Define your generation here. Generation What
الإخوان وتبني العنف: الوجه المُفَكك للتنظيم
 
 

أكثر من عام ونصف العام مرا على الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي، واعتقال قيادات تنظيم الإخوان، وعزل التنظيم كله عن المشهد السياسي الشرعي.

تميزت تلك الفترة بالكثير من الغموض في ما يتعلق بوضع التنظيم داخليًا. فيما ذهب الخطاب الرسمي للدولة، مدعومًا من الإعلام الخاص، إلى فكرة “شيطنة الإخوان”، وتصويرهم باعتبارهم الكيان الوحيد الذي يقف وراء كل الأزمات المحلية. ووصل الهوس بالفكرة حد أن مسؤولًا بهيئة مترو الأنفاق اتهم راكبًا حاول الدخول لعربة المترو دون شراء تذكرة بأنه “إخوانيًا”.

متابعة التغيرات التي كانت تحدث في أروقة التنظيم الأقدم سياسيًا في مصر، كانت تقول أن أمورًا أكثر جدية تدور حين كانت الدولة تتحدث عن مؤامرات ومخططات تديرها الجماعة للمنطقة بأسرها، دون تقديم خطاب مقنع.

وعلى الرغم من أن خطاب الجماعة الرسمي كان متخبطًا، وبدا جليًا انفصاله عن الواقع، بعد عزل مرسي، وتصديره لفكرة أن “الانقلاب يترنح”، فإنه وضّح أن أمرًا ما يتغير.

لأول مرة تأخذ الجماعة الخطاب إلى مداه الطائفي بوضوح وبشكل رسمي، عندما أصدرت بيانًا تعلق فيه على قرارات تجميد أموال الهيئات التابعة لها، وعنونت البيان بـ”غلق الجمعيات الإسلامية يفتح الباب أمام المنظمات التنصيرية لإخراج فقراء المسلمين من دينهم”.

كما أصدرت بيانًا آخر في ذكرى أحداث قصر الاتحادية، تحدثت فيه عن “السياسيون المصريون ذوو التوجهات العلمانية ليبرالية أو يسارية فهي تكره النموذج الإسلامي من منطلق أيديولوجي”، وهو ما أظهر اعتبار الإخوان الخروج عليهم حربًا على الإسلام.

حينها، طرُح سؤال هام.. ماذا يدور في تشكيل التنظيم؟ ومن يأخذ القرارات السياسية له؟

أحد قيادات الصف الثاني لجماعة الإخوان المسلمين، مقيم حاليًا في السودان، يقول لـ«مدى مصر»: “فجأة أصبحت الجماعة عارية. الصفان الأول والثاني اختفيا وأصبح الجمهور هو من يتحكم في التحركات”.

يفسر الأمر أكثر: “الصف الأول والثاني هما من كانا يقودان الجماعة عادة، شركاء في الشورى وإبداء الرأي، ولهم يد في اتخاذ القرار وتحديد الرؤى السياسية، بينما قواعد الجماعة مصابة بأمراض من الطائفية والتشدد ولا تمتلك رؤية سياسية دقيقة أو كانت في يوم ما على صلة بدوائر القرار داخل الجماعة.. فجأة أصبح الصف القيادي، الذي يتشكل من الطبقة الوسطى والمهنيين والنقابيين وأساتذة الجامعات إما في السجن أو اضطر للهرب أو استشهد. وأصبحت القواعد هي من تتحكم بشكل فعلي في أنشطة الجماعة”.

ويعيد المصدر لهذا السبب نتائج مثل التظاهرات التي تعرضت للكنائس أو شهدت شعارات سياسية “غير موفقة”.

بحسب مصدرنا، الذي طلب عدم ذكر اسمه، هذا الفراغ التنظيمي هو ما أنتج شعارات مثل “هانحرركم غصب عنكم”، أو ما جعل بعض المتحمسين يهتفون باسم “داعش”، التي وقفت أمام “النظام السوري وها هي تقف أمام النظام المصري في سيناء”.

كانت أحد مسيرات شباب الإخوان في المطرية منذ بضعة أشهر قد شهدت هتاف المشاركين فيها باسم “داعش”، كما تم رفع علم التنظيم في تلك المسيرة وسط المتظاهرين الذين يرفعون علامة رابعة

لكن مع استمرار الفجوة بين القيادات التقليدية، واستمرار أحداث العنف الموجهة ضد مسيرات الإخوان المسلمين وتحالف دعم الشرعية، كان الاحتكاك الرئيسي لقواعد الإخوان محصورًا في بقايا السلفيين الذين لا زالوا على موقفهم من مرسي وجماعته.

الاحتكاك مع السلفيين من جهة، واستمرار العزل السياسي لهم من جهة، طوّر الحس الراديكالي لدى شباب الجماعة، وأصبح مجرد المزاج العام للابتعاد عن أي فرص محتملة للتصالح مع النظام، اتجاهًا تنظيميًا يزداد بقوة داخل الجماعة، وإن كان يتعارض مع البيانات الرسمية الصادرة عن الجماعة التي استمرت في استنكارها للأعمال الإرهابية التي تشهدها مصر.

هنا، لدى الباحث في الحركات الاجتماعية أحمد عبد الحميد حسين توصيفًا لما حدث في المستويات التنظيمية للجماعة. يقول حسين: “مع كثافة الاعتقالات التي تعرضت لها الجماعة فقدت أهم ما يميزها وهو المركزية الحازمة. بالإضافة لمنع التواصل بين القيادات المعتقلة والمجموعات التي بالخارج، وتنوع التيارات الشديد بين إخوان الداخل وإخوان التنظيم الدولي.. كل هذه أمور جعلت التنظيم يمر بحالة ضعف ملحوظ”.

يضيف حسين: “ما خرج خلال الفترة الأخيرة في مقالات الإخوان وبياناتهم، يظهر أمرين أساسيين، الأول هو وجود اتجاه بين كوادر الجماعة يميل لانتهاج العنف، بالذات مع ترهل القيادة الحالية، الثاني هو رسالة واضحة للنظام بأن الإخوان قادرون على المضي في هذا الاتجاه حتى النهاية”.

وقبل أسابيع نشرت القنوات الداعمة للإخوان بيانات تطالب فيها الأجانب الموجودين في مصر بالرحيل، كما نشر بيانًا آخر على بوابة الإخوان المسلمين الإلكترونية، سرعان ما اختفى عن الموقع، يتحدث عن اتجاه واضح لدى الجماعة في الصراع مع النظام، حتى لو تم اللجوء للعنف.

وفي مؤتمر صحفي لرئيس حزب “مصر القوية” عبد المنعم أبو الفتوح، الذي كان قياديًا هامًا في الجماعة، قبل انشقاقه عنهم في العام 2011، قال إن “شباب الإخوان لجأوا للعنف.. وهو ما نرفضه”.

وكان أبو الفتوح وحزبه من أول التيارات السياسية التي أبدت معارضتها الواضحة للنظام الانتقالي وبعده النظام الحالي بعد عزل مرسي.

حسين يطرح رؤية أخرى لما حدث، يقول: “البعض يرى أن مسألة التحول نحو العنف ليست بعيدة عن فكرة الاختراق الأمني. الأمن بالطبع له مصلحة في ذلك. أولًا: إظهار الإخوان بمظهر الجماعة الإرهابية العنيفة. ثانيًا: قتل أي فرص ممكنة للمصالحة. ثالثًا: ضرب الحاضنة الشعبية”.

لكن الأمر ليس محصورًا في احتمالية المؤامرة الأمنية بحسب حسين الذي يضيف: “في الحالة العادية مسألة الاختراق صعبة، فالإخوان تنظيم مركزي ومتماسك. لكن الآن في ظل حالة الفوضى التنظيمية هذه، ولهاث الإخوان تجاه أي متحالفين محتملين، يعطي الفرصة الأكبر لتيارات قطبية جديدة في الوصول لمركز التنظيم”.

لكنه يعود ويسأل أسئلة، الإجابة عليها، في رأيه، ليست مؤكدة من قبل أي طرف: “الآن أشخاص مثل باسم خفاجي وقناة الشرق يتحدثون باسم الجماعة ويوضحون مواقفها.. من يعلم من هو باسم خفاجي ومن يقف ورائه؟ من هو بالضبط من يمول قناة كبيرة مثل قناة الشرق؟”.

وتعد قناة “الشرق” التي تبث برامجها من تركيا أحد أشهر القنوات المحسوبة على الإخوان المسلمين حاليًا، وقد حققت جزءًا كبيرًا من شهرتها بعد إذاعتها تسريبات صوتية منسوبة للواء عباس كامل، مدير مكتب الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهي ممولة من عدد من رجال الأعمال، وعلى رأسهم باسم خفاجي رئيس حزب التغيير والتنمية.

الأمر بالنسبة لحسين معقد وبه الكثير من الاحتمالات، لكنه يؤكد أن ثمّة انتصار تنظيمي لقواعد الجماعة، التي تميل للتحركات اللامركزية وتتأثر بتيارت قطبية جديدة.

ما يحدث يعيد للأذهان السجالات الكبرى التي تعرض لها الإخوان في التاريخ. ربما المثل الأهم هو حالة قطب-الهضيبي.

في العام 1965، شهدت الجماعة شقاقًا فكريًا واسعًا بين أنصار سيد قطب، الذي سطر أفكاره في الكثير من المؤلفات، أبرزها “معالم على الطريق”، وبين “عقلاء الجماعة” الذين أصدروا وثيقة مقابلة لأفكار قطب بعنوان “دعاة لا قضاة” تنسب للمرشد الأسبق حسن الهضيبي.

وبينما كانت أفكار قطب ترى أن الأنظمة الحالية هي “أنظمة جاهلية كافرة” يتوجب مخاصمتها ومحاربتها، وتدعو للانغلاق التنظيمي وسرية الدعوة، رأى قيادات الجماعة أن ذلك يمثل انحرافًا عن أفكار الإمام المؤسس حسن البنا، وعقدوا محاكمات داخلية داخل المعتقلات لـ”المنحرفين” عن فكر الجماعة.

أحد قيادات الحراك الطلابي في الإخوان المسلمين، طلب عدم ذكر اسمه، يقول لـ«مدى مصر»: “الوضع الحالي مختلف عن حالة الستينات. هناك خلاف إذا كانت الأزمة القديمة انتجت شقاق تنظيمي أم أنه كان مجرد شقاق فكري تم استيعابه تنظيميًا. ما يحدث الآن هو غلبة لتيار راديكالي على حساب تيار إصلاحي”.

يضيف الشاب العشريني: “القواعد ملّت خطاب التنظيم الرسمي ولا ترى في خطاب القيادات الدولية مخرجًا من الأزمة الحالية، خصوصًا وأنهم هم من يقودون التحركات دون الرجوع للآليات التنظيمية المعتادة”.

ويرى الشاب أن تعامل النظام مع تحركات معارضيه لم تترك مجالًا للعمل السياسي العادي أو للتصالح بناءً على قواعد سياسية جديدة. “الإعدامات بالجملة والقتل اليومي للمعارضين، وشيطنتنا في الإعلام، كلها أمور دفعت الشباب لتبني الخيارات الجذرية”. ويضيف: “عندما يردد النظام لعام ونصف أن الإخوان يتّبعون العنف، في حين كنا نتحرك في شكل مسيرات ومظاهرات سلمية.. في النهاية مع كل هذه الدعاية سنقول: حسنًا تريدون عنف.. فليكن”.

كان الأسبوع الماضي قد شهد عودة للاشتباكات المتفرقة بين متظاهرين منتمين للإخوان وقوات الأمن، في جامعة الزقازيق وفي منطقة الطالبية بحي الهرم في القاهرة، وفي قرية الميمون التابعة لمركز الواسطي في بني سويف، كما اعتدى طلاب الإخوان في جامعة القاهرة على مصور جريدة «المصري اليوم» أثناء محاولته تغطية أحد مسيراتهم.

وبعيدًا عن اشتباكات الأسبوع الماضي، كانت معلومات عديدة قد ترددت عن نيّة الإخوان تأسيس حلقات تنظيمية تستهدف الهجوم على المراكز الأمنية أو الاستهداف الفردي لضباط الشرطة. لكنها بقيت تنبؤات من متابعين للشأن الإخواني مثل أحمد عبد الحميد حسين. التدقيق في تلك المعلومات والتأكد منها لم يكن أمرًا ممكنًا، على الأقل إن أردنا إتمام ذلك بشكل جدي بعيدًا عن الاتهامات المرسلة والدعايا السياسية.

لكن، أيًا كان، يبقى أن الجماعة أصبحت منقسمة حاليًا بين دعوات مصالحة تظهر بين الحين والآخر، وحديث عن مراجعات إخوانية داخل السجون مصحوبة بإقرارات توبة يتم توقيعها داخل السجون، وبين ممارسات ميدانية عنيفة مصحوبة بخطاب واضح يقول أن لا مشكلة لديهم مع العنف. وفي أسابيع مقبلة، سيتأكد الأمر، أهو مجرد تهديد واستعراض سياسي في سياق ثنائية الجيش والإخوان، أم أنها مرحلة جديدة من الصراع سيكون لها مجرياتها الميدانية.

اعلان