Define your generation here. Generation What

إلى المنحازين للمستقبل: ليس جلدًا للذات

“لا أريد أن أموت قبل أن أموت” – نجيب محفوظ


مجموعة من المصريين يريدون أن يعودوا إلى عصر الخلفاء والسلاطين. مجموعة من المصريين يريدون أن يعودوا إلى أيام الملك ونخبته. مجموعة من المصريين يريدون أن يعودوا إلى أيام ناصر ودولته وقبضته الحديدية .. الزعيم المُلهم المُخَلِّص. مجموعة من المصريين يريدون أن يعودوا إلى أيام السادات وانتصارات أكتوبر.. وفساد الانفتاح. مجموعة من المصريين يريدون أن يعودوا إلى أيام مبارك وحبيبه العادلي ونظيفه وشريفه وعزه وجماله. مجموعة من المصريين يريدون أن يعودوا إلى أيام – بالفعل هي مجرد أيام – الرئيس الملتحي المصلي المنتخب – غير المفهوم – محمد مرسي.

يتعاركون ويتصالحون.. ولكن بالتأكيد جميعهم يبغضون مجموعة أخرى مختلفة في توجهها. تلك المجموعة غير الواقعية التي تسعى لأن تعيش حاضرها وتخطط لمستقبلها ولمستقبل أولادها.


آلة الزمن والرجوع للماضي غير المبهج على الإطلاق.. مهما غنّت كوكب الشرق عن الرجوع بالزمان.. يبدو أكثر واقعية لأهل الماضي عن التطور الطبيعي لمعشر بني آدم وهو المضي إلى الأمام.. المضي إلى المستقبل.


“أنا لا أريد فقط أن أبقى على قيد الحياة، بل أريد أن أعيش” – من فيلم ١٢ سنة من العبودية


والمنحازون للمستقبل ليسوا جيلًا معينًا أو أصحاب أيدولوجية بعينها، وإنما هم مجموعة تؤمن بأن الأرض مستديرة، والشمس نجم من النجوم، وأن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء وأن الماضي سمي ماضي لأنه مضى.


“إن الثورات يدبّرها الدهاة، وينفذها الشجعان، ثم يكسبها الجبناء” – نجيب محفوظ


قبل أن أسافر إلى أدنبرة، سكوتلندا (والتي أدرس فيها حاليًا)، أمضيت وقتًا ذو قيمة عالية وغالية مع أُناس أُحبهم وأجلهم كثيرًا – اتفقت أو اختلفت مع آرائهم – فبالتأكيد أستفيد بصحبتهم وفكرهم. وكالعادة سار الحوار حول الانتخابات البرلمانية.. وتحدثنا عن إيجابيات وسلبيات المشاركة.. ومن يلام على وضعنا المؤسف.. ودفعني هذا الحديث إلى كتابة هذه السطور.


إننا وبكل أسف نقتل أنفسنا بأنفسنا ونوئد أحلامنا بأيدينا! ففي كل مناسبة انتخابية وفي كل “عُرس” من أعراس الديمقراطية لهذا النظام المتجمد، نتحدث حديث المشاهد.. المفعول به.. رد الفعل. نتحدث بغضب ثم بيأس ثم بملل ثم ننتظر العرس الذي يليه. نتحدث قليلًا عن ٢٥ يناير والـ١٨ يومًا، ثم نترحم على تلك الأيام ونعيش في نوستالجيا تصيبنا بالعجز. في رأيي المتواضع، العيش في الماضي والشعور باليأس بذرة من بذور التوحش وبداية درب أهل الماضي.


“كن حريصًا وأنت تصارع الوحوش حتى لا تصبح واحدًا منهم” – فريدريك نيتشه


والحقيقة أن ما جعل للمنحازين للمستقبل صوت وقوة، هو روح المبادرة والتعالي على الخلافات والمزايدات السياسية.. إننا وبكل أسى قد اتبعنا أصواتًا أصبحت لا تسمع الا أنفسها. فقد زادت الفردية وقلت الِمصداقية وأصبحت الشللية الثورية أشبه بالخلايا السرطانية التي تمنع قيام “أي قومة” لنا. أعتقد أننا سقطنا في فخ المحسوبية، محسوبية من نوع مُختلف، فالمظلوم منا لا يُنصَف إلا إذا كان لديه “عزوة”، والآراء الجديدة لا يُستمع إليها إلا إذا كانت مرضيًا عنها. نتقابل لنتصارع ونتحدث لنتشاجر ونتناقش لينتصر كل منا لرأيه.


إننا لسنا مهزومين لتكالب قوى الفساد والمصالح الخاصة علينا!

يا سادة، من الطبيعي أن يكون لنا خصوم وأعداء.. هكذا هو حال كل المعارك، ومن الطبيعي أن يبذل هذا الخصم أو العدو قصارى جهده للنيل منا ومن ثورتنا. طبيعي. ومن الطبيعي جدًا أن يفتري ويفرط علينا ويطغى. الكارثة كل الكارثة هى أن تكون محاطًاً بحلفاء يرفضون العمل مع بعضهم البعض! يرفضون التعالي على المصالح الشخصية، أو الأيدلوجية.


“الشيطان لا يندس إلا بإذن منا” – نجيب محفوظ


منذ عامين أو أقل تحدثت مع أصدقاء كانوا بحملة أبو الفتوح وآخرين من حملة حمدين وآخرين كانوا/أو ما زالوا – لا أعلم – في حزب الدستور. وليس من الغريب أن يتفرق الناس الى أحزاب. أنا هنا كي أعد ماجستير ثاني في دراسة الأحزاب.  ولكن من المؤسف أن كل حزب بما لديهم فرحون، ويكنون لبعضهم العداوة والبغضاء والتخوين. لقد استمعت في ما يستمع المُعَذَب في القبر أن كل فئة تُحمل الأخرى نتائج الفشل الذي وصلنا إليه. وأن بعضنا أصبح يتمنى الفشل للآخر فقط ليثبت رأي.


هل توارثنا عداوات “النخبة” التي كنا نسخر منها؟

الحقيقة أننا ظلمنا أنفسنا بشكل كبير. لن أسرد ظلم الدولة أو الإعلام أو غيره، لأن بالفعل قد كتب الكثير والكثير في هذا الأمر. لكني سأسرد في نقاط سريعة رؤيتي المتواضعة عن أسباب ضعفنا:

  • تركنا مشروع لا مركزية الثورة، عمل منظم يجمع الفرق الشبابية (والمنحازين للمستقبل) بدلًا من مشاريع أهل الماضي من الإسلامجية والقومجية، تركنا مشاريع بناء هرم التغيير من الأسفل، من القواعد، من المحليات. بل على العكس ساهمنا في تهميشها (اللا مركزية) كقضية اجتماعية سياسية حقوقية أساسية.. فلا نجد أحدًا يتحدث عن ضرورة اللا مركزية كأداة ضرورية لترشيد الحكم وتقوية المسار الديمقراطي وتحقيق أهداف وطموحات أهل المستقبل، ربما لأنه ليس موضوعًاً شيقًاً يجلب المتابعين، وربما لأننا أصبحنا مرةً أخرى مفعول به. عجيب أمرنا حقاً! نواجه نظام مركزي فلا يكون أول صراخنا: لا مركزية والعدالة لمن هم خارج القاهرة.
  • تركنا مشروع صوت إعلامي يبث للناس صورة غير الصورة السائدة، صوت غير الصوت النشاز الذي يدخل بيوتنا ويستوطن عقول أهلنا. لماذا لم يتبنى أهل الإعلام من أبناء الثورة مشروع حقيقي لقناة تبث أفكارنا وأحلامنا ولو من خلال الإنترنت؟
  • أحزابنا السياسية التي تحولت – بشكل أو آخر – صورة للمركزية والأولغاركية والاستبداد بالرأي بعيداً عن أعضائها وأنصارها.
  • تأخرنا في وضع مشروع وبديل، وبادلنا مجتمع يرتعد من الخوف بالنكات والسخرية، ودخلنا مع هذا المجتمع في حالة خصام وصراع يجعلنا نسأل أنفسنا كل يوم: لمن نثور؟! “أنا لست مطالب بتقديم البديل”. جملة في غاية التعالي والسخافة أسمعها من حين إلى حين!
  • تركنا.. ببطء.. لكن تركنا المظلومين في السجون. نعم، من حين لآخر نشيد صفحة على الإنترنت لكي نخلص ضمائرنا ونسير في خطانا ونستكمل يومنا معتمدين على الله وعلى الحقوقيين الأبطال الذين هم – في رأيي – أفضل من فينا بعد الشهداء والمصابين.


هل من الممكن أن نتحد خارج الميدان؟ هل من الممكن أن ننظم أنفسنا بدلًا من هذا الشتات؟ هل من الممكن أن نتخصص؟ كلٌ في فنه؟ هل من الممكن أن ننتقد أنفسنا قليلاً؟ هل نفعلها مرة أخرى؟ هل نخرج من العتمة نور؟


“أصحاب المصالح لا يحبون الثورات” – نجيب محفوظ


لا أستطيع أن ألوم عدوي على معاداتي، فهذا دوره، هذا قدره وقدري، ولكني يجب أن ألوم حليفي على خذلاني، وألوم نفسي على خذلانه. فإذا فعلت، ربما ـ فقط ربما ـ أدرك أن الحل ما زال بيدي وأني لم أهزم بعد وأني لم أموت بعد.


هذه ليست دعوة لجلد الذات.. وإنما هي دعوة للمراجعة.


وأخيراً شكراً للصديق العزيز والكاتب الموهوب الذي تعلمت منه كثيرًاً: أحمد سمير.

اعلان
 
 
أحمد أبو حسين