Define your generation here. Generation What

الصورة قبل الحدث.. قراءة في أفلام داعش

“لا يمكن الاطلاع على أي جريدة في أي يوم كان، في أي شهر، في أي عام، دون أن نجد في كل سطر أدلة مخيفة على الانحراف الإنساني: حروب وجرائم وسرقات وفسوق وتعذيب والأعمال الشريرة للأمراء وللدول وللأفراد؛ أورجي من الفظاعة العالمية. وبفاتح الشهية المقزز هذا، يغسل الإنسان المتحضر يوميا طعام إفطاره”. من مذكرات شارل بودلير حوالي عام ١٨٦٠.

كتب بودلير هذه السطور في بدايات العهد بالتصوير، فهو هنا لم يكن يعني صور المآسي وإنما الأخبار المكتوبة عنها. أكتب مقالي هذا بعد نشر فيلم ذبح المصريين بدم بارد على شاطيء البحر في ليبيا. ربما سيتبع هذا الفيلم وقبل نشر المقال أفلام أخرى على نفس الشاكلة وربما أفظع منها. وسواء حدث أم لم يحدث، أعتقد أن هذا الفيلم والفيلم الذي سبقه، والذي يصور الطيار الأردني معاذ الكساسبة وهو يحرق حيا داخل قفص، يستحقان وقفة متأملة.

بحكم المهنية، لا يخفى على أي صانع صورة شاهد هذين الفيلمين أن مجهودا فائقا بذل في إخراجهما. وهنا أستخدم كلمة إخراج بالمعنى المتعارف عليه في مجال السينما. فنحن هنا بصدد مُنتَج سينمائي قيمته الإنتاجية مرتفعة. والقيمة الإنتاجية تعبير متخصص يعبر عن شكل التعامل مع المضمون. فمثلا على النقيض من فيلمي داعش، فيلم الإيراني جعفر بناهي، “تاكسي”، والحائز مؤخرا على جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين؛ فيلم قيمته الانتاجية منخفضة فهو صور بالكامل بكاميرات صغيرة أو بكاميرات هاتف محمول. فيلم ليبيا ومن قبله فيلم الأردن، كُتب لهما سيناريو وحوار وتم التعامل المسبق مع كل إشكالياتهما الإنتاجية والفنية والتسويقية من اختيار موقع التصوير واختيار وقت التصوير والتحكم في الحركة ووجهة نظر الكاميرا وزوايا التصوير (ومنها يستدل على وجود أكثر من كاميرا في الموقع) والتكوين المحكم، (وفي حالة فيلم ليبيا) الفارق الواضح في البنية بين القتلة والأسرى والتباين في ألوان ملابس الفريقين وأخيرا المشهد التأثيري لاختلاط الماء بالدم والذي ليس له أي وظيفة معلوماتية وإنما لا غرض له إلا التأثير.

نحن هنا بصدد تحكم مُحكم في ما يقارب خمسين فردا، ليس فقط أمام الكاميرا ولكن فيما سبق ذلك من بروفات (فمجال الإعادة المتاح في السينما ليس متاحا هنا)، منهم ٢١ شخص في حالة رعب ما قبل الموت، فهم ليسوا ممثلين وإنما محكوم عليهم بإعدام حقيقي، وما تلى التصوير لا يقل عنه احترافية: المونتاج ثم التسويق للمنتج من خلال إطلاق مقاطع منه في الأيام التي سبقت نشره بالكامل كدعاية له (تريلر)، تماما كما يحدث مع أفلام السينما.

وهذا على مستوى شكل المنتج والذي عرفته كفيلم سينمائي – وإن كان ما سجله حدث في الواقع – لإن كل تفاصيل إنتاجه تشير إلى نية مسبقة داخل إطار محكم مقصود به تحقيق صورة بعينها.

فماذا عن المضمون أو الرسالة؟ نحن هنا بصدد رسالتين. الأولى معلنة وظاهرة للعيان: أعدمنا ٢١ قبطيا انتقاما لوفاء وأخواتها. تورد هذه الرسالة ردود أفعال غاضبة: شجب وإدانة للفعل البربري، الرجعي، المتخلف، وليد دموية العصور الوسطى ورغبة قوية في الثأر للأرواح التي أزهقت بدم بارد. لكن هناك رسالة أخرى مبطنة أقوى من الرسالة الظاهرة: نحن أبناء القرن ال٢١، شاهدنا أفلام هوليود ولعبنا بألعاب الفيديو ونحن على إدراك تام بقوة الصورة وبأن الصورة تصنع الحدث ولذا فنحن لا نسجل أحداثا وإنما نصنع صورا فائقة الجودة بما لدينا من إمكانيات مادية وتقنية، تضاهي في جودتها صور أعلى الأفلام تكلفة لتؤرقكم الصور في مضاجعكم. فإن كنا قادرين على صناعة صورا بهذا الشكل فما بالك بقدراتنا القتالية؟ وربما ما هو مرعب في هذه الرسالة أكثر من أي شيء هو إدراك جاذبيتها الدعائية لقطاع كبير من الجنود المحتلمين في جيوش داعش.

أتوقف عند هذين الفيلمين لأني أعتقد أنهما يؤذنان بدخولنا إلى عصر جديد، عصر ما بعد الصورة الصحفية أو ما أسميه عصر ما بعد بعد-الحداثة.

في عهود التصوير الأولى، اعتبرت الصورة سجلا واقعيا لما حدث أمام الكاميرا، تفوق في قدرتها التسجيلية أي وسيلة تصويرية أخرى وبالتأكيد تفوق قدرة الكلام على نقل الحدث. ومع مرور الوقت تنوعت استخدامات الصورة ووظفت لخدمة أغراض مختلفة كما امتد استخدامها للتعبير الفني. وانطلق الحديث الجدلي حول قدرة الصورة على نقل الواقع وهو جدل سبق – على عكس ما يعتقد البعض – بحقب عديدة التصوير الرقمي وإن كان اختراع الخدع الرقمية أدى إلى احتدامه وتحوله من شأن متخصص إلى شأن عام. الآن وإلى حد كبير لا ينظر إلى التصوير كتسجيل ميكانيكي للواقع ولا يلتفت فقط لاحتمالية وجود خدع من عدمه ولكن بشكل أهم، إلى وجهة النظر، وجهة نظر الواقف وراء الكاميرا والتي لا تخلو من الانحياز. ومع تغلغل الصور في كل أوجه الحياة وتحديدا في نهاية الستينات بدأ التنظير النقدي حول الصورة والدور الذي تلعبه في حياة الشعوب. وهو ما أفردت له الكاتبة والمفكرة الراحلة سوزان سونتاج كتابين الأول: “عن التصوير” ١٩٧٧، والثاني “عن الالتفات لآلام الآخرين” ٢٠٠٣.

في كتابها عن التصوير، تعرض سونتاج فكرتين متضادتين. الفكرة الأولى مضمونها أن الصورة هي التي تجعل أي حدث حقيقي، فهي التي تشكل اهتمامنا بكارثة دون أخرى وبأزمة دون غيرها، فنحن نلتفت فقط للألم الذي نراه. وبالتالي تصبح الصورة هي المحفز الأول للتصدي للحروب وأهوالها. والفكرة الثانية مضمونها أنه في عالم مشبع بالصور، تقل تدريجيا قدرة الصورة على التأثير. فبالرغم من أن الصورة تسجل حدثا حقيقيا إلا أنه مع تكرار تعرضنا لصور مؤلمة تكتسب الأحداث التي سجلتها الصور بعدا غير حقيقي ويصيبنا ما يمكن وصفه بالتبلد وتقل قدرتنا على التعاطف مع تصاعد إحساسنا بقلة الحيلة.

تعود سونتاج بعد ثلاثين عاما وتعدل فكرتها الثانية: الإشكالية ليست في ضعف مرتبط بالصورة ذاتها وإنما بوسيلة تناولها، فتناولنا الصور على شاشات التلفزيون (والآن على الإنترنت) يجعلنا في حالة من العادي فيها أن ننصرف من صورة إلى أخرى وأن يصيبنا عدم التركيز والملل. ويتنافس صانعو الصور على الحفاظ على اهتمام المتلقي وتحفيزه بشكل مستمر والمزايدة على صدمة المضمون. وتنتقد سونتاج توجهها السابق للدفاع عن والحفاظ على الواقع من تأثير الصور التي تضعف ردود أفعالنا له فكيف لنا أن نمنع تدفق الصور؟ وتصف بالراديكالي توجها آخرا يجادل أنه ليس هناك واقع يمكننا الدفاع عنه. فنحن الآن نعيش في مجتمع الاستعراض: كل شيء يُحوّل إلى استعراض ليصبح حقيقيا، ليصبح مثيرا للمتلقي. كل فرد يبغي أن يتحول لصورة. ويتراجع الواقع ولا يبقى منه إلا إعادة تمثيله في صور. وهو ما تطرق له الفيلسوف الفرنسي جي ديبور عام ١٩٦٧ في كتابه مجتمع الاستعراض ومن بعده آخرون منهم جون بودريار. هذا التوجه تفرع من رأي إبان حرب البوسنة أن الحروب لم تعد تُكسب أو تُخسر في الواقع وإنما في الإعلام. تصف سونتاج هذا الرأي بالإقليمية فهو يعمم على كافة الشعوب عادات تلقي الأخبار في الجزء الغني المتعلم من العالم والذي تحولت فيه الأخبار إلى تسلية للذين لا يعرفون شيئا عن الألم إلا من خلال الصور التي تأتيهم في غرف معيشتهم. هناك الآن كليشيها مرتبطا بالحديث حول صور المآسي وهو متمحور حول عدم جدواها وعن التهكم المبطن المرتبط بنشرها. ودائما ما يتخلف لدى متلقي الصورة شكا حول نوايا صانعها. هذا الشك موجود على حد سواء لدى المتهكمين الذين لم يشهدوا حروبا قط ولدى ضحاياها. وتدلل سونتاج على شك الضحايا بمثال من حرب البوسنة. يصرخ مواطن من سراييفو في أوج القصف هناك في وجه المصورين الصحفيين: هل تنتظرون أن تنفجر قنبلة حتى تصوروا بعض الجثامين؟

رحلت سوزان سونتاج عن عالمنا قبل خروج فيلمي داعش. فماذا كانت لتقول عنهما وكل تحليلاتها السابقة أساسها قائم على الصورة كتسجيل ونقل لواقع ما تصادف وقوعه أمام الكاميرا أو إن استخدمنا المثال البوسني، تحلّق المصورون تحسبا لحدوثه أمام كاميراتهم؟

نحن في فيلمي داعش لسنا بصدد تصوير صحفي لحدثين مريعين. نحن هنا بصدد حدث خُلق بأدق تفاصيله في المقام الأول بغرض أن تسجله كاميرا وليشاهده الملايين. عندما عرَّف جي دي بور مجتمع الاستعراض كان معنيا في المقام الأول بالمنحى الاستهلاكي الذي اتخذه المجتمع. كان يقدم نقدا لصور الإعلانات وتأثيرها على رغبات الناس وما يعدونه ضروريا، وعن تأثير هذه الصور على تسطيح رؤيتهم لأنفسهم في محاكاتهم للصور الموجهة إليهم. وماذا عن الصور التي تنقل صور الحروب والمآسي؟ انتقل فكر ديبور عن المجتمع الاستهلاكي وتأثير الصور السلبي على تعاطي المجتمع مع الواقع ليعبر عن حال المجتمع في تعاطيه مع صور الحروب والمآسي، وأين هو الآن وإعادة تمثيل العنف لا تقتصر على كونها وسيلة للتلهي على شاشات التلفزيون وفي قاعات السينما وكألعاب فيديو وإنما يعاد تمثيل العنف للإرهاب ونشر الرعب بين الناس؟

أنا أجادل أننا تعدينا مرحلة مجتمع الاستعراض وسيادة الصورة الاستهلاكية إلى ما بعدها: مرحلة الرعب كصناعة، الرعب الأصلي، لا كحرب دموية بين طرفين على أرض معركة وإنما كصورة زاهية الألوان “هاي دفنشن” للرعب الحقيقي، الرعب كما لم تراه من قبل. نحن في مرحلة فيها صورة الرعب ليست نتيجة فرعية للحدث وإنما هي سابقة على الحدث ولست هنا أعني أنها تسبقه على خط الزمن وإنما تسبقه على مستوى النية. النية المسبقة هنا على الظاهر من الدلائل التي أفردتها هي صنع صورة لا تضاهيها صورة، صورة تغلب بتأثيرها تبلد المتلقين وتملأ قلوبهم بالذعر. وبينما كانت في السابق الصور الصحفية قائمة على صيد صور أكثر درامية للتماهي مع ثقافة، تقع الصدمة فيها موقع الدافع الأهم للاستهلاك ومصدر القيمة الأساسي، نحن الآن لسنا بصدد صحافة، هذه سينما الرعب في الواقع. أدرك صناع أفلام داعش أننا تبلدنا أمام ذلك الكم من صور القتل التي شهدناها، فأتوا لنا بما هو أكثر صدمة من أي شيء شهدناه من قبل، ما هو أكثر إثارة من أضخم الأفلام ميزانية في هوليود، بنفس لغة الأفلام والجماليات التي ألفناها. ولعجز البعض على تقبل إحتمالية وجود هذا القدر من القسوة المبيتة أنكروا المضمون وحاولوا تحييده ولكن بنفس لغته، لغة السينما: هذه خدعة سينمائية؛ معاذ الكساسبة لم يمت حرقا وإنما مات برصاصة في رأسه والنيران خدعة. لكن هؤلاء كانوا قلائل ضمن الألاف المؤلفة الذين أحدثت فيهم الصور رد الفعل المطلوب: الصدمة.

طرحت سوزان سونتاج سؤالا: كيف يمكن أن تجتذب أحدا لمنتجك؟ كيف يمكن أن تخترق البلادة التي أصابت المتفرجين من كم الصور التي تعرضوا لها؟ وتجيب: في ثقافة تم إعادة تشكيلها بشكل راديكالي بصعود قيم السوق، الصور مطالبة بأن تكون صارخة وصاخبة وفاتحة للأعين. كتبت سونتاج كلامها هذا منذ ما يزيد على عشر سنوات. وأُعقب أنا: داعش لا تقدم صورا تفتح الأعين وإنما صورا لا نستطيع معها أن نغلق عيوننا. أما وقد قهر داعش التبلد، لا أسأل لماذا؟ فسوف تتوالى الإجابات على هذا السؤال تباعا. لكن أسأل: أما وقد قهر داعش التبلد، فماذا نحن فاعلون؟

أختم مقالي بمشهد بقى عالقا في الذاكرة ثم عاد ليترائى أمام عينيّ بعد أن أفلتَّ من التبلد.

أمام مقر الخطوط الليبية – تقاطع شارع قصر النيل وشارع جواد حسني – صباح باكر – خارجي

الشارع خالي إلا من بعض المارة ويتحلق حول مقر الطيران الليبي مجموعة من الشباب والرجال في جلابيب وملابس بسيطة ويجلس بعضهم القرفصاء ويتبادلون أطراف الحديث في انتظار أن يفتح المحل أبوابه. المحل زجاجه متسخ ولا يبدو وأنه فتح من زمن والحرب على أوجها في ليبيا.

ويتكرر المشهد.

أمام مقر الخطوط الليبية – تقاطع شارع قصر النيل وشارع جواد حسني – صباح باكر – خارجي

الزجاج مازال متسخا والشباب والمحل مفتوح والشباب والرجال بالداخل يبتاعون تذاكر السفر والحرب مازالت على أوجها في ليبيا.

قتلت داعش ٢١ مصريا قتلا سينمائيا مثيرا، يفوق الخيال، سجلته الكاميرات وسجله التاريخ كواقع. والفقر قتلهم هم وألاف غيرهم قتلا عاديا، مملا في

تفاصيله الواقعية، ولم تسجله الكاميرات ولن يتذكره التاريخ فماذا نحن فاعلون؟

*نشر بالتعاون مع جريدة القاهرة

اعلان
 
 
هالة القوصي