصل للأربعين ويعرض عليها دورًا في مسرحية تتحدث عن قصة حب نمت بين سيدتين، واحدة عشرينية والأخرى أربعينية. منذ عشرين عامًا كانت تؤدي دوري “العشرينية” وبعد عشرين عاما ها هي تؤدي “الأربعينية”. اختلف الجسد وقصة الشعر والرغبات والاهتمامات. هنا لا تقف البطلة فقط أمام صورتها المتغيرة في المرآة. بل هناك ما هو أقسى.

هناك فتاة أخرى تماما عشرينية، ممثلة ذات موهبة وطاقة متحررة جديدة تظهر كشمس تغمر بطلتنا في الظلال. قدم لنا مخرج الفيلم بطلته مُطلقة ولم يقدمها أم. ربما أسهل كثيرًا عندما تدرك سيدة مقبلة على الأربعينات أو تجاوزتها أن هناك شعرًا أبيضًا يغزو رأسها أن تقول “ما أنا أم عادي بقي”. ربما تحسم الامومة تلك الاسئلة والمخاوف بشكل أسهل لمن أنجبت أبناءًا فتتعايش مع كبر الزمن وتقدم السن من خلال إشباع أمومتها أو ربما تقرر أن تلك الشابة الجديدة “زي بنتها”.

لكن لماذا يخيفنا الزمن ومروره؟ هل هو أمر متعلق بالجسد وتغيراته؟ هل هو أمر متعلق بالأحلام المجهضة؟ هل هو متعلق بظهور أجيال جديدة تصعد لتطلب مكانًا كنا يوما فيه؟ أم هو سؤال له علاقة بالتحقق؟

بمعادلة بسيطة تستطيع أن تتسامح مع مرور الزمن إذا ما وازنت بين الوقت الذي مر وما حققته خلاله. كل يوم نتحدث عن يوم “منتج” فما بالك بحياة منتجة.

فيلم “بيردمان” يعرض لنا قصة رجل أزمته الكبرى ليست مرور الوقت فقط. ليست فقط الجسد الذي لا يستطيع أن يطير لكنه أيضا لم يحقق أي نجاح احترافي حقيقي في مهنة التمثيل. هو ممثل عادي محدود القدرات لم يحصل على تحقق مهني فوق العادي يحفظ له وجوده في كتب التاريخ.

فيلم “ويبلاش” جاء على صعيد أخر زاد من حيرتي بخصوص سؤال التحقق أكثر. في “ويبلاش” نجد شابا في التاسعة عشر من عمره مولع بأن يكون معجزة أو فلتة في موسيقي الجاز. فهو يدخل في تجربة مؤلمة مع مدربه وأحد الموسيقيين المرموقين، ويلقى منهما قسوة تهدد حياته ذاتها. يدخل التجربة وهو يعلم جيدا أنها تهدده ويكملها حتى النهاية لأنه يبحث عن الأسطورة.

أنا شخصيا لم أستطع أن أحدد موقفي من تلك القسوة التي تنهك الجسد والروح في مقابل الأسطورة. هنا تنمو المعضلة أمامي إذا كنت في التاسعة عشر فهل الأفضل أن تعيش وتنطلق وأن تترك نفسك للتيار بكل الآمال والأفكار المفتوحة؟ شيء جميل لكنه ربما ينتهي كالأب في “بويهوود” بالنظرة الخاوية المكسورة. لكن ربما إذا قضيت ساعات وأيام وشهور في التدريب والعمل الشاق ستكون أسطورة، كأسطورة عازف الساكسفون تشارلي باركر الذي ظل بطل فيلم “ويبلاش” الشاب يفكر فيها ويضعها نصب عينيه لكن باكر مات وعمره 35 عاما.

سؤال التحقق صعب وتغذيه طبقة وسطي يشبه أبنائها بعضهم البعض، فلا يجد آباء وأمهات تلك الطبقة سوي هوس التحقق والدفع بالأبناء في السباق المحموم لربما تحولوا لأسطورة. أو ربما لحمياتهم من قسوة تلك اللحظة الستينية أو السبعينية. ماذا حققت؟ لا شيء.

لم أري الفيلم الذي أثار ضجة العام “إنترستيلر”. لكنهم حكوا عن تجسيد النسبية أخيرا علي الشاشة الكبيرة، حيث اليوم في مكان ما من الكون يساوي عشرون عاما بساعتنا الأرضية. حيث يوجد مكان ما، لا يعني فيه الزمن شيء وينتصر فيه الإنسان. لا أعلم. أعلم فقط إني أرى هناك فوق رأسي ساعة حائط قديمة كبيرة لكن ليست عملاقة، ربما أنسي صورتها أو لا أراها في كل مكان، لكني أسمع صوت دقاتها يحاصرني في أي لحظة وأي مكان.

اعلان
 
 
يارا شاهين