قوانين الانتخابات: عدم الدستورية يهدد البرلمان
 
 

منذ أكثر من عام ونصف العام ينتظر الشارع المصري الانتهاء من تشكي لبرلمان في ظل الدستورالجديد. وقبل فترة وجيزة من انتهاء هذا الانتظار، إذا بالأمر كله يقع في دائرة خطر الإلغاء.

ومع انتهاء تسجيل المرشحين للانتخابات البرلمانية القادمة يوم السبت الماضي، 21 فبراير، تستعد المحكمة الدستورية العليا لإصدار قرار، غدًا الأربعاء، بشأن الطعون المقدمة ضد القوانين الحاكمة للانتخابات البرلمانية اليوم، وهو قرار يمكن أن يهدد مصير الانتخابات التي طال انتظارها والمقرر أن تبدأ في مارس المقبل.

وتعد الانتخابات البرلمانية المزمع عقدها هي الخطوة الأخيرة في خريطة الطريق الانتقالية التي أعدّها الجيش، وأعلنها الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي كان وزيرًا للدفاع وقتها، عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي في يوليو 2013.

وفي 5 يونيو 2014، أصدر الرئيس السابق عدلي منصور قانون الانتخابات قبل خروجه من منصبه، بينما تطلب قانون تقسيم الدوائر الانتخابية ـ الأكثر تعقيدًا ـ المزيد من الوقت ليصدر أخيرًا في ديسمبر من العام نفسه.

القانونان لم يلقيا تفاؤل كبير من القوى السياسية التي ترى أنهما يعملان لصالح الشخصيات العامة الأوسع شهرة والأكثر قدرة من الناحية المالية، بينما يضيقان علىالأحزاب السياسية.

نتيجة لذلك، تظل الساحة السياسية مقسمة مع تبني البعض مقاطعة الانتخابات القادمة، بينما يستعد آخرون للاقتراع. ولكن مع تقديم ستة طعون ضد قوانين الانتخابات البرلمانية، هل سيؤدي حكم المحكمة الدستورية العليا ضد القوانين، إلى المزيد من التأخير للانتخابات وكيف سيؤثر ذلك على البرلمان القادم؟

كانت محكمة القضاء الإداري بالقاهرة قد صرحت لعدد من المحامين بتقديم 6 طعون ضد قانون مجلس النواب وقانون تقسيم الدوائر وقانون مباشرة الحقوق السياسية، وبدأت الدستورية العليا النظر في الطعون منذ 15 فبراير، لإصدار قرار بشأن ما إذا كانت ستؤيد أي من هذه الطعون أم لا.

وأصدرت هيئة مفوضي المحكمة الدستورية يوم السبت الماضي تقريرها بشأن الطعون، والذي أوصى باعتبار قوانين البرلمان غير دستورية، وتأييد أربعة من الطعون الستة. وعلى الرغم من أن قرار الهيئة ليس ملزمًا من الناحية القانونية، إلا أن الوسائل الإعلامية المحلية رأت أن هذا القرار علامة أكيدة على تأخير الانتخابات البرلمانية.

يعتقد يسري العزباوي، رئيس برنامج النظام السياسي المصري في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أنه من المرجح أن تعتبر المحكمة قوانين الانتخابات غير دستورية نظرًا لفنيات صغيرة.

ويشير بشكل خاص إلى المادة السادسة من قانون الانتخابات التي تنص على أنه في جميع الأحوال لا تسقط عضوية المرأة إلا إذا غيرت انتماءها الحزبي أو المستقل الذي انتخبت على أساسه مدة العضوية.

ومع ذلك، لا يتم توفير نفس نوع حماية العضوية للأعضاء البرلمانيين الذكور، الذين تسقط عضويتهم في حالة اتخاذهم قرارًا بتغيير انتمائهم الحزبي.

يشير الطعن ضد هذه المادة إلى المادة 11 من الدستور، ونصها “تكفل الدولة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل فى جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفقا لأحكام الدستور”.

ويشير أحمد البرعي، وزير التضامن الاجتماعي السابق والقيادي البارز في تحالف “التيار الديمقراطي” إلى تفصيلة فنية أخرى في قانون البرلمان تحكم ترشيح المصريين الذين يعيشون في الخارج.

تنص المادة الخامسة من القانون إلى أنه يجب أن يكون المرشح للانتخابات البرلمانية مصري من أب مصري ولا يحمل جنسية مزدوجة. في حين تنص المادة 102 من الدستور على وجوب امتلاك المرشحين جنسية مصرية، ولا تحرم حاملي الجنسيات المزدوجة من خوض الانتخابات.

يعلق البرعي على المادة قائلًا: “يقيد القانون تمثيل المصريين الذين يعيشون في الخارج في الانتخابات القادمة”.

من جهته يقول العزباوي إن “القانون يحتوى على أخطاء دستورية في هيئة تفاصيل فنية صغيرة، ولكن النظام الانتخابي الأوسع متناسق مع الدستور”.

ويشير العزباوي إلى المادة 102 من الدستور التي تنص على أن “يجوز الأخذ بالنظام الانتخابى الفردى أو القائمة أو الجمع بأي نسبة بينهما”. ومن ثم يقول إن البناء الرئيسي للانتخابات البرلمانية لن يتغير.

كما ينص القانون على أن 420 مقعد من أصل 540 مقعد سيتم تخصيصها لمقاعد فردية، بينما يتم انتخاب 120 مقعد عبر نظام القائمة، التي من خلالها يحصل الحزب الناجح في كل دائرة انتخابية على جميع المقاعد.

ياسر كساب، رئيس المركز الاقليمى للأبحاث والاستشارات البرلمانية، يقول إن تقسيم المقاعد لا يتعارض مع مواد الدستور، على الرغم من المآخذ التي عبرت عنها الأحزاب الأصغر الذين يقولون إن قدراتهم المحدودة على التعبئة مقارنة بالمرشحين المستقلين أصحاب الشهرة ستشكل حاجزًا لظهورهم في البرلمان.

وبالنسبة لهم، فإن تقديم مساحة أكبر في الانتخابات لمنصات الأحزاب في مقابل المرشحين الأفراد يمكن أن تثير المزيد من الاهتمام إلى السياسة البرامجية في مقابل المحسوبية الشخصية، المرتبطة بالأفراد الأثرياء والأقوياء.

على الرغم من أن كساب يفضل لو كان القانون قسم البرلمان القادم إلى نصف قوائم انتخابية ونصف مرشحين، إلا أنه يقول إن التقسيم الحالي للمستقلين بإعطائهم ثلثي المقاعد وامتلاك الأحزاب ثلث المقاعد فقط ليس خطأ بشكل كامل.

يضيف كساب: “ولكن إذا اثبتت الأحزاب نفسها، يمكن تعديل القانون في البرلمانات المستقبلية”.

ويشكل قانون تقسيم الدوائر الانتخابية وتقسيم المرشحين في كل دائرة انتخابية قلقًا رئيسيًا للاعبين الأساسيين الذين يمتلكون نية في المشاركة.

كان عدد من المحامين، من بينهم إبراهيم فكري، وأسعد هيكل، وكيلًا عن أستاذ العلوم السياسية جمال زهران، وأبو الحسن بشير، قد قدموا طعونًا على القوانين، من بينها طعنًا ضد قانون الدوائر الانتخابية بحجة أنه يعارض المادة 102 من الدستور التي تنص على “يبين القانون شروط الترشح الأخرى، ونظام الانتخاب، وتقسيم الدوائر الانتخابية، بما يراعى التمثيل العادل للسكان، والمحافظات، والتمثيل المتكافئ للناخبين”. وبحسب الطعن لا يُعد القانون ممثلًا عادلًا للشعب أو الناخبين.

ويقسم قانون تقسيم الدوائر الانتخابية المرشحين المستقلين إلى 231 دائرة انتخابية بمجمل 420 مقعد، بينما القوائم الانتخابية مقسمة إلى 4 دوائر بمجمل 120 مقعد. مع ذلك، يقول معارضو القانون إن هناك محافظات تتساوى تقريبًا في أعداد المواطنين و الناخبين ولكن تختلف في عدد المرشحين.

كما قُدم طعن آخر ضد المادة 25 لقانون الحقوق السياسية، جاء فيه أن الحد الأقصى للأموال المنفقة على الحملات الدعائية هي 500 ألف جنيه للمرشحين المستقلين، بينما يضاعف هذا الرقم لكل 15 مرشحًا على قائمة انتخابية، على أساس أنها ضد المساواة بين المرشحين التي يقرها الدستور، حيث أن أولئك المرشحين كجزء من قائمة لديهم أموال أعلى من المرشحين المستقلين.

هذه المادة على وجه الخصوص تشكل قلقًا للبرعي، كما هو الحال للأعضاء الآخرين في القوى السياسية المصرية.

ويعرب البرعي عن مخاوفه من أن يتم استخدام رؤوس الأموال كطريقة للفوز بالانتخابات، خاصة أن أغلبية المقاعد البرلمانية ستُسلم لمرشحين مستقلين. يقول: “نريد أعضاء من أصحاب الفكر ولديهم خبرة سياسية، ولكن رأس المال سوف يقدم مرشحين لا يمتلكون خبرة مناسبة”.

بينما يقول العزباوي إنه إذا كان حكم المحكمة الدستورية لصالح الطعون المقدمة ضد القوانين الانتخابية، إذن ستبدأ تلك العملية، التي استغرق إعدادها عام ونصف، من الصفر.

ويضيف: “ربما سيكونوا مضطرين إلى تأخير الانتخابات لتعديل القوانين وستعتبر كل الاجراءات السابقة غير صالحة.. هذا سوف يستغرق وقتًا طويلًا بالطبع”.

ومع ذلك يؤكد أنه حتى إذا تأخرت الانتخابات لن تتأثر العملية السياسية خاصة أن المواد المعدلة من القوانين سوف تتعلق في الغالب بتفاصيل فنية أكثر من كونها تتعلق بالعملية الانتخابية بأكملها. ويقول “سوف تتأخر عملية التحول الديمقراطي، والخطوة الثالثة من خريطة الطريق الديمقراطية، ولكن في رأيي، حتى إذا تأخرت الانتخابات ثلاث سنوات ستظل الأحزاب السياسية كما هي”.

في يونيو 2012، أمرت المحكمة الدستورية العليا بحل البرلمان القائم وقتها، الذي كانت جماعة الإخوان المسلمين تهيمن عليه، قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2012.

وفقًا للمحلل السياسي محمد نعيم، تم حل البرلمانات أو اعتبارها غير دستورية منذ ثمانينات القرن الماضي بسبب نفس الأسباب المتعلقة بعدم المساواة في تمثيل المرشحين بما يتناسب مع أعداد الناخبين.

يقول نعيم: “كانت أسباب تشريعية وغذتها الأمور السياسية على حد سواء، فالجانب السياسي موجود بالتأكيد في هذه القرارات”.

ويضيف أن القوانين مصاغة بطريقة معيبة، وهناك نية محتملة لحل البرلمان، أوفي هذه الحالة تأخير الانتخابات من البداية، موضحا “أثبتت الفترة الأخيرة أن القضاء ليس مستقلًا”.

ويعتقد نعيم أن تأخر الانتخابات لن يحدث اختلافًا كبيرًا، ويضيف: “الانتخابات ليست مطلبًا واسعًا من الشعب، فهم ليسوا مهتمين بالبرلمان القادم”.

بينما يشعر البرعي بالإحباط من قلة اتحاد الأحزاب السياسية المجنية قبل الانتخابات، لا يزال يعتقد أن البرلمان يمكن أن يكون آلية لممارسة سياسية أكثر تشاركية، خاصة أنه قد تم تمرير التشريعات الكبرى على مدار السنة والنصف سنة الماضيين بأمر الحكومة.

يضيف البرعي: “بالنسبة للتيار الديمقراطي، لا نرغب في حل البرلمان، سوف نضطر لخوض الانتخابات ونأمل أن يخلق البرلمان طريقًا لترجمة الدستور إلى تشريعات، وأن يكون آلية مراقبة حقيقية للحكومة”.

خلال الشهور الماضية كان الطريق إلى البرلمان صعبا ومليء بالمفاجآت، والتي من غير المرشح أن تنتهي حتى قبل فترة قصيرة جدا من بدايتها المفترضة، لكن على الأقل، اليوم، سيتم حسم واحدة من أكبر التخوفات المرتقبة التي كانت تحيط بالبرلمانات المصرية المتعاقبة على مدار العقود الماضية.

اعلان
 
 
بسنت ربيع 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن